هذه المفردات المساقة في صياغة الأنا الفارغة : قلت ورأيت وتراجعت ونظرت ثمّ كتبت !
هذا الانفتاح هو الذي جمع المتردّية و النطيحة وما أكل سبع الجهل وجعل لها شأنا لا يكون لولا أنّ الزمن زمن جدب في العقول ونقص في مناعتها ، ومن هنا فالمرجوّ ممن يملك القدرة على الكتابة والمشاركة في صياغة العقل الثقافي للجيل الجديد أن يقتحم الميدان ، وألاّ يترك بياض الورق لعبث الصبية ، أو من هم في درجة الصبية عقولا وإدراكا ، فالجيل الجديد ، وفي خضم هذا الانفتاح الثقافي المخيف ، يحتاج إلى كتبة يقرؤون قبل أن يكتبوا ويدركون ما حولهم قبل أن تزلّ أقلامهم بحرفٍ واحد ، فزلّة القلم ليست كزلّة القدم ، ومن يكشف سوأة عقله أولى بالشفقة والستر ممّن يكشف عورته أمام الملأ ، والعورة الأجدر أن تستر هي عورة العقل لا عورة الجسد ، فكم ممن يرفل في ثيابه وعقله يتقلّب عريانا على سطور سذاجته وجهله !
من أجل هذا ، ولئلا نغرق في أحبار هؤلاء الأحبار الجهلة ، كان لزاما على من يعرف قيمة العقل أن يعرض ما يليق أو يتنحّى عن الطريق ، وليس أعظم جريرة من جاهل مغرور بعقله إلاّ عاقل ترك العالم في جهله ، وقديما تعوّذ الفاروق من عجز التقي ، وقال أبو الطيب
ولم أر في عيوب الناس عيبا
....... كنقص القادرين على التمام !
كيف وهؤلاء القادرون يرون العَجَزة يسرحون ويمرحون في مضمار الكتابة ؟ ما أحوجنا إلى صيحة كصيحة ثمود ليستيقظ الغارقون في النوم ، أو تتطاير على إثرها أوراق الفارغين الذين سدّوا علينا الأفق بخربشاتهم في الصحف والمنتديات والجدران الفضائيّة ومن هنا ، فهذه دعوة لكلّ من يحمل همّ ثقافة الجيل وهمّ بناء المعرفة وهم أمته ووطنه أن يواري سوأة أخيه وليس وراء ذلك حبّة خردل من إيمان ، بل إنّ من ينكص على عقبيه في زمن نحن أحوج فيه إلى العقول الحيّة ، الحرّة ، المنضبطة بضابط النقل الشرعي ، أقول : إنّ من ينكص ويؤثر البقاء بين كتبه بعيداً عن المشاركة في البناء لا يبعد عن ابن آدم الأوّل الذي قتل أخاه وعجز عن أن يواري سوأته وحينما بعث الله له غرابا ليريه كيف يواري سوأة أخيه صرخ نادما : يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ، أَفيَعجز من يقرأ تخبّط متطفّلٍ على الكتابة أن يواري سوأة أخيه