منتهى الديمقراطية

الديمقراطية الغربية جميلة جدا إذا لم تخرج من حدود أوطانها إلى أوطان الشعوب الثالثة والرابعة التي لا يحق لها أن تتمتع بهذه الديمقراطية الجميلة التي فصلها الغرب على مقاسه والتي يضن بها على بقية الكائنات الحية التي يعتقد أنها ليست أهلا لها، فالديمقراطية الغربية لا يمكن أن تتحول إلى شرقية ولا إلى جنوبية ولا إلى جنوب أمريكية ولكن يجب أن تبقى في مفهوم الغرب غربية.

هي ديمقراطية مرتبطة بالمكان ولو خرجت من مكانها فسدت لأنها لا تتناسب مع مصالح الغرب خارج ذلك المكان، هي ديمقراطية أوروبية أمريكية إسرائيلية فقط لو تجاوزت حدودها احترقت لأنها تتضارب حينها مع أطماع الغرب وتنقص من ثروات الغرب وتضعف من سيطرة الغرب.

هل رأيتم الديمقراطية الغربية في العراق مثلاً ؟ وهل شاهدتم صورها في أبي غريب والفلوجة ؟ لا تستغربوا، إنها نفس الديمقراطية الغربية ولكنها عندما خرجت من موطنها الأصلي فسدت وبان عوارها. هل رأيتموها في البيوت المدمرة في أفغانستان والشيشان؟ لا تندهشوا هي نفسها في أنكلترا ولكنها لم تجد هناك غربيين لتتعامل معهم فكان هذا مصير الشرقيين الذين تعاملوا معها.

الديمقراطية التي تشاهدونها هي نفسها ولكن الناس تغيروا فتغيرت صورتها. إنها ديمقراطية تتلبس لبوس الإنسان الذي يتعامل معها فإن كان من ذوات الدم الأزرق كانت معه لطيفة ولحقوقه راعية ولكرامته حافظة، أما إذا كان الإنسان من ذوات الدم الأحمر الرخيص من العرب والمسلمين والهندوس ومن سكان أمريكا أو إستراليا الأصليين تحولت هذه الديمقراطية إلى وحش مفترس يشبه دراكولا يتغذى على دماء هذا الإنسان المسكين وعلى أمواله وأرضه وثرواته.

آخر ما حرر من أخبار الديمقراطية الغربية هو وصولها بالخطأ إلى أرض فلسطين فقد نجحت في الوصول إلى السلطة وبسطت نفوذها على أرض فلسطين الحبيبة معتقدة أن الغرب الذي اخترعها سيرحب بها هناك وسيعلن ابتهاجه بوصولها إلى تلك الأصقاع البعيدة خاصة أنها قريبة جدا من إسرائيل ابنة الديمقراطية الغربية وربيبتها، والغرب ما فتئ يعلن ليل نهار عن رغبته في وصول الديمقراطية إلى تلك البلاد المتاخمة لإسرائيل عسى أن تستطيع الأخيرة العيش بسلام إذا أحيطت بديمقراطيات بدل الدكتاتوريات.

الديمقراطيات الغربية تنكرت فورا للديمقراطية الوليدة وأعلنت عليها حربا شعواء لا تبقي ولا تذر هددتها بالفناء وبالويل وبالثبور وبقطع الإتصالات وقطع المال وقطع الإمدادات وقطع الغذاء عن شعب كامل وتجويعه لأنه اختار بديمقراطية غربية أناس غير غربيين ولا مستغربين ولا متغربين. قررت الديمقراطيات الغربية أن تقتل الشعب الذي اختار ما لم يناسبها، بالتجويع البطيء والحصار الإقتصادي وإحكام الجدار العنصري لكي لا يخرج منه ولا يدخل إليه أحد يخبر عما يجري في الداخل، وزادت الديمقرطيات الغربية فأمرت أعوانها من الديكتاتوريين في البلاد التي تكافح من أجل الوصول إلى الديمقراطية أن تقطع إمداداتها عن الشعب الذي اختار ما لم يرض شعب الله المختار، وأمرت أعداء الديمقراطية في الشرق أن يُحكموا حصارهم على المنتخَبين فلا يكلموهم ولا يعطوهم ولا يمنحوهم ولا يشتروا منهم ولا يبيعوهم حتى يتراجعوا عن اختيارهم الديمقراطي غير الغربي.

هل ترون بعد هذه الديمقراطية ديمقراطية؟ وهل ترون بعد هذا العدل عدلا؟ وهل ترون بعد هذا التحضر تحضرا؟ وهل ترون بعد هذا التقدم تقدما؟ أنا شخصيا لا أملك إلا أن أقول: إنها فعلا منتهى الديمقراطية........ مع ملاحظة التقارب بين كلمتي منتهى ونهاية.


* أمير أوغلو: كاتب سوري مقيم في الدانمارك

منقول