بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته ......


عادة لا ننسى إلا ما سبقت لنا معرفته، أي ما سبق أن تعلمناه، أو ما سبق حفظه وتذكره وتمييزه. فقد ننسى أن نتذكر شيئاً معيناً، ولكننا نميزه إذا عرض علينا. وقد ننسى أن نميز شيئاً سبق أن عرفناه، ولكننا إذا حاولنا تعلمه من جديد، وجدنا أن المجهود الذي نبذله فيه، أقل من المجهود المطلوب أن نبذله، إذا كان غريباً عنا حقيقة.

وكما أن الذاكرة تختلف شدة وضعفاً ودقة وتهميشاً. كذلك الحال في النسيان، الذي يمكن أن يُعد الصورة السلبية للذاكرة. فكلما ضعفت الذاكرة وضحت مظاهر النسيان. وعوائق التذكر، هي أكبر العوامل المساعدة على النسيان.

عوامل النسيان:
يمكن القول، بصفة إجمالية، إن عوامل النسيان ترجع إلى إحدى المراحل التي تتكون منها الذاكرة. وقد لخص العلماء عوامل النسيان في النقاط الآتية:

أ) النسيان بمرور الزمن: وهو العامل الرئيسي، كما أثبتته تجارب عدد من العلماء.

ب)النسيان بسبب ضعف الاستذكار: فالتعلم إذا كان ناقصاً مبتور، كان ذلك سبباً في سرعة نسيان المادة. وقد قسمت الاستذكار بالنسبة إلى هذا العامل إلى ثلاثة أنواع:

-1 استذكار مناسب: وهو الذي يستطيع الشخص بعده استرجاع المادة مرة أو مرتين استرجاعاً صحيحاً.

-2 استذكار ناقص: وهو الذي لم تكتمل أصوله، فإذا اخُتبر المتعلم مباشرة، فقد يعجز عن استرجاع المعلومة على نحو صحيح، أو قد يسترجعها لكن بطريقة مشوشة، أو على نحو بطئ.

-3 استذكار كافٍ: وهو الذي يبقى بعد استرجاع المادة مرة أو مرتين.

ج ) النسيان بسبب خطأ في أسلوب التعلم.


فالاستذكار الكلي للموضوع المراد تذكره، أفضل من الاستذكار بطريقة جزئية. فالتلميذ الذي يحفظ قصيدة بيتاً بيتاً، يكون عرضة لنسيان أجزائها عما إذا ذاكرها بطريقة كلية.

كما أن سرعة التعلم لها أثرها في هذه الناحية؛ فالذي يقرأ المادة بسرعة شديدة أكثر مما تدعو إليه الضرورة، يكون عمله عرضه للنسيان عن المتمهل المتريث.

فضلاً عن ذلك، فإن درجة اليقظة، والانتباه أثناء التعلم، ومبلغ الرغبة الشخصية، ومدى تشويق المادة للمتعلم، كل هذا له أثره؛ فالمادة التي لا تشوق المتعلم، بطبيعتها، كالنظريات الفلسفية، أو الحقائق الرياضية، أكثر قابلية للنسيان من المادة الشائعة، كالحكايات، أو المرتبطة برغبة شخصية عند المتعلم.

......ومن أسباب النسيان بسبب أسلوب الاستذكار، الانتقال إلى مادة جديدة مشابهة، بعد الانتهاء من المادة الأولى مباشرة، بحيث تصبح خطراً على تثبيتها، وهو ما يطلق عليه "الكبت العكسي".

كما أن الفترة التي تلي الاستذكار، إذا قضاها المتعلم في النوم تصبح عاملاً على ترسيب الاستذكار، على نحو ما سبق ذكره.

د) النسيان بسبب العوامل الشخصية:

وهي ترجع إلى رغبة الشخص اللاشعورية إلى كبت بعض الحوادث المتصلة به، بسبب ما تثيره في نفسه من آلام، فيفضل التخلص منها بالنسيان.

أمراض الذاكرة

قد يأخذ النسيان في بعض الحالات مظهراً شاذاً مرضياً، لا تنحصر آثاره، في العجز عن تذكر حقيقة معينة أو تجربة، بل قد يتعدى ذلك، إلى نسيان جانب بأسره من تجارب الفرد، الذي قد يشمل تاريخ فترة غير قصيرة من حياته. هذا الجانب قد يبتر بتراً من مجموعة تجاربه، ومن ثم تصبح الصلة مفقودة بين ماضيه البعيد وبين حاضره، نتيجة للفجوة التي سببتها هذه الفترة المنسية من حياته.

وتوجد خصائص جامعة لكل الحالات المرضية المرتبطة بالنسيان؛ فمن ذلك:

أ) يحدث فقدان الذاكرة بطريقة مفاجئة، فهو ليس اضمحلالاً تدريجياً. فهو يبدو في أعنف مظاهره فجأة، ثم يأخذ في الفتور فيما بعد. ولا يستثني من ذلك، إلا فقدان الذاكرة التدريجي، الذي ينشأ مع تقدم العمر (النسيان الانعكاسي).

ب) وكما أن فقدان الذاكرة يحدث فجأة، فإنه ينتهي فجأة في أكثر الأحيان، أو بدرجة سريعة لا تتناسب مع مظهره المرضي الشاذ.

ج) تختلف فترة الإصابة طولاً وقصراً؛ فقد يفقد الشخص ذاكرته لبضع دقائق فقط، ثم يعود إلى حياته العادية، دون أن يحس بوجود هذه الفجوة في سلسلة تجاربه. وقد تطول هذه الفترة، فيفقد الشخص ذاكرته وتتوه منه الحوادث التي وقعت في حياته قبل إصابته، وقد يغطي ذلك تاريخ عشرين أو ثلاثين عاماً مثلاً.

د) يختلف فقدان الذاكرة في كل حالة من هذه الحالات، من حيث عمق أثره، فقد لا يمتد عبئه إلا إلى نواحٍ معينة في حياة الشخص لحوادث خاصة، أو كل ما يتصل بها من أشخاص وأمكنة. ولكن فقدان الذاكرة قد يبلغ، من ناحية أخرى، أعنف مظاهره عندما يفقد الإنسان جميع تراث تجاربه الماضية حتى ساعة إصابته، فكأنه يبدأ الحياة، من جديد، طفلاً ناشئاً.

هـ) يتصل فقدان الذاكرة بمجموعة من الأمراض العصبية المختلفة، أهمها الصرع، كما في حالات فقد الذاكرة الفجائي، أو كما يحدث عقب حوادث السيارات أو السقوط، أو نتيجة تعاطي المسكرات.

ومن ظواهر النسيان المرضية، التي تتنافى مع القانون العام للنسيان، أن الشخص لسبب من الأسباب، لإصابة فيه مثلاً، يفقد قدرته على تذكر الحوادث الراهنة الحديثة العهد، في حين يزداد إحاطة بالماضي، كلما ابتعد عنه.

وأوضح حالات النسيان الانعكاسي، النسيان الذي يتميز به العجائز والمتقدمون في السن، فبينما ينسى المريض الحديث الذي دار معه آنفاً، أو نوع الطعام الذي تناوله منذ لحظات، نراه مع ذلك يسترجع حوادث أخرى مرت عليها سنون طويلة، بدقة ووضوح، وكأنها جرت منذ ساعات قليلة.

.......ومن الأمراض المشهورة، والمتعلقة بالنسيان، مرض الزهايمر (Alzheimer Disease) ، الذي اكتشفه العالم الألماني ألويس الزهايمر عام 1906. وهو مرض يصيب المتقدمين في العمر، حيث يسبب لهم تآكلاً واضمحلالاً في خلايا المخ العصبية. فيفقد المرضى ذواكرهم، ثم يفقدون مقدرتهم على الكلام. ويعتقد العلماء أن هنالك جيناً معيناً مسؤولاً عن هذا المرض يورثه حامل المرض إلى ذريته.



جه لوحده
:] :] :]