التصوف نزعة فطرية في النفس الانسانية ، يشترك فيها الناس كافة . وقد احتدم الجدل حول اشتقاق كلمة تصوف ، وحسبنا في هذا المقام ان نقول أرجح الآراء فيه هو نسبته إلى لبس الصوف الذي كان مظهرا للتخشن والتقشف، فروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال : ((من لبس الصوف وأكل خبز الشعير فليس فيه من الكِبَر))، وقيل من أحب ان يجد حلاوة الإيمان فليلبس الصوف، وخرج عيسى (عليه السلام) على أصحابه وعليه جبة من صوف
لقد تأثر الصوفية بالقرآن الكريم أيما تأثير وأخذوا عنه جلّ تعاليمهم ومبادئهم كما كانوا يستشهدون بآياته على أصل صحة دعواهم ويدافعون بها عن وجهة نظرهم ، حين لجّ الجدل بينهم وبين من عارضوهم وكفّروهم ، وهم دائمو النظر فيه، غواصون على معانيه ، لا يأخذون بظاهره وإنما يدركون من باطنه ما لا يتأتى إدراكه لغيرهم. لأنهم كانوا ينظرون إلى الكتاب الشريف والسنة المطهرة بنظرين ، يأخذونهما على ظاهرهما بما تقضي به أصول العلوم ومنطق التفكير ، ويأخذونهما على باطنهما بطريق الذوق والكشف إذ لا سبيل للعلم أو للمنطق في هذا بقليل أو كثير . وهذا أساس مناهجهم في علومهم كافةً في التفسير والفقه والتوحيد.


ويجدر بالذكر أن شخصية أبي منصور الحلاج أثرت في شاعرية اكثر من شاعر تركي كونه شهيدا للعشق الإلهي وردّد قولته المشهورة (أنا الحق) أكثر من شاعر تركي أمثال (أحمد يسوي ويونس امره ونسيمي ولامعي وأقتاي).والحلاج هو أول من ذكر نظرية النور المحمدي ، وفحواها : أن نور محمد (صلى الله عليه وسلم) ظهر قبل ظهور الخلق ، ولولاه ما كانت الأكوان ولا كان أي وجود، ومنه استمد الأنبياء والأولياء المعرفة. وقد عينت هذه النظرية للمدائح النبوية اتجاها صوفيا . وما كان هذا المدح قبلها إلا مدحا عاديا . ولا شك في أن مدح النبي في الشعر التركي متأثر بالنور المحمدي لأنه نشأ بعد تلك النظرية بقرون . وعليه يمكن القول بأن الحلاج أثر في الشعر التركي هذا التأثير . وهو تأثير جوهري عظيم الأهمية . لأنه منصرف إلى باطن المعنى لا ظاهر المبنى .
ومن مشهورات الحلاج في الاتحاد قوله:



أنا من أهوى ومن أهوى انا
نحن روحان حللنـا بدنـا
فـإذا أبصرتنـي أبصرتـه
وإذا أبصرتـه أبصرتـنـا


والاتحاد الذي يصفه الحلاج إتحاد حلولي بين روح الله وروح الإنسان ، ومما تحسن الإشارة إليه أن هذا الاتجاه عنده لا يجعل طبيعة الخالق والمخلوق طبيعة واحدة . وإنما يظل جوهر كل منهما على ما هو عليه ولا يعد ذلك الحلول صوفيا خالصا لأنه شديد التأثر بالنظر العقلي المنقول عن المسيحية ، ولا غرو فقد كان الحلاج راسخ القدم في شتّى العلوم محيطا واسعَ الإحاطة بتعاليم الأديان . قال الحلاج : من ظن أن الإلهية تمتزج بالبشرية أو البشرية تمتزج بالإلهية فقد كفر فإن الله تعالى تفرد بذاته وصفاته عن ذوات الخلق وصفاتهم فلا يشبههم بوجه من الوجود ولا يشبهونه بشيء من الأشياء وكيف يتصور الشبه بين القديم والمحدث
وللغزل الصوفي أقسام ثلاثة : أولها غزل صوفي صريح كونه صوفيا يقول ذو النون المصري المتوفى عام 245هـ



حبـك قــد أرقـنـي
وزاد قلـبـي سقـمـا
كتمته في القلب والأحش
ـاء حـتـى انكتـمـا
لا تهتك الستـر الـذي
ألبستـنـي تـكـرمـا
ضيعت نفسـي سيـدي
فـردَّهــا مسـلـمـا



والثاني غزل يصلح لأن يكون إنسانيا وصوفيا في آن واحد تقول السري السقطي المتوفى عام 257هـ



القلب محترق والدمع مستبـق
والكرب مجتمع والصبر مفترق
كيف القرار على من لا قرار له
مما جناه الهوى والشوق والقلق
يارب إن كان شيء فيه لي فرج
فامنن عليّ به مادام لـي رفـق


وهذا الغزل له ظاهر وباطن ، فمن فهمه على ظاهره جعله غزلا حسيا إنسانيا أما من أدرك باطنه فقد عرف أنه غزل صوفي إلهي وذلك لإنعدام القرينة فيه على حقيقته فنحن ، لم نجزم بصوفيته إلا بنسبته إلى صوفي
أما النوع الثالث فغزل رمزي قد يكون صوفيا أو غير صوفي ومثاله قول أبي سعيد الخراز :



أسائكم عنها فهـل مـن مخبـر
فما لي بنعم مذ نأت دارهـا علـمُ
فلو كنت أدري أين خيـم اهلهـا
وأي بـلاد الله إذ ظعنـوا أمّــوا
إذاً لسلكنا مسلك الريـح خلفهـا
ولو أصبحتْ نعمَ ومن دونها النجمُ


ففي سؤاله عن صاحبته نعم وذكر الرحلة خلفها رمز إلى تعلقه بالله وحده وانقطاع قلبه عن كل شيء إلا محبته ، وقد يحول الصوفيه معاني الغزل الإنساني إلى معانٍ صوفية بحتة ، وذلك بأن يستشهدوا به ثم يعقبوا عليه مشيرين إلى صنيعهم هذا كما فعل الشبلي الذي استشهد بقول القائل :



وعينان قال الله كونا فكانتا فعولان بالألباب ما تفعل الخمر



ثم بادر إلى قوله " لست اعني العيون النجل ولكني اعني عيون القلوب ذوات الصدور فطوبى لمن كان له عين في قلبه وأذن واعية وألفاظ مرضية
من الباحثين من يذهب إلى أن الحب الحسّي كان أساس الحب الروحي ؛ لأن المحبين في العوالم الروحية كانوا في بدايتهم محبين في الأودية الحسية ، والهيام بالجمال الإلهي لا يقع إلا بعد الهيام بالجمال الحسي ، والمحبون في الأودية الحسية لا يتجهون إلى العوالم الروحية ، إلا بعد أن تدلَّهم الدنيا على أن الجمال الإنساني كالظل يتحول ويزول ، ويضربون مثلا على ذلك فيقولون : إن أشعار إبن الفارض في جملتها حسيّة وهي في بعض الأحوال رمز للمعاني الروحية ، ويكاد يكون من اليقين أن حبه الأول هو السر في وقدة حبه الثاني
والأخذ بأن الحب الإلهي متطور عن الحب الإنساني يستلزم أن يكون جميع شعراء الصوفية من أهل الصَّبابة في سالف أيامهم ، وهذا ما لم يقم عليه دليل ولم يروه الرواة ولا نعرف شاعرا فارسيا ولا تركيا عرف بحبه الإنساني قبل ان يعرف بحبه الصوفي ..
ولا نظن أنّ الحب العذريّ تطور فتحول إلى حبّ صوفيّ .. لأن الحب العذري جاء نتيجة لتأثير الإسلام في النفوس ، فقد هذّب الإسلام الغزل وسلك إلى تهذيبه هذين الطريقين : هذب النفوس التي كان يصدر عنها وهذب الصورة التي كان يقال فيها
إذن نشأ الغزل العذري عن إلتقاء عنصرين ٱثنين :أولهما العاطفة الدينية والثاني الميول الجنسية في نفس المؤمن الذي حَسُن إسلامه وإيمانه وقوي يقينه . والغزل العذري أيضا هو التعبير الفني الشعري عن هذا الحب الذي يجمع بين العاطفة والعفّة ، إنه هذه الثروة الشعرية التي خلفتها النفوس المحبة التي تذرَّعت بالإيمان واحتمت بالعفّة . والإسلام لم ينفخ في نار الحب ليطفئها ، ولم ينفخ فيها كذلك ليوقدها . فتلك من شؤون النفس ، والحياة التي لم يواجهها منفصلة عما حولها ولم يعالجها منقطعة عما وراءها وأمامها ، وإنما نظر إليها هذه النظرة الجامعة فشقَّقّ لها الطريق ، وصعد فيها الميول وأضاف إليها هذا الحاجز الذي يحول بين طغيانها وبين المجتمع .. وأخيرا زرع في نفس المؤمن نزعة أخرى.



والإتحاد عند الحلاج إتحاد حلولي بين روح الله وروح الإنسان كما ذكرنا سابقا ثم ينتقل فضولي إلى ذكر رأي الصوفية في العقل ، وهو أن العقل ليس طريق المعرفة إلى الأسرار الإلهية ، قد يكون طريقا لغيرها ، ولكنه ليس طريقا لها بأي حال . أما طريقها فهو العشق الإلهي . يقول فريد الدين العطار : العشق يعرف صفاتك لأنه من الجوهر إنه يكشف الحجاب لأنه رآك في وحدتك فعرفك. والمعرفة كالمحبة ، منحة ربانية وطريقها الإشراق والكشف وليس العقل ، فالعارف برأي الحلاج ، من الله بمنزلة شعاع الشمس منها بدأ وإليها يعود. ومنها يستمد وجوده. وحتى إذا كان للعقل العاجز دور هنا . أي في معرفة الأسرار الإلهية فإنه يصل إلى ذلك بهداية العشق ، فالعقل إذا تأملنا فيه ، وجدنا فيه في كل لحظة ، خريفا وربيعا .
أما الروح العاشق وهو مستودع المعرفة والأسرار الخفية الحقّة فإنه نضر أبدا كالبستان اخضر ريان . لذا يقول فضولي



سلوك طريق العقل زاد تحيـري
بذا العشق بدلت الضلالة بالهدى