تعكس عملية النشر Publishing مستوى التطور الثقافي في المجتمع،كما أنها أحد المؤشرات المهمة للحكم على الوعي الحضاري لأي مجتمع من المجتمعات؛ فكلما زاد إنتاج أوعية المعلومات في بلد ما دل ذلك على زيادة الوعي الثقافي له؛ بالإضافة إلى أن حركة النشر تلقي بظلالها أيضا على الجوانب الاقتصادية والسياسية.
//
مفهوم النشر:

المفهوم اللغوى للنشر : هو الإذاعة أو الإشاعة: أى جعل الشيء معروفا بين الناس. أما المفهوم الإصطلاحى للنشر:العملية التى يتم بمقتضاها توصيل الرسائل الفكرية التى يبد عها المؤلف إلى القراء، وتشير دائرة المعارف البريطانية إلى أنه ( هو ذلك النشاط الذي يتضمن اختيار وتجهيز وتسويق المواد المراد نشرها )، وعلى الرغم من إيجاز هذا التعريف إلا أنه يشير إلى الحلقات الثلاثة الأساسية في عملية النشر وهى؛ التأليف، التصنيع، التسويق، وهي العناصر التي تترابط معا لتكسب النشر معناه وطبيعته، وهى حلقات متميزة بذاتها، ولا يمكن لأى حلقة من هذه الحلقات بمفردها أن تسمى نشرا. : أى أن النشر مجموعة من العمليات تبدأ بالحصول على المادة العلمية من المؤلف وتنتهى بإتاحة العمل للجمهور
- ويجب أن يؤخذ في الاعتبار أن مفهوم النشر يتسع ليشمل ويستوعب كل الأوعية الثقافية سواء المطبوعات كالكتب، والدوريات.... الخ أو المصغرات من الميكروفيلم والميكروفيش.... الخ أو المسموعات والمرئيات من الأسطوانات والأشرطة الصوتية والتسجيلات المرئية.... الخ أو المحسبات والمليزرات من الأشرطة والأقراص الممغنطة والملفات الإلكترونية المتاحة عن بعد والأقراص المدمجة والوسائط المتعددة...الخ؛ ونعرض فيما يلى لحلقات النشر الرئيسية

الحلقة الأولى : (التأليف)

تعد حركة التأليف أول حلقة في حلقات النشر، حيث تمثل الجانب الفكري، والركيزة الأساسية التي تعتمد عليها باقي الحلقات فبدون التأليف لا توجد الحلقات التالية؛ على الرغم من ذلك فان التأليف في حد ذاته ليس نشرا لأنه لا يقدم سوى نسخة واحدة من العمل، ولكي يكتسب النشر معناه لا بد من تكامل حلقة التأليف مع حلقتين أخريين هما الطباعة أي تعديد نسخ العمل ليصبح صالحا للتداول بين الناس، وحلقة التوزيع التي تضطلع بمهمة توصيل النسخ إلى القراء والمستفيدين. -ويمثل حركة التأليف بصورة أساسية المؤلف أو من في حكمه كالمترجم، والمحقق، والمراجع... الخ، سواء كان هذا المؤلف شخصا أو هيئة. - والمقصود بالمؤلف أنه هو " صانع الأفكار التي ستنشر على الملأ عن طريق الكتاب، وهو منظم الكلمات والصور والخرائط والجدول.. الخ، والتي تُعرض فيها الأفكار وتقدم للقاري " وهكذا فإنه يمكن القول أن المؤلف هو الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي يبتكر الرسالة الفكرية و يعبر عنها بأسلوبه ويقوم بعرضها ونشرها على الناس. - ويوجد نمطان أساسيان من أنماط التأليف أولها التأليف الفردي حيث يكون شخص واحد هو المسئول عن المحتوى الفكري للكتاب، وثانيهما: التأليف المشترك ( الجماعي)؛ حيث يشترك في تأليف العمل شخصان أو أكثر وهو يمثل ظاهرة عالمية مألوفة في الإنتاج الفكري - وتؤثر الظروف المحيطة بالمؤلف سلبا وإيجابا في عملية التأليف والتي تتمثل في المستوى العلمي للبيئة التي يتواجد فيها المؤلف، المستوى الاقتصادي، مقدار حرية الرأي التي يتمتع بها المؤلف، علاقة المؤلف بالناشر، ويشكل الوضع الاقتصادي للمؤلفين المحك الرئيسي في عملية التأليف فالواقع يعكس بجلاء أن المؤلف في عالمنا العربي لا يمكنه أن يعيش من دخل مؤلفاته فالمقابل المادي الذي يحصل عليه المؤلف لا يفي بمتطلباته الحياتية، ويرجع ذلك إلى قلة عدد النسخ المطبوعة من الكتاب بسبب العزوف القرائي؛ أما في العالم الغربي فان المؤلف يمكنه أن يعيش من دخل مؤلفاته نظرا لارتفاع أعداد النسخ المطبوعة من الكتاب والذي يقابله إقبال من القراء؛ ففي أمريكا تعد مهنة التأليف واحدة من أفضل عشرة مهن، ويستطيع غالبية المؤلفين العيش من دخل مؤلفاتهم
حقوق المؤلف: لابد للمجتمع من اتخاذ كافة الوسائل التي من شأنها حماية حق المؤلفين والمبدعين به، لأن هذه الحماية تدفعهم نحو المزيد من الإنتاج الفكري، ذلك أن تقدم المجتمعات وتطورها يعتمد بالدرجة الأولى على ما تنتجه عقول أبنائها من المؤلفين وما تلاقيه تلك العقول من تقدير من جانب مجتمعاتها و تهيئة الظروف المادية والاجتماعية والقانونية المناسبة لتثير لديها الإبداع والتفوق في المجالات المختلفة كما أن الرقابة تنعكس على النتاج الفكري، فكلما كانت الرقابة شديدة وواسعة النطاق كلما زادت القيود على الإنتاج الفكري وحد من قدرة التعبير لدى المؤلفين، وكلما كانت الرقابة محدودة أطلقت للمؤلفين حرية الإبداع والإنتاج والرقابة مطلوبة بقدر معين لحماية المجتمع من الانحرافات والتجاوزات الأخلاقية والسياسية والدينية في نطاق ما ينص عليه القانون بما يعنى أن الحرية لا ينبغي أن تكون مطلقة. - ولقد ظلت حقوق المؤلفين في مصر بغير حماية حقيقة، حتى صدر القانون رقم 354 والصادر في 24 من يونيو سن 1954 للحفاظ على الحقوق المادية والأدبية للمؤلفين، وقد استوحيت أحكام هذا القانون من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحق المؤلف، وانضمت مصر إلى اتفاقية برن عام 1976 م؛ كما انضمت عام 1995 م إلى اتفاقية الجات وما يتبعها من اتفاقية الجوانب الفكرية المعروفة باسم التربس Trips وينص القانون على نوعين من الحقوق.
أولا: الحقوق المادية: وهي حقوق مؤقتة مكفولة للمؤلف في أثناء حياته ولورثته من بعده لمدة خمسين عاما فقط؛ تتخلص في أحقية المؤلف في الاستغلال المالي لمؤلفه بأية طريقة من طرق الاستغلال.
ثانيا:الحقوق الأدبية: يعتقد البعض أن حق المؤلف ينطوي على الحقوق المادية فقط، إلا أن للمؤلف عدداً من الحقوق الأدبية أبرزتها جميع الاتفاقات الدولية لحق المؤلف وقد نص عليها القانون المصري وهى:
حق تقرير النشر وتحديد طريقته
حق نسبة الكتاب إلى مؤلفه
حق المؤلف في إدخال ما يراه من تعديل في كتابه
حق سحب الكتاب من التداول
- أما المصنفات التى شملها القانون بالحماية فيشترط فيها الابتكار؛ بمعنى أن المصنف يجب أن يكون مبتكرا لكى يحميه القانون وهى:
1- مصنفات الآداب: والتي يعبر عنها بالكلمات، وهى إما مكتوبة مثل الكتب والنصوص المسرحية و السينمائية والتلفزيونية والإذاعية أو شفوية مثل المحاضرات والخطب والمواعظ
2- مصنفات الفن: وهى التي تخاطب الحس الجمالي لدى الجمهور؛ وتضم الخطوط والألوان والأصوات والصور الفوتوغرافية.
3- مصنفات الحاسب: وقد أضيفت إلى المصنفات المشمولة بالحماية بموجب القانون رقم 28 لسنة 1992، وتضم البرامج وقواعد البيانات. وعلى الرغم من أن القانون ينص على ضرورة إيداع عشرة نسخ من أي مصنف قبل توزيعه، إلا أن عدم الإيداع لا يترتب عليه الإخلال بحق المؤلف الذي يقرره هذا القانون، بمعنى أن الحماية تنسحب علي جميع الكتب سواء المودعة أو غير المودعة، وذلك على عكس ما هو مقرر في بعض البلاد مثل الولايات المتحدة التي يشترط فيها إيداع نسختين من الكتاب في مكتب حقوق التأليف بمكتبة الكونجرس لكي يتمتع بالحماية، ويسجل على الكتاب عبارة( حقوق الطبع محفوظة) متبوعة باسم صاحب الحق وتاريخه ويرمز لها بالحرف C، وهو أول حرف من كلمة copyright، وعدم اتخاذ هذه الإجراءات قد يؤدى إلى إهدار حق المؤلف في مؤلفة.
الحقوق الإضافية:وهى حقوق جانبية غير ثابتة، يمكن للمؤلف الحصول عليها إذا صادف كتابه قبولا في إحدى الوسائل الإعلامية أو تم ترجمته إلى لغة أخرى، وتعتبر دخلاً إضافياً لكل من الناشر والمؤلف.
طرق التعامل مع المؤلفين لقد أعطى القانون للمؤلف الحق في الاستغلال المادي لمصنفه، والأصل في ذلك أن يقوم المؤلف بنفسه على عملية الاستغلال هذه، فيعود عليه وحده ربح هذا الكتاب، ولكن نظراً لأن جُل المؤلفين لا خبرة لديهم بعملية النشر، ولا وقت لديهم للاتجار بمؤلفاتهم، ولا رغبة بهم للدخول في هذه المغامرة، فقد أعطى الشارع للمؤلف الحق في نقل عملية النشر إلى غيره، كما أشار عليه بثلاث طرق للتعامل المادي معه
1- نسبة مئوية من ثمن بيع النسخة. وبمقتضى هذه الطريقة يقوم الناشر بتمويل وإدارة عملية النشر، ويحصل المؤلف على نسبة مئوية من ثمن بيع كل نسخة تباع من كتابه
2 - شراء المادة العلمية: وفيها يحصل المؤلف على مبلغ إجمالي ويطلق عليه (التقدير الجزافي)، وفيها يشترى الناشر من المؤلف حقوق التأليف كاملة أو جزئية حسبما يتم الاتفاق عليه، سواء طبعة واحدة أو عدة طبعات أو لمدة زمنية معينة، وذلك نظير مبلغ إجمالي يتم الاتفاق عليه بين الناشر والمؤلف وبمقتضى هذا الاتفاق يتحمل الناشر تكاليف طباعة الكتاب وتوزيعه وهذه الطريقة تكون في غير صالح المؤلف وخصوصا إذا حقق الكتاب رواجا كبيرا؛ ويكثر استخدام هذه الطريقة في حالة المؤلفين المبتدئين وكتب السلاسل والكتب المترجمة وكتب التراث المحققة.
3- اقتسام الربح بعد تغطية التكاليف: - ويتم بمقتضى هذه الطريقة أن يقوم الناشر بإدارة عملية النشر كاملة ويتحمل كافة التكاليف، ثم يسترد التكاليف التي دفعها، ثم يتم اقتسام الربح مع المؤلف والاقتسام هنا لا يعنى المناصفة بل التقسيم بنسب معينة تتفاوت حسب طبيعة الكتاب ومكانة المؤلف.
عقد النشر أجاز القانون للمؤلف التنازل عن بعض حقوقه المادية، واشترط أن يكون هذا التصرف بموجب عقد مكتوب، يحدد فيه صراحة وبالتفصيل كل حق على حده، مع بيان مداه والغرض منه ومدة الاستغلال ومكانه، ويشترط لصحة الاتفاق بين المؤلف والناشر أن يكون العقد مكتوبا، وإلا يصبح الاتفاق باطلاً، ولا يمكن أن يحتج به لدى القضاء، حيث إن المحاكم لا تأخذ بأي اتفاق شفوي في مجال النشر مهما كان هناك من شهود - ويعد عقد النشر من العقود المختلطة، لأنه عقد تجارى بالنسبة للناشر، ومدني بالنسبة للمؤلف؛ حيث يسرى على الناشر القواعد الواردة في القانون التجاري لأنه يقوم بعمل تجارى، فهو يشترى الكتاب من أجل بيعه بهدف تحقيق الربح، أما بالنسبة للمؤلف فهو عقد مدني