ثانياً: عقد القران

إذا تصفحت كتب الفقه ستجدين أن ( العقد ) يتزامن مع (الزواج)، فتجدين أن السطور أو الصفحات الأولى في هذا الباب من أي كتاب فقه تتحدث عن صيغة عقد القران وشروطه و ........ و ..............

ثم تأتي الصفحات التالية مباشرة لتتحدث عن حقوق الزوجين !!!

أي أن العقد والزواج في كتب الفقه متلازمان دائماً ..

ولكن ما حدث في عصرنا الحديث – وربما في الثلاثين سنة الماضية فقط – هو أن عقد القران قد ينفصل عن الزواج شهوراً أو ربما سنوات، وتظل هذه المسافة بينهما غامضة معقدة مجهولة المعالم، فلا هي زواج ولا هي خطبة !!

ولا وجود للإجابة عن تساؤلاتها في كتب الفقه، لذلك ظل هناك تخبط أو ارتباك في تطبيقات الناس لها. فتجد أن الأب - مثلاً – يميل إلى أن يساوي بينها وبين الخطبة، وربما يطلب من ابنته أن تلتقي بخطيبها في وجود محرم وربما في كامل زيها الشرعي ..

بينما نجد أن الخاطب أحياناً قد يميل إلى إعتبارها زواجاً كاملاً أو شبه كامل فيبيح لنفسه كل شىء. والبعض الآخر يحاول أن يتوسط فيرى أن العقد فرصة للحب " الرومانسى " مع " اختطاف" بعض الحقوق التي تبدد قليلاً هذه الأشواق الملتهبة، وتهدىء ضغوط الرغبات الثائرة ...

وتقفين أنت – أيتها المسكينة – حائرة في وسط هذا المشهد لا تدرين في أي اتجاه تسيرين؟!

مع الأب الذى مازال ينفق عليك ومازلت تعيشين في داره وتحت مسؤوليته؟

أم مع زوج المستقبل الذى يستعطفك بنظراته العطشى التي تؤكد لك أنك زوجته؟!

الشرع وعرف المجتمع

البعض يصور المشهد على أنه معركة بين الشرع وعرف المجتمع، فيعتقد أن الشرع يبيح كل الحقوق الزوجية وأن العرف لا يسمح بهذه الحقوق طالما لم يحدث زفاف.

فهل صحيح أن المسألة مسألة صراع بين الشرع والعرف؟

وأقول _ رأيي - : بالطبع لا ..

فالشرع والعرف يتفقان على نقطة هامة في الحصول على الحقوق الزوجية وهي : الإشهار. لذلك نجد أن الأحاديث النبوية التي تحدثت عن ( النكاح) ارتبطت دائماً ( بالإشهار) .. يقول " صلى الله عليه وسلم " :

" أشيدوا النكاح (ارفعوا أصواتكم به ) وأعلنوه" رواه الترمذي. ويقول (صلى الله عليه وسلم:

" أشيدوا النكاح، أشيدوا النكاح، هذا النكاح لا السفاح" رواه بن منده.

والنكاح يعنى من الناحية اللغوية الالتصاق والانضمام والاختلاط.



يُقال: نكح المطر الأرض = اختلط في ثراها

نكح الدواء فلاناً = خامره وغالبه

وتناكح الشجر = انضم بعضها إلى بعض

نفهم من هذا أن الشرع قد اشترط ( الإشهار) لوجود العلاقة الجسدية .. وهذا هو نفس الشرط الذى اشترطه العرف أيضاً .. وبالتالى فإن حفل "عقد القران " – الذى يحدث فيه إشهار " للعقد فقط " – هو من وجهة نظر الشرع والعرف كليهما: زواج مع إيقاف التنفيذ لأنه لم يحدث إشهار " للنكاح " ..

أي أنه قد أعلن أمام الناس أن هذا الشاب وهذه الفتاة قد ( عقد قرانهما )، ولم يعلن أنهما زوجان وأن من حقهما أن يقضيا أسبوعاً معا في الاسكندرية مثلاً !!

كل من الشرع والعرف لم يتنازل عن شرط ( إِشهار ) النكاح ليكون نكاحاً ..

ما تم إشهاره هو العقد فقط، الذى يعني من وجهة نظر الشرع والعرف – كما ذكرنا – زواجاً مع إيقاف التنفيذ ....

ويأتي السؤال: ما العمل في هذه الفترة التي لا هي خطبة ولا هي زواج؟!

وأقول - أنه من خلال عملي بصفحة مشاكل الشباب بموقع إسلام أون لاين – قد جاءتنا عشرات وعشرات الأسئلة حول هذا الموضوع تسأل عن هذه الفترة المحرجة وتسأل عن الضوابط والحدود فيها ..

وإذا كانت ضغوط الإغراء تجلد أجساد الشباب والبنات، ويأتي قصف الفتنة والإثارة من كل مكان .. الشوارع .. الجامعة .. الإعلام .. الأغاني .. فهل من المنطق أن يجلس الشاب مهذباً أمام فتاة عقد قرانه عليها لنقول له أن الشرع والعرف يقولان لك: ممنوع الاقتراب !!

هذه كلها تحتاج لإجابات واضحة ..

*وأقول إن هذه المشكلة:

· لها حل جذري جماعي بعيد المدى يجب أن يشارك فيه المجتمع بكل مؤسساته وافراده.

· ولها حل جزئي متوسط المدى يجب أن يشارك فيه المجتمع والأفراد.

· ولها تأقلم فردي لا يحل المشكلة وإنما يتكيف معها.



أولا: الحل الاجتماعي بعيد المدى

- أن يدرك المجتمع أنه من الجبن والخسة أن يقف سلبياً متفرجاً على هذه المهزلة، فهناك فترة عزوبية ثم قراءة فاتحة ثم خطبة ثم عقد قران ... ثم يأتي الزواج وكلا الطرفين على مشارف الأربعين!!

وقد مضى عمرهما بلا سكن ولا حب بينما سياط الرغبة الجسدية والنفسية تطاردهما، ويقضى عليهما بعقوبة الحبس المؤبد – لمدة خمسة وعشرين عاماً – في زنزانة الصيام منذ سن البلوغ وحتى سن الزواج، وكل الجريمة التي ارتكبوها هي أنهم ولدوا في هذا الزمن الذى تحيط بهم ثقافة الإغراء من كل مكان، ويقف مجتمعهم الجبان صامتاً!!!

- أن تهتم الحكومات بشعوبها وبمشكلاتهم الحقيقية وتقدم حلولاً واقعية للبطالة والكساد.

- ان تدرك الجمعيات الخيرية أن هناك أنشطة أخرى يرضى عنها الله تعالى غير رعاية الأيتام وتحفيظ القرآن ودفن الموتى وعلى رأسها تيسير الزواج مصداقاً لقوله تعالى: " وانكحوا الأيامى منكم".

و( الأيم ) هو من لا زوج له سواء كان رجلاً أو إمرأة.

- وأن تهتم التيارات الدينية بالهموم الحقيقية لمجتماعاتهم وتواجهها بنفس الشجاعة والدأب الذى تواجه به قضاياه الدعوية أو الوعظية أو السياسية ...

ثانيا: الحل الاجتماعي متوسط المدى

وهذا هو الذى اقترحه الأستاذ الشيخ " عبد الحليم أبو شقة" في كتاب تحرير المراة في عصر الرسالة يقول:

إذا كان طول الزمن بين الخطبة والزفاف وما قد ينتج عنه من محذورات .. قد أصبح ظاهرة عامة، وخاصة في بعض المجتمعات المعاصرة التي تشتد فيها أزمة الإسكان، ويصعب بل يكاد يستحيل على كثير من الشباب توفير مسكن مستقل بعد سنوات طويلة من العمل المهني، وفي نفس الوقت لا تسمح ظروف أهل الزوجة باستضافة الزوجين معاً.

إذا كان الأمر كذلك فنحن نعرض اقتراحاً لعلاج هذه الظاهرة الخطيرة، ونرجو أن يناقشه أهل العلم .. وخلاصة الاقتراح أنه إذا لم يتيسر المسكن المستقل ولا الإقامة معاً في بيت الأهل فيمكن أن يتم الزفاف، مع بقاء كل من الزوجين في بيت أهله على أن يقضيا عطلة نهاية الأسبوع معاً في مكان مناسب مثل بيت أحدهما أو فندق يتناسب مع قدراتهما المالية.

د. فيروز عمر
هذا هو الجزء الثانى واتمنى لكم حياة طيبة وكريمة