إسرائيل لا تتورع عن أي شيء - إسرائيل لا تستطيع كل شيء

ليس هنالك من جريمة تتورع اسرائيل عن ارتكابها سواء بالعلن ام في الخفاء وسواء في البلاد ام في اي مكان. كما انه لا توجد حدود للانحطاط الاخلاقي الذي يميز هذه الدولة، التي قامت بالجريمة ككيان استعماري عنصري ولا تستطيع ان تكون غير ذلك.

في المقابل اعتقد انه من الخطأ الكبير اعتبار اسرائيل قادرة على كل شيء. واعتبارها اسطورة فوق قوانين الحياة وفوق قوانين الطبيعة وفوق التاريخ. اسرائيل تريد عالمنا العربي وعالمنا الواسع ان يتعامل معها بهذا الشكل كما لو كانت اسطورة خارقة، او كيانا اسطوريا قادر على كل شيء ويعرف خبايا كل شيء. وهذا ما حاولت هذه الدولة بثه تاريخيا كجزء من استراتيجية الردع ومركب في الامن القومي الاسرائيلي، بأن ايادي الموساد تصل اينما تريد.

والسياق لهذه المقدمة هو الانشغال الفلسطيني والعربي الواسع في موضوع تشخيص الحالة الصحية للرئيس عرفات والسبب الذي ادى الى وفاته. والجزم السياسي في تحديد مسببات تدهور حالته الصحية ووفاته. ان الجزم بان اسرائيل دست له السم، فيه اكثر من جانب. فمن ناحية اسرائيل لا تتورع عن مثل هذه الجريمة كما لم تتورع عن ارتكابها العلني والسري في الماضي. واسرائيل ككيان بمركبيها الرسمي والشعبي عبرت عن مشاعرها تجاه عرفات وتجاه الشعب الفلسطيني من باب السلوك الغريزي الحاقد والذي لم يشغله امر اكثر من التأكد من وفاة الزعيم الفلسطيني. وخلال فترة انتظار الموت حليف اسرائيل في حربها ضد ياسر عرفات وما يمثله، ثبت حضيض جديد في مدى انحطاط هذه الدولة واجهزتها واعلامها والرأي العام بها. وفي الدافع الغريزي ومهمة انتظار الموت والتاكد من الوفاة فشلت اسرائيل واتضح ان خبراءها ليسوا خبراء في ياسر عرفات وابعد ما يكونوا عن فهم حركة الشعوب واخص حركة الشعب الفسلطيني، واعلامهم كان الاكذب والابعد عن التحليل الدقيق وعن الصدق لانه تعامل من باب انه اذا لم يمت ياسر عرفات حين اعلنوا ذلك قبل اسبوع من وفاته فالمشكلة في ياسر عرفات وليست في مصداقيتهم. ولبراليتهم برمزها "الاسطع" تومي لبيد وزير العدلية، انكشفت بانها ليست سوى استعلاء استعماري عنصري امام جمهوره، ولا يتورع عن الرقص على الدماء والموت. ان اكثرهم لبرالية لا يختلف بشيء عن ذلك الجندي المجرم الذي قام قبل شهر بتفريغ كل ما في حوزته من حقد وذخيرة في جسد الطفلة ايمان الهمص للتأكد من موتها بعد ان قتلها هو وزملائه خلال عودتها من المدرسة في قطاع غزة.

لكن الجزم بان اسرائيل دست السم للزعيم الفلسطيني فيه تبني للاسطورة التي تريدنا اسرائيل ان نتبناها تجاهها. وتريد لنا نحن الفلسطينيين ولكل العالم العربي ان نسلم بقوة اسرائيل الخارقة وان نستسلم لها. وقد تنجح سياسيا مقابل انظمة عربية معتمدة على الدعم الامريكي غير المحدود ضمن عملية اعادة تقسيم المنطقة وتعزيز الهيمنة على العالم. لكن تجربة الشعب الفلسطيني تنقض كل هذا النهج سياسيا وميدانيا. فلا يزال فشل الموساد في اختطاف خالد مشعل في الاردن يشغل بال المؤسسة العسكرية واذرع المخابرات حتى اليوم، ولا تزال اسرائيل بجبروتها العسكري وقدرتها التقنية على مراقبة كل شبر من وطننا في الضفة والقطاع، غير قادرة على تحقيق اهدافها الميدانية ناهيك عن فشلها السياسي.

لكن الاهم ان اسرائيل القوية امام انظمة ومن حيث ترسانتها العسكرية ومن خلال تحالفها المطلق مع الادارة الامريكية ايا كانت، لكن ترسانتها العسكرية فشلت في النيل من ارادة الشعوب المناضلة في فلسطين ولبنان. وتحطمت اسطورتهم، التي حتى وان لم يؤمنوا بها ارادونا نحن ان نؤمن بها.

تراجع اسرائيل عن تصفية ياسر عرفات في السنوات الاخيرة خلال حصاره في المقاطعة لم يكن محض صدفة ولا بادرة حسن نية. ارادوه ميتا وخافوا ان يقتلوه. لانهم عرفوا ان من يحمي ياسر عرفات هو الشعب الفلسطيني، سواء من ايّد القائد التاريخي ام عارضه، سواء كانوا الى جانبه في رام الله ام ايا كان في الوطن والشتات. الجميع يحميه، دفاعا عن عرفات ودفاعا عن الوجود وعن الثوابت الفلسطينية وحركة التحرر الوطني وتصديا للاحتلال. اسرائيل عملت الف حساب للناس المناضلة التي عبر عرفات عن معاناتها وعن حلمها بالحرية وبانهاء الغبن التاريخي. هذه هي الناس التي استقبلت جثمان عرفات وأكرمته، نيابة عن ملايين ابناء وبنات شعبنا الذين حرمتهم الاحتلالات منذ 1948 من العودة الى وطنهم والذين منعهم الاحتلال من الوصول الى رام الله. وهذه هي الناس سيدة القرار التي تخيف اسرائيل التي ظنت انها سلبتها ارادتها وسيادتها الى الابد. الخيال الاستعماري الاستعلائي تفتق عن احتمال خطف الجثة ومحاولة القيام بدفنها في القدس، وصدقوا دعايتهم وغباءهم. لقد سلكوا كعصابة مجرمين يخافون من اسقاطات جريمتهم الكبرى. وغاب عنهم مدى تقدير الشعب الفلسطيني لقائده التاريخي وحرص هذا الشعب على تنفيذ وصيته بدفنه في الاقصى لكن في وضح النهار وبكل التقدير الذي يستحقه القائد الراحل، ومهما طال الامر.

ان موضوع التقرير الطبي والتشخيص ومعرفة سبب الموت هي امور من شأن من يفهم بها، وليست قضية تكهنات نبني على اساسها نظريات متكاملة. من الطبيعي والانساني ان يشكك في سلوك اسرائيل، فهي لا تتورع عن دس السم لياسر عرفات. لكن علينا الا نغذي اسطورة اسرائيل من خلال خلق اسطورة عرفات والتعامل مع هذا الزعيم ابن الشعب الفلسطيني وقائده التاريخي كما لو كان خارج التاريخ وخارج الانسان.

ان الاسطورة في شخصية عرفات هي اسطورة النضال الوطني التحرري الفلسطيني الذي صمد امام اكبر ترسانة عسكرية يواجهها شعب اعزل. انها مسيرة الشعب الفسلطيني ومسيرة ياسر عرفات فيها. هذا النضال الذي تحول الى رمز عالمي والى محور نشاط حركات التضامن وانصار الحرية في العالم كله.

ان سهولة التسليم في النقاش الفلسطيني فيما يتعلق بقدرة اسرائيل على دس السم للرئيس عرفات، يناقض روح الشعب الفلسطيني النضالية. وهناك فرق بين تحميل اسرائيل المسؤولية عن وفاة ياسر عرفات بسبب الحصار المطبق عليه، وبين الجزم بانها قادرة على دس السم للقائد عرفات رغم ان اسرائيل الشعبية والرسمية ارادت ياسر عرفات ميتا.

لكن ما يقلق في الامر هو الاسقاطات الممكنة لمثل هذا الجزم على ساحتنا الفلسطينية. والمضي قدما بالجزم بشأن دس السم وبأن ايدي فلسطينية مقربة من السلطة كانت شريكة وما الى ذلك من خيال. ان مثل هذا التفاعل مع الجزم القائم على التخمينات من شأنه ان يشعل البيت الفلسطيني نارا ويدخلنا كشعب في صراع داخلي دموي بدل خلاف سياسي وتعددية سياسية، ويكون ربحا صافيا لاسرائيل التي لا تتورع عن دس السم في جسد الشعب الفلسطيني والتي لا يجوز ان نتيح لها ذلك، خاصة وان شعبنا قادر على هزم مشاريعها التصفوية وتحقيق تطلعاته بالنضال التحرري.

منقول