بين النجوم في سماء الليل يطغى القمر عليها بجماله و بياضه , يبرق بوجهه الصافي كبريق الحب النقي الذي ينبع من القلب , حتى اصبح القمر رمزاً للجمال و الحب .

كان رفيق كل مسافر يملأ لياليهم الطويلة بالنور و الجمال , تنغّم به الشعراء و ما زالوا حتى هذا اليوم , تأتي مع ذكره البسمة , و مع اطلالته يبدأ العيد .

لكن ما الذي يربطنا بهذا القمر أكثر من ذلك , كم هو مهم بالنسبة لنا بعيداً عن فوائده التي نعرفها و عن هذه الرموز الجميلة التي أعطيناه إياها . هذه القصة توضّح لنا أننا مهما أعطيناه من رموز جميلة , و الفرحة بإطلالته و نوره الساطع لطالما امتننا لها , فإننا لا نستطيع أن نقدّره كفاية لو عرفنا أن مجرّد وجودنا على هذه الأرض هو شيء مرتبط به , لو عرفنا أن الحياة التي نعرفها على الأرض لما كانت أصلاً من دونه .

تجمع هذه القصة دراسات و بحوث عقود عديدة من الزمن و جهود علماء عديدين في مجالات كثيرة , لتلخّص لنا كيف تشكّل القمر و كيف أن الحياة على الأرض برمتها مديونة له بوجودها.

تابعوا معي هذه القصة , التي أتمنى أن تنال اهتمامكم و إعجابكم .



**********************************


المريخ الكوكب الأحمر في مشكلة , شيء ما قد أزعج مداره , خرج المريخ عن مساره و هو الآن يغوص نحو الشمس . المشكلة أن هذا الانعطاف يضع الكوكب الأحمر في مجرى اصطدام مع الأرض .

http://www.zaidal.com/229images/images/image00012.jpg




المرّيخ

قصّة خياليّة ربما . لكن لا شك هناك أن الأرض قد تعرضت لاصطدام هائل من هذا النوع هزها إلى النواة في السابق , و قد حصلنا من هذه الصفقة على أكثر المصائب نفعاً و حظاً .

يبدو أن شيء بحجم المريخ قد ضرب الأرض فعلاً , حصلنا على القمر من هذه الصفقة و كان عملاً جيد , و لولاه كانت الأرض اليوم مكان مختلف تماماً عما هي عليه لو لم يكن عندنا القمر .

http://www.zaidal.com/229images/images/Moon_5.jpg


الأرض رقم واحد :

الأرض الأولى من دون قمر تنتظر الآن ذلك الاصطدام المحظوظ .

الأرض التي وجدت قبل ذلك الاصطدام الذي شكّل القمر , قد تحطّمت نهائياً عن جراءه و الأرض التي نعيش عليها الآن , أو الأرض رقم اثنين , كانت ستختلف نهائيّاً عما هي عليه الآن لو لم يحصل هذا الاصطدام الذي تشكّل نتيجته القمر.

هذه الاصطدامات تشكل جزء رئيسي و أساسي من نمو و تشكيل أي مجموعة كوكبية , و من دونها لما كنا هنا الآن ,و لولاها لما كان قمرنا هنا الآن . لو أن القمر لم يكن ليتشكّل نهائياً لما كنا هنا لنتكلم عنه , إذ لولاه لما كان هناك بشر أصلاً.

إنه سؤال بسيط و لكن ليس إلا لوقت قريب فقط حتى بدأ يتساءل العلماء : ماذا لو لم يكن عندنا قمر ؟

لو لم يكن هناك شمس لما كانت هناك حياة على الأرض بالتأكيد , لما كان هناك أرض . و لكن ماذا عن أقرب جار فلكي لنا .. القمر ؟ من دونه يمكن أن يكون هناك أرض بشكل ما أو بآخر , لكنها خالية من البشر , خالية من مخلوق بشري يحلم بالقمر , مخلوق يحلم به الآن كدفة انطلاق إلى الكواكب الأخرى , لما كان هناك خياليون ليتجرّؤون بالقول أن القمر قد نشأ من اصطدام كوكبي هائل , نظرية بدأت بذورها في الستينات من القرن الماضي مع العالم بيل هارتمان ( Bill Hartman ) . هو من رسم خرائط للقمر ل NASA قبل رحلات أبولو إلى القمر , لقد أمسك هارتمان بالأهمية التي يحملها القمر .

بيل هارتمان : إن وجود القمر يجعل من نظام الأرض و القمر شيء خاص جداً , و المفتاح هنا بظني أن نفكر بأنفسنا نحن البشر باننا نعيش هنا على هذه المجموعة , مجموعة الأرض و القمر معاً , و يبدو أن الناس ينسوا ذلك .
http://www.zaidal.com/229images/images/image00008.jpg
الارض القمر

الاثنين مرتبطين معاً , يشكل حجم القمر ربع حجم الأرض , و هذا حجم كبير لقمر بالنسبة إلى كوكبه , و هذا الشيء يجعله مميّز . كوكب بلوتو هو الوحيد الذي يدور حوله قمر كبير نسبةً الى حجمه , و لكن هذه الاجسام الجليدية البعيدة هي مجرّد كويكبات و لا تؤخذ بالحسبان.

المشتري أكبر كوكب في المجموعة الشمسية له 16 قمر و لكن كما هو الحال في الكواكب الغازية الضخمة الأخرى كزحل و أورانوس و نبتون هذه الأقمار تعتبر أقزام نسبة لكواكبها, المشتري و أقماره يمثل مجموعة شمسية مصغّرة , أما المريخ فله قمرين صغيرين جداً على الأغلب نيازك مخطوفة . و بطرق معينة فإن كوكب الزهرة يشكل توأماً للأرض و لكن أوجه الشبه لا تتعدى إلا القليل و الزهرة ليس لديه قمر , و كذلك الأمر بكوكب عطارد أكبر بقليل من قمرنا و أقرب الكواكب إلى الشمس هو بلا قمر.

في المجموعة الشمسية , الأرض فقط هي المحظوظة بقمرها الكبير .. لماذا ؟

للجواب على ذلك علينا أن نبتعد عن نظرية تطوريّة كثيراً لدرجه أنها تحصل لكل كوكب , لأنه لو كان ذلك صحيحاً فعطارد كان يجب أن يكون لديه قمر كبير و الزهرة و المريخ أيضاً , و لكن هي لا تملك ذلك القمر الكبير .

لو أن القمر و الأرض تشكلوا معاً في العصر الجنيني لتشكل الأرض , لكان للقمر نواة حديديّة ضخمة ايضاً كما للأرض الآن و لكن القمر لا يملكها , إذا فإن هذه النظرية أيضاً معرضة للشك.
http://www.zaidal.com/229images/images/Moon_8.jpg
نواة حديديّة


ماذا عن نظرية الاختطاف , عند مرور نيزك على بعد قريب من الكوكب يتحول مساره نتيجة جاذبية هذا الكوكب ليأخذ مدار حوله ؟ هل يمكن للأرض أن تختطف كويكب بحجم القمر ؟ شيء مستحيل . لأن جسم ضخم كالقمر يسير بسرعة النيازك سيتابع اتجاهه دون اي أثر لجاذبية الأرض عليه.

نظرية ثالثة تقترح أنه عندما كانت الأرض ما تزال شبه منصهرة , و تدور بسرعة هائلة أدت إلى حصول انتفاخ خرج من المنطقة الاستوائيّة , انفصل بعدها عن الأرض ليشكل القمر . أيضاً نظرية مرفوضة لأن قوانين الفيزياء تتعارض معها .
http://www.zaidal.com/229images/images/Moon_10.jpg
نظرية انتفاخ المنطقة الاستوائية على الأرض


عندما تحضرت NASA لرحلاتها إلى القمر , أخذ العلماء يبحثون عن تحاليل أكثر واقعية .

قال عالم الكيمياء الجيولوجي هيرولد يوري ( Harold Urey ) الذي كان من المنظمين الأوائل لرحلات أبولو إلى القمر : أن كل تلك النظريات لتشكّل القمر غير ممكنة و القمر لا يجب أصلاً أن يكون هناك .

لكن القمر موجود . كيف ؟


تابعوا الجزء التالي
__________________
there is no place like home