ـ تقع مصائبنا الدينية والدنيوية بسبب مفهومين متشابهين متباينين هما الابتداع والإبداع.

ـ فعندما استخدمت البدعة والابتداع في الدين ضللنا وأضللنا.

ـ وعندما أهملنا الإبداع في العلم والتعليم تخلفنا وضعنا.

ـ وهذا أمرٌ غريب وعجيب: كلمتان متشابهتان أصلهما واحد وفعليهما متناقض.

ـ إحداهما ممقوتة مرفوضة والثانية محبوبة مطلوبة!!.

ـ فالبدعة كما قال الشاطبي في الاعتصام: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى. وهي مرفوضة.

ـ والإبداع كما قال الطرطوشي في البدع والحوادث: أصلها من الاختراع، وهو الشيء يحدث على غير أصل سابق ولا مثال احتذى ولا ألف مثله، ومنه قول الله تعالى: ) بديع السماوات والأرض ([البقرة: 117]. أي: موجدهما على غير مثال سابق.

ـ والبدعة: ضلالة لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( كل بدعة ضلالة ) جزء من حديث صحيح أخرجه أبود داود.

والبدعة مردودة ومرفوضة لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ) من أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو رد ( رواه البخاري ومسلم.

ـ من هنا قال العلماء: كل بدعة وطريقة مخترعة في دين الله ضلالة مرفوضة وهي طعن في الدين وانتقاص لدين رب العالمين واتهام لخاتم الأنبياء والمرسلين.

ـ فمن أكبر نعم الله تعالى على الأمة الإسلامية أنه أكمل لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى غيره ولا إلى غير نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم. قال تعالى: ) اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ([المائدة: 3].

ـ وقال صلى الله عليه وسلم: ( ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلاّ وقد أمرتكم به، ولا شيئاً مما نهاكم عنه إلاَّ وقد نهياكم عنه ). حديث صحيح أورده الألباني في الصحيحة.

ـ والابتداع في الدين اتهام لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن دينه ناقص والمبتدع يتدارك عليه، ليكمل له الدين.

ـ والمبتدع في الدين يتهم رب العزة أنه لم يكمل لنا الدين ولم يتم نعمته علينا كما أخبرنا في القرآن.

ـ قال الإمام الشوكاني ـ رحمه الله ـ في القول المفيد:

ـ إذا كان الله قد أكمل دينه قبل أن يقبض نبيه، فما هذا الرأي الذي أحدثه أهله (المبتدعة) بعد أن أكمل الله دينه؟!!.

ـ إن كان الدين في اعتقادهم لم يكمل عندهم إلاَّ برأيهم وهذا فيه رد للقرآن.

ـ وإن لم يكن من الدين فأي فائدة في الاشتغال بما ليس من الدين؟!!.

ـ ولذلك قال الشافعي ـ رحمه الله ـ: ( من استحسن فقد شرّع ).

ـ والبدع في الدين عند الجهلاء كثيرة، فالجهلاء يأتون بأفعال وأقوال لم يفعلها أو يقلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتعصبون لها، ويدعون لها، ويفرحون بها كأنها الدين.

أما الإبداع في التعليم والاختراع في العلوم والتفكير الإبداعي المخترع للحاسوب والتلفاز والسيارة والصاروخ والطائرة والنقال، وغير ذلك من المبتدعات والمخترعات العلمية في الحياة فهو شيءٌ مطلوب، وهو ضد الابتداع في الدين المرفوض.

ـ وبين الابتداع في الدين والإبداع في العلوم والتقنية خصومة بالغة وعداوة دائمة.

ـ فكلما تقدم المسلمون في العلم والتقانة استهجنوا البدع في شرع الله وتركوها.

ـ والدليل على ذلك: أن نسبة المثقفين والمتعلمين وحاملي الشهادات العليا في المبتدعة إلى نسبتهم للأميين لا تتناسب مع نسبتيهما في المجتمع.

ـ فالأفعال المبتدعة المهينة المشينة ينفذها الجاهلون والأميون وأنصاف المتعلمين والعاطلون، ويقف خلفها المرتزقة والمنتفعون والمخدرون للشعوب بالبدعة من رجال الدين المبتدعين.


ـ الابتداع في الدين تخلف وسوء أدب مع الله سبحانه وتعالى ومع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يتنافى مع التقدم العلمي. أما الشرع الحنيف نفسه فلا يتنافى مع الدين ولا يناقضه، والدليل على ذلك: أن الصلاة يتقبلها العالم في العلوم الكونية، والعالم في الدين ولم نسمع عن أحدٍ اعتبرها تخلفاً ورجعية من المسلمين. والكل يعلم أنها من محاسن الدين، وكذلك الصيام، والزكاة، والحج، والشهادتين.

ـ أما البدعة فلا يقدم عليها عالم العلوم الكونية العالم يدنيه، ولا عالم العلوم الشرعية الفقيه في دينه، وهي من الزبد غير النافع.

ـ انظروا إلى تجمعات المبتدعة في الدين تجدون المتخلفين علمياً، والعاطلين، وأنصاف المتعلمين والمنتفعين من المتعلمين يقودونهم، ورجال الدين المبتدعين المتنفعين بالدين.

ـ وانظروا إلى تجمعات المبدعين ومراكز البحوث العلمية الفاعلة في العلوم الكونية تجدون العلماء والعلميين، والعقلاء والمخترعين والمتفوقين دراسياً والبارزين اجتماعياً وثقافياً.

ـ وشتان بين المبتدع الممقوت في الدين المتخلف علمياً ودينيّاً، وبين المبدع في العلوم الكونية المتفوق عقلياً وعلمياً والذين قال الله تعالى فيهم: ) إنما يخشى الله من عباده العلماء ([فاطر: 28]. أي: أن أشد الناس خشية لله العلماء، الذين يعرفون قدر ربهم وحدود دينه، ولا يضيعون وقتهم في المناشط البدعية غير المفيدة المردودة عند الله ولا يستخدمون البدع لتخدير الشعوب.

فمن شرط قبول العمل عند الله كما قال العلماء: أن يكون خالصاً صواباً، خالصاً لله لا شرك فيه، صواباً على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم والعلم الصحيح والعلماء يعلمون أن المصطفى صلى الله عليه وسلم تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك وهو سبحانه القائل: ) اليوم أكملت لكم دينكم وأتمتت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ([المائدة: 3].

ـ فمن يأخذ بأيادي المبتدعين الجهلاء ليخرجهم الله بفضله ثم بفضلهم من الظلمات إلى النور



الدكتور نظمي خليل أبو العطا