تبدأ حكايتنا من أصل كل واحدٍ منا . إنها البيضة الملقحة ( الزيجوت – Zygote ) والتي تشكلت من اتحاد العروس الذكري ( النطفة – Sperm ) مع العروس الأنثوية ( البويضة – Ovum ) , وبعد حوالي 30 ساعة من الاندماج تنقسم البيضة الملقحة إلى خليتين , وعلى مدى ثلاثة أيام نكون قد حصلنا على ما بين ( 12- 16 ) خلية أو ما يسمى بالتويتة Morula , إن كل خلية من خلايا التويتة تكون قادرة على إعطائنا جنيناً كاملاً لو عزلت في شروط مناسبة , أي أنها غير متمايزة شكلياً أو وظيفياً , وتستطيع كل واحدة منها أن تتطور إلى نسج عضلية أو عظمية أو دموية أو عصبية أو أي نسيج بشري آخر , يتصف هذا النوع من الخلايا بأنها كلية المقدرة التشكلية Totipotent cells . لكن هذه المقدرة التشكلية تنخفض تدريجياً مع تقدم مراحل التطور الجنيني , حيث أن التويتة تتطور إلى كيسة أرومية , ونحصل بعدها في غضون الأسبوع الثالث من الإلقاح على القرص الجنيني ثلاثي الوريقات , عند هذه المرحلة يظهر معنى التمايز بشكل واضح , فخلايا الوريقة الظاهرة ( الخارجية ) سوف تعطينا الجهاز العصبي وأغلبية ملحقاته إضافة للجلد , والوريقة الباطنة ( الداخلية ) ستعطينا جهاز الهضم مع أغلب ملحقاته والبطانة الظهارية لجهاز التنفس والمثانة , أما الوريقة الوسطى فستتطور إلى العظام والعضلات بنوعيها المخططة والملساء والقلب والأوعية الدموية واللمفاوية والكليتين والمبيضين والخصيتين والطحال وقشر الكظر .. وغيرها .
نلاحظ مما سبق أن المقدرة التشكلية لخلايا القرص الجنيني ثلاثي الوريقات قد انخفضت عما كانت عليه في مرحلة التويتة , فلم يعد
( في الحالة الطبيعية ) بمقدور خلايا الوريقة الوسطى إنتاج نسيج عصبي , أو أن تتطور خلايا الوريقة الداخلية إلى نسيج عظمي , لكن خلايا الوريقة الوسطى لا تزال تستطيع إنتاج عدد متنوع من النسج , فتستطيع أن تشكل العضلات والعظام والغضاريف ونسخ أخرى عديدة , أي أنها أصبحت متعددة المقدرة التشكلية Multipotent cells بعد أن كانت كلية المقدرة التشكلية .
بعد ذلك تسلك كل مجموعة خلوية في كل وريقة سلوك تمايزي مختلف يصبح من الصعب بعد زمن العودة عن هذا الطريق وسلوك طريق آخر, فلو بدأت مجموعة خلايا من الوريقة الداخلية بالسير في طريق تشكيل الكبد مثلاً يصبح من الصعب وربما من المستحيل بعد مرحلة معينة أن تعطينا خلايا البطانة الظهارية للمثانة على سبيل المثال , مع أن المكونين من نفس الأصل الجنيني التابع للوريقة الداخلية , أي تصبح الخيارات أمامها محدودة , نسمي هذا النمط من الخلايا بقليلة المقدرة التشكلية Oligopotent cells , ثم ومع تقدم التطور الجنيني تتحول هذه المجموعة إلى وحيدة المقدرة التشكلية Monopotent cells , تعطي نمط خلوي واحد فقط , وفي النهاية تصل إلى التمايز الكلي والتوقف التام عن الانقسام , فتأخذ شكلاً مميزاً يختلف باختلاف النسيج المساهمة في تشكيله , وتبدأ العمل بالوظيفة الموكلة إليها , فتتحول الخلية العصبية مثلاً في تمام التمايز إلى خلية نجمية الشكل تتركب فيها جسيمات نيسل الخاصة بالخلايا العصبية وتباشر عملها بنقل السيالات العصبية .
إن تفسير انخفاض المقدرة التشكلية للخلايا الجنينية جاء على شكل عددٍ من النظريات المتكاملة التي يتمم بعضها الآخر تعتمد على فكرة ضبط النشاط المورثي في الخلية بعوامل داخلية وخارجية , ولإيضاح الفكرة لابد أن نتكلم بلمحةٍ بسيطةٍ جداً عن الذخيرة الوراثية عند الإنسان .
إن كل خلية في جسم الإنسان تحوي على نفس المقدار من المادة الوراثية كماً ونوعاً , والتي تُنسخ أجزاء منها وتترجم إلى مركبات هائلة التنوع هي البروتينات تستخدم في البناء والتركيب والإفراز وغير ذلك من العمليات الحيوية , هذه الذخيرة المورثية تتوزع على 46 خيطاً صبغياً ( 23 من الأب و 23 من الأم ) يحوي كل منها شريطاً من الـ DNA عليها مواقع محددة يشترك فيها جميع البشر ويختلفون بما تحويه هذه المواقع من مورثات , ولنأخذ مثالاً على ذلك الزمر الدموية ( ABO ) , فالمورثة المسؤولة عن امتلاك الفرد إحدى هذه الزمر موجودة على الصبغي رقم 9 قرب نهايته , هذه المنطقة يمتلكها جميع البشر إلا أن محتواها يحدد زمرة دم كل فرد .
وعلى الرغم من أن المادة الوراثية هي ذاتها من خلية لأخرى إلا أن كل نمط خلوي يقوم بتنشيط أجزاء وتثبيط أجزاء أخرى من هذه الذخيرة بالشكل الذي يتناسب مع طبيعة عمله , فخلية مثل الخلية الكبدية تعتبر من أنشط خلايا الجسم وأكثرها وظائفاً نلاحظ المادة الوراثية فيها في حالة تنشيط لتتم عملية النسخ بتواتر كبير وبالتالي عملية الترجمة , أما خلية مثل الخلية الشحمية التي لها طبيعة ادخارية فإن أغلب مادتها الوراثية يكون في حالة تثبيط لقلة العمليات الحيوية التي تقوم بها .
إن عملية التنشيط والتثبيط هي عملية معقدة يشرف عليها عوامل داخل وخارج خلوية , وأبرز أدوات التنشيط والتثبيط هو التفاف الخيوط الصبغية على نفسها بشكل كبير يمنع نسخها عند التثبيط أو ارتخاء هذه الخيوط في حالة التنشيط , وقد يكون التنشيط والتثبيط من خلال عامل يرتبط بشريط الـ DNA عند التثبيط وينفصل عنه عند التنشيط .
وبالعودة إلى المقدرة التشكلية فإن البيضة الملقحة - كلية المقدرة التشكلية - تكون خيوطها الصبغية في حالة ارتخاء ( تنشيط ) تخولها السير في أي طريق تمايزي , ومع تقدم التطور الجنيني وسير الخلايا في خطوط تمايزية مختلفة تبدأ المادة الوراثية في كل نمط خلوي مستقبلي بالتكيُّف على النحو الذي يسمح لهذه الخلايا بالقيام بمهامها الخاصة وعلى أكمل وجه لحظة وصولها إلى تمايزها النهائي وذلك من خلال تثبيط وتنشيط أجزاء محددة من شرائط الـ DNA .
ومن الجدير بالذكر أن كل خطوة تسلكها الخلية على طريق تمايزي تحتاج بها إلى عدد معين من الانقسامات الخلوية , فلن تصل خلية إلى تمايزها الكامل وتوقفها عن الانقسام إلا بعد أن تكون قد انقسمت عدداً محدداً من الانقسامات يتعلق عددها بنوع الطريق التمايزي الذي اختارته الخلية .

الخلايا الجذعية Stem cells :
بعد الانتهاء من تشكيل الأجهزة والأعضاء خلال أول شهرين من الحياة الجنينية يبقى في كل نسيج تجمعات خلوية ذات مقدرة تشكلية عالية من نوع عديدة المقدرة التشكلية Multipotent cells على شكل منعزلات خلوية وظيفتها تعويض أو تجديد التالف من خلايا نفس النسيج الموجودة فيه , ومع أنها ذات مقدرة تشكلية عالية إلا أن الملاحظات المشاهدة تؤكد أنها تنتج نوعاً واحداً فقط ( في أغلب الحالات ) من الخلايا , فالخلايا الجذعية الموجودة في الكبد لا تنتج إلا خلايا كبدية , والخلايا الجذعية العضلية لا تنتج إلا خلايا عضلية , مما دفع العلماء للبحث في تفسير هذه الظاهرة وتوصلوا إلى أن هذه الخلايا موجودة ضمن ما يسمى بالقالب Matrix أو العش Niche , هذا القالب يفرض على الخلايا الجذعية السير في خط تمايزي واحد تسلكه عندما يكون هناك حاجة لتعويض التالف من خلايا النسيج الذي تنتمي إليه , فينقسم عدد منها لتبقى نصف الخلايا البنات الناتجة خلايا جذعية - وبالتالي يكون عددها في ثبات تام طيلة حياة الفرد طبعاً إذا أغفلنا عامل تقدم العمر الذي ينعكس على جميع خلايا الجسم - ويسير النصف الآخر في سلك التمايز لتحل محل المفقود من خلايا ذات النسيج .
إن كون الخلايا الجذعية عديدة المقدرة التشكلية قد جعل لعاب العلماء المختصين يسيل أمام ما قد يصلون إليه من كشوفات علمية وعلاجات طبية لم يكن لأحدٍ منهم قبل زمن قريب الحق بمجرد التفكير بتلك النجاحات . ففكروا بأنهم لو نزعوا هذه الخلايا من القالب الذي يجبرها على السير في طريق تمايزي محدد وزرعوها في وسط معين يقوم بدور قالب آخر مختلف فإنهم سوف يحصلون على نمط خلوي جديد , فافترضوا أنه قد أصبح بإمكانهم الحصول على نسيج عظمي من خلايا جذعية عضلية على سبيل المثال , ولو أُخذت هذه الخلايا الجذعية من نفس المريض نكون قد تغلبنا على مشكلة لفظ الجسم للطعوم والأجسام الغريبة والذي كثيراً ما يحصل في عمليات التبرع بالأعضاء بين شخص وآخر لاختلاف عوامل التوافق المناعي النسيجي بين المتبرع والمريض .
إن النتائج الإيجابية والمشجعة التي يحصل عليها العلماء كل يوم قد فتحت آمالاً بعلاج الكثير من الأمراض التي كان يعتقد باستحالة علاجها , وكمثال على ذلك مرض سرطان الدم ( وهو مرض ابيضاض الدم حيث يرتفع فيه تعداد كريات الدم البيضاء إلى مستويات قاتلة عياذاً بالله ) حيث تتحول الخلايا الجذعية المولدة للدم الموجودة في نقي العظام – داخل تجويف العظم – إلى خلايا سرطانية لا تولد إلا خلايا دم سرطانية , سابقاً وإلى الآن لم يكن لهذا المرض علاج إلا تبديل دم المريض بين فترة وأخرى إلى أن ينقضي أجله , أو أن يُبدَّل نقي عظمه بنقي عظم شخص آخر مع ما ينطوي تحت ذلك من مخاطر على المريض لاحتمالية لفظ جسمه للطعم الجديد بسبب اختلاف عوامل التوافق المناعي النسيجي ( وهذا يحصل بنسبة عالية في غير التوائم الحقيقية كلما كانت درجة قرابة المتبرع أبعد ) , بالإضافة إلى ما قد يصيب المتبرع من مضاعفات مثل فقر الدم أو أمور أخرى ناتجة عن تبرعه بجزء من نقي عظمه . أما في المستقبل المنظور والذي بدأت تباشيره تظهر الآن , فيمكن أخذ خلايا جذعية عضلية أو جلدية مثلاً من نفس المريض ونزعها من القالب الذي كانت موجودةً فيه ثم زرعها خارج جسم المريض في أوساط تجبرها على الدخول في طريق تمايزي دموي , فسنحصل على خلايا مولدة للدم طبيعية , ثم نقوم بإعادتها إلى داخل القناة النقوية في لب العظام الطويلة بشكل خاص بعد أن نقوم بتنظيفها من الخلايا السرطانية المولدة للدم , وبالنتيجة نكون قد حللنا المشكلة من جذورها دون احتمالية رفض جسم المريض للنسيج المولد للدم المزروع .
وقد أجريت على الفئران تجارب ناجحة عزلت خلالها خلايا جذعية عصبية ( يعتقد بوجودها عند الإنسان إلا أنها لا تكفي لتعويض التالف من الخلايا العصبية ) وأمكن حث هذه الخلايا على التكاثر ومن ثم تمت إعادتها لتعويض التلف الناتج عن تخريب دماغ الفأر الذي أحدث عمداً بشكل آلي أو عن طريق أشعة غاما على سبيل المثال في مرحلة سابقة .
إن تطبيق ما سبق على الإنسان أمر شبه مستحيل , فلو أصيب أحد بحادث سير مثلاً أدى به إلى فقد جزء من فص دماغه القفوي
( الكائن في الجزء الخلفي للرأس الأقرب إلى الرقبة ) المسؤول عن الرؤية , فمن غير الممكن فتح دماغه والبدء بالبحث داخله عن الخلايا الجذعية العصبية لأن ذلك سيؤدي إلى تخريبه بالكامل , بالمقابل فإننا لو قمنا بسحب خلايا جذعية من نسيج آخر يسهل الحصول عليها منه وزرعناها في المكان المتأذي الذي يشكل القالب والذي يحث هذه الخلايا على السير في طريق تمايزي محدد لإنتاج خلايا عصبية .
بالنتيجة سيترمم الجزء المتأذي مع مرور الوقت وربما خلال فترة وجيزة نسبياً يعود الشخص للرؤيا كما كان سابقاً قبل الحادث أو ربما بكفاءة أقل , والذي يحدد ذلك هو التجربة على البشر لصعوبة استخلاص النتائج الدقيقة والتفصيلية من الفئران .
حتى الآن وفي ظروف تجريبية ومخبرية دقيقة أمكن حث الخلايا الجذعية المولدة للدم على إنتاج خلايا عضلية و عظمية وغضروفية وعصبية ودبقية ( داعمة للنوع السابق ) وكبدية , فلربما نرى في المستقبل المنظور شركات عالمية لإنتاج الأعضاء البشرية بالمواصفات المطلوبة المتوافقة مع معقدات التوافق المناعي النسيجي للمرضى , حيث تقوم بإنتاج الكلى والقلوب والعيون والأكباد وربما الأدمغة وحسب الطلب .
الخلايا الجذعية الجنينية والجدل القائم حول شرعية استخدامها :
إن من أهم مميزات الخلايا الجذعية الجنينية هي سهولة الحصول عليها وذلك لأن أغلب خلايا الأجنة في المراحل المبكرة من التطور الجنيني تكون عالية المقدرة التشكلية . على عكس الخلايا الجذعية البالعة الموجودة في الفرد الكامل والتي تتسم بأنها صعبة الاستحصال بسبب افتقارنا النسبي لواسمات – معلمات - تسمح بتمييزها عن بقية خلايا النسيج الذي تنتمي إليه .
يكمن الجدل الشرعي والقانوني في إنهاء حياة جنين وإسقاطه ليستفيد منه مرضى آخرون , أو حتى إنتاج أجنة لأهداف تصنيعية من خلال أطفال الأنابيب واستخدامهم لأغراض علاجية .
الحكم الشرعي المبرم في إسقاط الأجنة بعد نفخ الروح فيها ( إلا في استثناءات شرعية كأن يشكل الجنين خطراً حقيقياً على حياة أمه ) هو التحريم , وأتصور ( لم أعلم بفتوى شرعية ) انطباق نفس الحكم على إنتاج أجنة لأغراض تصنيعية , وربما قد نجد حلولاً شرعية في استخدام ملحقات جنينية كاستخدام الحبل السري للجنين بعد الولادة .
وبما أننا نحن المسلمين لسنا من يتبنى ويقوم بهذه الأبحاث فإننا بالتالي لسنا من يتحكم في توجيه سيرها ويضع الضوابط الشرعية والقواعد الأخلاقية التي تحكم عملها .

المراجع
- علم الجنين الطبي : للدكتور مروان الحلبي والدكتور أحمد عثمان .
- علم الحياة : للدكتور أحمد عثمان .
- علم الوراثة : أيضاً للدكتور أحمد عثمان .
إضافة إلى مقالة عن نظريات التطور الجنيني و الإستنساخ والخلايا الجذعية