بينما كنا مع جمع من الضيوف نتناول العشاء في مطعم بأحد فنادق الكويت العاصمة أول من أمس، دخل جمع من الأخوة المصريين وجلسوا إلى الطاولة المجاورة وكان من بينهم الفنان الغنائي الشهير عمرو دياب، طلبت الى رئيس طاقم المطعم ان يتكرم بإبلاغ عمرو دياب ان الدكتور محمد العوضي يرغب في فتح حوار معه على هامش العشاء حول الدين والفن والشهرة والجمهور والجسد.
وما إن انتهى الرسول من الهمس بأذن عمرو عن رغبة العوضي في لقائه حتى قام من كرسيه، والتفت إلى العوضي وعانقه، وتم اللقاء الطويل الممتع الثري والصريح من كلا الطرفين وهذا ما دار بينهما:
• العوضي: باختصار يا عمرو وأمام أصحابك ماذا أعطتك الشهرة؟
- عمرو: اعطتني الكثير ولكن أفقدتني الكثير أيضاً!
• العوضي: وما أهم ما فقدت؟
عمرو: حريتي وأعيش كأنني محاصر وأنا الآن أعكف على تأليف كتاب اسمه «الحلم» أتكلم فيه عن تجربتي الفنية، والحقيقة أن الحلم انقلب إلى كابوس!
• العوضي: كيف ترى محاكاة وتقليد الشباب للرموز الفنية؟
- عمرو: تصور، أطلقت لحيتي مرة في احدى اغنياتي فرأيت شباب مصر ملتحياً!! كيف تفسر ذلك؟!
• العوضي يجيب: من سمات الشباب البحث عن قدوة ورمز يشبع من خلاله حاجاته النفسية وأحياناً تكون كاريزما النجم قوية فيتوحد بها الشباب لدرجة الجنون ويقلدونها في ما يعقلون ولا يعقلون... لذلك يا عمرو تلاحظ ان الدعاية والاعلام يقومان على نظرية الاقتران الشرطي، بمعنى أنهم يأتيان ببضاعة ضعيفة أو تافهة أو عادية ويجعلان النجم الغنائي أو الرياضي المحبوب يصور معها، هذا الارتباط بين السلعة والنجم هو الذي يسوقها، فحب الرمز يسوق ما يتناوله من مشروبات أو يركبه من سيارات أو يلبسه من بنطلونات.
- عمرو دياب: كلام جميل وصحيح 100 في المئة.
• العوضي: لقد بلغت شيطانية الدعاية والإعلان إلى حد ان جمعت بين عالم الفن والرياضة عندما صنعت دعاية للأولمبياد اختاروا لها هيفاء وهبي ونجم المنتخب الفرنسي، والله يعين الشباب. هل تشك يا عمرو لحظة ان الهدف ليس امتاع الناس وإنما استغلالهم من الشركات التي تعتبرهم مادة خام للتوظيف! عمرو: لا أشك أبداً.
ويستطرد عمرو دياب، عايز أسألك سؤال إحنا نشأنا في مجتمعاتنا وفي عقولنا ان العري والتعري هو الحرام الوحيد بينما الكلام عن الظلم، وأكل حقوق الناس وغير ذلك من الجرائم لا تسلط عليها الأضواء... ما رأيك؟!!
• العوضي: الإسلام دين شامل ومتكامل لكن الموروث الشعبي والوعي له دور في تغليب جانب على جانب آخر من أحكام الشريعة وآدابها... فعلينا ان نفهم فقه الأولويات كي نتوازن في تناول أحكام الشريعة، وبالمناسبة عن حديث العري أنا أيضاً أسألك: (ألست معي في ان الغناء المعاصر والفيديو كليب حوّل المرأة إلى حيوان استعراضي، وجسد (لحم) مرمي للذئاب الجائعة؟!) بالله عليك يا عمرو من يقف وراء الدفع بالغناء إلى المزيد من السقوط والفجور لدرجة تغزل فنانات بالحمير والخيول؟!
• عمرو دياب: بصراحة متناهية أقول لك, انهم رجال أعمال كبار وبعض أبناء الأمراء في الخليج ومصر وما لا نهاية!!
• العوضي لعمرو وفريقه ورفاقه وهم على الطاولة:
هل تعرفون الدكتور عبدالوهاب المسيري؟ الجميع, طبعاً أشهر من أن يُعرَّف به!
العوضي مكملاً: الدكتور المسيري له مقال على موقعه في النت بعنوان «الفيديو كليب الجسد والعولمة»، أرجو ان تقرأوه وتحللوه... الرجل رصد ظاهرة قنوات غناء الكليب، وقام باستعراض الأغنية العربية منذ بدايتها وكيف تطورت وما هي القيمة الجديدة والمضافة، وناقش من خلال المقال مفهوم الحرية المطلقة التي لا وجود لها في الواقع، وختم مقاله بما يهمنا جميعاً حيث يقول المسيري: قد يسألني سائل ماكر ويقول: هل استمتعت وأحسست باللذة وأنت تتابع الفيديو كليب الذي تتراقص فيه هذه الأجساد الجميلة حتى وأنت تدرسها وتحللها؟
- ورد عمرو دياب ومن معه، «بماذا أجاب المسيري»؟
• العوضي: أجاب بالمنطق العقلي في مخاطبة كل إنسان حتى لو كان علمانياً أو ملحداً فقال في ما معناه: «نعم استمتعت، ولكن السؤال الذي يجب ان يحاذي المتعة، هل المتعة هي المعيار الوحيد في العلاقات الإنسانية، وماذا يكون موقفنا من المتعة اذا أتت على بنيان الأسرة والمجتمع وحطمت قيمة الإنسان؟!»... أقول لكم: «صدق المسيري، وان كل ما يصنعه هذا الغناء الفاجر تخريب وهدم للأسرة والإنسان والعجيب ان الخاسر الأول هو المرأة!». واضاف العوضي : اعتقد ان الراحــــــــل عــــبــــدالحلـــــيــم حــافـظ مــــقارنة بــــمطربــي الـــــــعـــري وخطاب الجــسد اليوم «يطلع عليــهــــم ســــلـفي»!!
• عمرو دياب: «كثيرون شاطرين» فقط في انتقاد الفضائيات الراقصة وادانتها، مع أن الحل بسيط هو أن تأخذ جهاز الريموت وتقفل القناة وترتاح بدل التبرم!
وقبل أن يجيب العوضي جاءت مكالمة هاتفية لعمرو ثم جاء بعض المعجبين للسلام عليه.
• العوضي: قفل القنوات سيئة الذكر والفعل، هو العلاج النهائي لكنه علاج جزئي ويجب ان نعرف المنهج التربوي السليم في مثل هذا الخلل.
فالإسلام ليس ديناً علاجياً فحسب، وانما هو دين وقائي يضع التدابير الوقائية، أي يمنع كل وسيلة تدفع إلى الشر وتحرض على الفجور، ثم يربي الناس على الإيمان والخلق ثم يعطي موازين للخطأ والصواب ويحدد ما هو حرام وفاحش وما هو نظيف وحلال، ويحارب الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، والعلاج الأخير في الحدود يأتي بعد ان يستنفد كل تلك المراحل. لكن يا جماعة: نملأ الجو بالجراثيم الراقصة ونغرق الشوارع والمنتزهات والمطاعم والمجمعات التجارية ونحاصر الشباب بالصور العارية الثابتة والمتحركة وعلى مدار الساعة وبعبقرية شيطانية، ثم نقول لهم أغلقوا التلفاز أو أغمضوا عيونكم! هذا ضحك على الذقون... لأن هذه الدعوة تقوم على امكان تحقيق الغايات الإنسانية النبيلة دون الاستعانة بشيء من وسائلها وهذا ما لا يقره أي عالم تربوي أو مفكر فلسفي، فضلا عن نهج القرآن الكريم الذي يحرم الوسائل الفاسدة، لكي لا تؤدي إلى المقاصد الفاجرة لذا نجد الآيات دائما تدعونا إلى عدم الاقتراب من مال اليتيم ومن الفواحش، لأن الاقتراب يمهد للسقوط! وها أنتم ترون بأم أعينكم كيف سقط الفن بشهادة أهله وكبار أقطابه.
• عمرو دياب: هناك حاجة «منزعج منها» تخص الدعاة والمشايخ كنت في الطيارة وجلس بالقرب مني أحد الدعاة ورأيته وجه نقداً لدعاة آخرين فحزنت ان يكون التنافس بين الشيوخ زي التنافس بين الفنانين، المفروض ان الشيوخ يحبو الخير للناس ولا يغرقوا بالتفاصيل ويعطونا الاولويات وميتحولوش إلى متنافسين على الجمهور مثل الأهلي والزمالك، وشخصيا دون مجاملة أنا قدوتي الشيخ محمد متولي الشعراوي العالم المربي، ولا أخفيك أنا معجب بطرحك وثقافتك الواسعة وأسلوبك الجميل.
• العوضي: علينا ان ندرك ان الدعاة بشر ومن حق أي أحد ان يبدي ملاحظاته على أي طرح ما دام ظهر للعلن وللجمهور سواء كان طرحا فنياً شرعياً تربوياً سياسياً أو اجتماعياً ويبقى النضج والوعي والحدة والعقلانية تتفاوت من شخص لآخر، واعلم ان لا عصمة لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم... فالكل تحت مجهر النقد.
• عمرو دياب: تصور إذا كان الناس يكادون يقدسون المطرب من شدة اعجابهم به، بعض الناس جعلوا لي مذهبا فنيا وبعض البنات رفضن الزواج لتعلقهم بشخصي، ورأيت صوري في بيوت الناس في أوروبا وغيرها.. أنا مصدوم من هذا التعلق.
• العوضي: علشان تدرك أثر الاغواء الإعلامي وبساطة الناس وان الحل ليس بإغلاق التلفزيون، إنما بتصحيح خطأ عام وبتغير الاهداف والسلوك والرؤى والتوبة والثورة على الذات والرجوع لمصدر الأمن والايمان. إذا الواقع لا ينبغي ان يعمينا عن الحق والطرح التربوي الكامل الأصيل.
• عمرو دياب: أحب أن اناقش قناعة كونتها لدي عن مفهوم العبادة، انني أرى ان الذي يكثر من العبادات وهو يطمع في الجنة وما فيها من ملذات وأطايب وحور وانهار... هذا في رأيي انسان طماع لا يحركه لطاعة الله إلا المصلحة... أنا أفهم ان الله ينبغي ان نعبده لأننا نحبه فالحب هو أهم شيء في التعامل مع الله. وبعض الشيوخ يخوّفون الناس من العذاب وبعض البرامج الدينية لا تسمع ترانيمها ودعاءها إلا مع صور البراكين والنيران وهذا شيء مسيء للدين ومنفر.
• العوضي: ما من إنسان منا إلا ولديه ثلاث عواطف رئيسية: 1 - عواطف دافعة تحثه على العمل كالفرح والأمل والرغبة. 2 - وعواطف رادعة تحضه من الاندفاع كالخوف والرهبة والاشفاق. 3 - وعواطف مُمَجدة كالاعجاب والحب والتقديس. والانسان السوي المتوازن هو الذي يجمع هذه العواطف في شخصيته بمزيج متكافئ. وطغيان عاطفة واحدة بشكل متطرف على أخواتها من العواطف الثلاث يحدث الخلل في الشخصية. لذا نعبدالله كما في الآيات القرآنية حباً وخوفاً وطمعاً. صحيح الحب هو الأصل، ولكن اذا دققت الفهم لوجدت ان الخوف كما يقول ابن القيم ينتهي إلى الحب، مثلا يا عمرو دياب أنت تخاف من المرض لأنك تحب الصحة وتخاف من الهزيمة لأنك تحب النصر وتخاف من الفقر لأنك تحب الغنى، وتخاف من النار لأنك تحب الجنة... فهما متلازمان ولو كان الحب حقيقياً عند أهل الفن لاعتزل 95 في المئة منهم عن أعمالهم المناقضة لحب الله.
وهنا قلت: مثال يا عمرو دياب: الواحد منا يحب زوجته لذا فهو يخاف أن تراه مع امرأة غيرها فتتركه... أليس مبعث هذا الخوف هو حبه لها؟!
قال العوضي: وبما أنك تحب الشعراوي فاسمع جوابه، يقول: «من الناس أصناف، والله يراعي تفاوت مستويات عباده، فهناك من يعبد الله وهو يفكر في النعيم المادي والعطاء العظيم في الجنة، وهذا شيء مشروع ونزعة بشرية موجودة، ولكن هناك صنف آخر يعبد الله وفكره متجه إلى رضا الله وحبه والحياء منه والخوف من عقابه أكثر من تفكيره بعطائه المادي... فكما يقول الشعراوي: «هناك من تشغله النعمة أثناء عباداته وهناك من ينشغل بالمنعم سبحانه». وأقول: «المسألة متداخلة ومتكاملة».
• عمرو دياب: ألا تلاحظ ان الناس بتعبد ربنا لكن أعماله خارج الصلاة تناقض العبادة ذاتها... ياكلوا حرام وياكلوا مال النبي كمان؟!
• العوضي: تعرف محمد قطب المفكر المصري؟
عمرو دياب: طبعاً أخو سيد قطب، العوضي: عنده كتاب اسمه «مفاهيم ينبغي ان تصحح»، ذكر ان المفهوم الثاني الذي وقع فيه الخلل عند المسلمين هو مفهوم العبادة على مستويات:
أولاً: فصل العبادة عن العمل فصار الإنسان في المسجد شيئا وفي العمل شيئاً آخر لأنه يجهل ان العمل عبادة.
وثانياً: فصل العبادة عن الأخلاق فنجد المسلم حريصاً على الشعائر التعبدية في أوقاتها وأماكنها ولكن أخلاقه مع العالم «زفت»، وثالثاً: فصل العبادة عن المتعة فتجد الصائمين في نهار رمضان هم الذين يحيون الخيام الرمضانية الماجنة ليلاً.
وكل هذا لأن العبادة فرغت من محتواها ومقتضياتها ولوازمها وتحولت إلى عادة أو واجب وقتي ثقيل كأنه توقيع كرت الوظيفة والدوام... أي مجرد أداء الواجب!!
في نهاية اللقاء جلس عمرو دياب مع العوضي على طاولة صغيرة منفردين عن الجميع ولا ندري بماذا تصارحا وماذا دار بينهما وجهاً لوجه،
وهذا ما رفض العوضي الإفصاح عنه حين عودتنا بالسيارة.

نقلا عن جريدة الرأى العام الكويتية