مدخل في أحكام العلاقة بين الرجل والمرأة
وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: في ما يحرم على الرجل من الرجل

المطلب الثاني: في ما يحرم على المرأة من المرأة

المطلب الثالث: في ما يحرم على الرجل والمرأة من الآخر

المطلب الرابع: في ما يحرم عل المكلف من نفسه



المطلب الأول: في ما يحرم على الرجل من الرجل:

م - 556: يحرم اللواط على الرجل، ويتحقق بدخول العضو أو شيء منه في دبر ذَكَرٍ آخر، سواءً كان الملوط به بالغاً أو غير بالغ، راضياً بذلك أو مكرهاً عليه، حياً أو ميتاً، عاقلاً أو مجنوناً، محصناً أو غير محصن، وسواءً كانا مسلمين أو كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً؛ ويقام الحد - وهو القتل - على الفاعل والمفعول به مع توفر الشروط المعتبرة فيه.

م - 557: يحرم التفخيذ، ويراد به استمتاع الرجل بمثله بإدخال عضوه بين فخذيه من دون إيلاج، سواء مع القذف أو بدونه، وهو ليس لواطاً لكنه محرم، وعلى الفاعل والمفعول به الحدُّ مئة جلدة، مسلمين كانا أو مختلفين، ومحصنين أو غير محصنين، كما لا فرق في المفخَّذ معه بين البالغ وغير البالغ، والعاقل والمجنون، والحي والميت.

م - 558: يحرم على الرجل أن ينام مع رجل آخر تحت لحاف واحد بدون حاجز بينهما إذا كانا عاريين بدون ضرورة موجبة لذلك، سواء مع التلذذ أبدونه،وعليهما التعزير بما قد يصل مقداره إلى تسع وتسعين جلدة.

م - 559: يحرم على الرجل من الرجل أن ينظر أو يمس مع التلذذ والشهوة بكل عضو منه كل عضو من الآخر، كمثل التقبيل واللمس والنظر ونحوها، سواء كان العضو عورة أو غيرها، وعلى من قبَّل غيرَ البالغ بشهوة مئة سوط إن كان الفاعل في حالة الإحرام للحج أو العمرة، وإن لم يكن مُحرماً يعزره الحاكم بما يراه مناسباً. أما مع عدم التلذذ فلا يحرم إلا النظر إلى العورة ولمسها، من فوق الثياب أو بدونها. (أنظر ما يناسب ذلك في مبحث أحكام التخلي، من الجزء الأول من فقه الشريعة، ص:80).

م - 560: نريد بمصطلح (التلذذ والشهوة)، الوارد في المسألة السابقة، والذي سيرد كثيراً في المسائل اللاحقة: تَسبُّبُ اللمس أو النظر بفوران الغريزة الجنسية وتحرّكها في داخل النفس، وبخاصة إذا ظهرت بمثل الإنتصاب عند الذكر أو ما يشبهه عند الأنثى. أما مجرد الإعجاب بما يرى فليس هو النظر بشهوة.

المطلب الثاني: في ما يحرم على المرأة من المرأة:

م - 561: يحرم السحاق على المرأة، وهو دلك عضوها بعضو امرأة أخرى، سواءً كانت المُساحَق معها بالغة أو غير بالغة، عاقلة أو مجنونة، وسواءً كانتا مسلمتين او مختلفتين، ومحصنتين أو غير محصنتين؛ وتستحق الفاعلتان مع اجتماع شرائطه حد السحاق، وهو يتراوح بين الجلد والقتل.

م - 562: يحرم على المرأة أن تنام مع امرأة أخرى تحت لحاف واحد إذا كانتا عاريتين ولم يكن بينهما حاجز،وعليهما التعزير بما قد يصل مقداره إلى تسعة وتسعين جلدة، سواء مع التلذذ أو بدونه، ومع النظر أو بدونه.

م - 563: يحرم على المرأة أن تنظر أو تمس بكل عضو منها كل عضو من المرأة الأخرى إذا كان مع التلذذ والشهوة، وذلك بمثل التقبيل واللمس والنظر، سواءً كان العضو عورة أو غيرها، أما مع عدم التلذذ فلا يحرم شيء من ذلك ما عدا لمس العورة الخاصة من فوق الثياب أو بدونها، وما عدا النظر إلى العورة، فإنه لا يجوز لمسها ولا النظر إليها إلا لضرورة. (أنظر ما يناسب ذلك في ص: 80 من الجزء الأول من فقه الشريعة).

المطلب الثالث: في ما يحرم على الرجل والمرأة من الآخر:

م - 564: يحرم الجماع بين الرجل والمرأة بدون عقد زواج يبرز تراضيهما ويجعل نكاحهما شرعياً، وذلك هو الزنى الذي يتحقق بدخول عضو الرجل أو شيء منه في فرج المرأة أو دبرها مع القصد والإلتفات؛ وعلى غير المحصن منهما مئة جلدة، وعلى المحصن منهما الرجم حتى الموت، بدون فرق في ذلك بين ما لو كانا مسلمين أو كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً، أما إذا كانا كافرين فإن الحاكم مخيّر بين إقامة الحد عليهما أو دفعهما إلى أهل ملتهما لإجراء العقاب اللازم عليهما عندهم. هذا وثمة أحكام عِدّةٌ للزنى تتعرض لحكم زنى الكبير في السن، والزنى بالمَحْرَمِ، والزنى بالمُكْرَهةِ وغير ذلك، وهو ما يُذكر تفصيلياً في أبواب الحدود.

م - 565: إذا وُجد رجلٌ وامرأةٌ أجنبيان عاريين تحت لحاف واحد بدون حاجز بينهما، استحقا عقوبة الجلد إلى ما قد يصل مقداره إلى تسع وتسعين جلدة تعزيراً لهما.

وإذا اندس رجل في فراش امرأة أجنبية أثناء وجودها في فراشها عُزِّر بما يراه الحاكم مناسباً، حتى لو لم يتجرد من ثيابه حين انْدساسِه فيه.

م - 566: يحرم على كل من الرجل والمرأة - ما لم يكونا زوجين أو مَحْرميْن - أن يمس أحدهما بكل عضو منه كل عضو من الآخر مع التعمد والإلتفات ولو بدون شهوة إذا كان اللمس مباشراً وبدون حاجز من ثياب ونحوها، فيما يجوز للمَحْرَم - رجلاً كان أو امرأة - أن يمس جسد الآخر من محارمه بدون شهوة ما عدا العورة الخاصة، وكذا يجوز أن يمس كل من الرجل والمرأة الأجنبيين من الآخر، من فوق الثياب، ما هو متعارف في بعض البلدان، مثل وضع بعض النساء يدها على كتف الرجل حين السلام عليه، أو نحو ذلك، شرط أن يكون بغير تلذذ وشهوة. كما أنه يجوز أن يمس الزوج بكل عضو منه كل عضو من زوجته، وهو أمر معلوم بالبداهة.

هذا، ولا فرق في حرمة المس بالنحو المذكور آنفاً بين ما لو كان الأجنبي مسلماً أو كافراً، ولا بين ما لو كان شاباً أو شيخاً هرماً.

م - 567: يستثنى من حرمة المس المذكور في المسألة السابقة موردان:

الأول : حالة الإضطرار المبيحة لجواز لمس جسد غير المَحْرَم بما في ذلك العورة، كحالات العلاج والإنقاذ من الغرق والإكراه ونحوها من موارد الضرر أو الإضطرار التي لا يمكن فيها تجنب اللمس بالمقدار الذي يتوقف عليه تأدي الضرورة. ويراد بالضرر: مطلق المخاطر الصحية التي يَعتَدُّ بها العقلاء ويَسعَوْن لتجنبها، حتى لو كان الألم مما يمكن الصبر عليه، فضلاً عما يكون موجباً للهلاك أو ما يشبه الهلاك، كفقد الأعضاء الحيوية والأمراض الخطيرة. ويراد بالإكراه: ما يتحقق بالتهديد بالهلاك أو بما يشبهه أو بما هو أقل من ذلك من الآلآم الجسدية أو المعنوية الواقعة على جسده أو عرضه أو جسد أو عرض من يهمه أمره، حيث يكفي مجرد الخوف من تنفيذ المُكرِه لتهديده فضلاً عما لو جزم بوقوع ذلك الأذى عليه. (أنظر في تحديد الضرر المسألة: 1200 من الجزء الأول، وفي تحديد الإكراه: فقرة «الثالث» من الصفحة: 416، من الجزء الثاني).

الثاني : موارد الحرج الشديد الذي يصعب على المكلف تحمله، وذلك كما في الموارد التي يَخْشى فيها من العار والفضيحة، أو التي تسبب للمؤمن ذلاً موجباً لهتك حرمته بين الناس.

هذا، ولا فرق في جواز اللمس في المورد الأول بين لمس العورة الخاصة أو لمس سائر الجسد، نعم يجب تقديم الرحم على الأجنبي في موارد الإضطرار إلى لمس العورة، مع الإمكان؛ في حين يقتصر في المورد الثاني على الحالات المحدودة التي يتحقق فيها الحرج، من قبيل المصافحة ونحوها.

م - 568: يجوز للمرأة أن تنظر إلى ما عدا العورة من جسد الرجل الذي ليس بزوج لها بدون تلذذ وشهوة، سواء كان هذا الرجل أجنبياً أو محرماً، نعم الأحوط استحباباً لها أن تقتصر في نظرها إلى الأجنبي على ما اعتاد الرجل كشفه من جسده، وهو: الرأس والعنق وشيء من الصدر واليدان إلى العضد، والقدمان وشيء من الساقين، ونحو ذلك مما يرجع فيه إلى المعتاد في كل مجتمع، ولو كان أزيد مما ذكر. أما العورة فلا يجوز النظر إليها لا من المَحْرم ولا من غيره ما عدا حالات الإضطرار التي ذكرناها في المسألة السابقة.

م - 569: لا يجوز للرجل أن ينظر إلى غير الوجه والكفين والقدمين من جسد المرأة الأجنبية الملتزمة بالستر الواجب عليها إذا بان غفلة منها لريح ونحوه، سواءً في ذلك العورة وغيرها، وسواءً كان النظر بشهوة أو بدونها، وكذا حكم ما تلتزم المرأة غير المسلمة بستره من جسدها، وكذا المسلمة السافرة التي لا تنتهي إذا نهيت عن سفورها وأُمرتِ بالستر، فإنه لا يجوز - أيضاً - للرجل أن ينظر، ولو بدون شهوة، إلى ما تلتزمان بستره من جسديهما في أحوالهما العادية وإن كشفتاه في أوقات خاصة، كأوقات السباحة أو ممارسة الرياضة. وأمَّا ما اعتادت غير المسلمة - أو المسلمة السافرة - كشفه من جسدها، بما في ذلك ما تكشفه فعلاً في أوقات خاصة، فإنه يجوز النظر إليه بدون شهوة؛ وكذا يجوز لغير المعالِج النظر إلى ما تكشفه المرأة الملتزمة من جسدها لضرورة العلاج بمقدار ما تقتضي الضرورة على غير المعالج من سائر الناس، وإن كان الأفضل للمؤمن غض النظر، ولا سيما عن تكراره. هذا حكم المرأة من غير محارمه، أما النظر إلى مَنْ هي من محارمه، كأمه وأخته وبنته وغيرهن، فإنه يجو له النظر إلى جميع جسدهن ما عدا العورة بدون تلذذ وشهوة، وإن كان الأحوط استحباباً ترك النظر إلى ما بين السرة والركبة منهن.

م - 570: قد تقدم منا في مبحث (أحكام التخلي) من الجزء الأول من فقه الشريعة، ذكر أحكام النظر إلى عورة المرأة والرجل، وبخاصة بيان المراد من العورة، وحكم عورة الطفل والمجنون، وحكم النظر إلى صورة العورة، وحكم موارد جواز النظر، وأمور أخرى مناسبة، وذلك بهدف بيان حكم المتخلي من هذه الجهة، وجميع ما ذكرناه هناك نافع هنا، وتَحْسُن مراجعته لاستكمال ما رأينا عدم لزوم إعادة ذكره. (أنظر من الجزء الأول: المسألة «189» وما بعدها).

م - 571: يستثنى من حرمة النظر إلى ما تستره المرأة من جسدها ما لو كان الرجل راغباً في التزوج من امرأة بعينها، فإنه يجوز له أن ينظر إلى محاسنها، والمحاسن هي: الوجه والشعر والرقبة والساعدان والساقان، ولا يشترط أن يكون ذلك بإذنها، كما أنه لا يضر بالجواز ما لو تحركت شهوته بسبب ذلك النظر ما دام عن غير قصد منه، كما يجوز له تكرار النظر حتى يتحقق غرضه منه. وكما يجوز للرجل أن ينظر إليها في هذه الحالة فإنه يجوز لها أن تمكنه من ذلك وتبدي محاسنها أمامه.

م - 572: يجوز أن تتواجد المرأة حيث يتواجد الرجل، وذلك في شتى الميادين التي ينبغي أن يتواجد الناس فيها للقيام بشؤونهم وقضاء حاجاتهم، سواءً في ذلك ما يرجع إلى أمور دنياهم، كالطب والتعليم والصناعة والخدمات العامة وغير ذلك من حقول الحياة التي تسع الرجل والمرأة وتستدعي وجود كل منهما فيها، أو ما يرجع إلى أمور آخرتهم من ألوان العبادات وفنون الطاعات، كالتواجد في المساجد والمشاهد المشرفة ومواقع المناسك في الحج وغير ذلك مما يجب أو يستحب أداؤه من كل منهما، بل إن وجوب تعرُّف المرأة على أمور دينها وأهمية تَرَقِّيها في معارج الكمال والفضيلة قد توجب عليها التواجد في العديد من مواقع الطاعة، وذلك كارتياد المساجد وحضور المناسبات الدينية واستماع الدروس العامة، وغير ذلك مما يصعب معه تلافي الإختلاط النسبي بالرجال؛ غير أنه وإن جاز الإختلاط لمثل هذه الأسباب وغيرها، بل وبدون سبب، فإنه لا بد من مراعاة الآداب والأحكام الإسلامية التي تحقق لذلك الإختلاط الإحتشام والعفة المطلوبين.

نعم، ينبغي تجنب الإختلاط الذي لا تقتضيه شؤون الناس وضروراتهم العادية، وبالأخص ما قد يجتمع عليه الرجال والنساء من لغو الحديث ولهو الأعمال في أوقات فراغهم وسمرهم. كما أنه تكره خلوة أحدهما بالآخر وانفراده به في مكان لا يحتملان دخول أحد عليهما، إذا أمنا من الوقوع في الحرام ولو بالنظر بشهوة، فإن لم يأمنا وقوعهما في الحرام حرمت الخلوة بينهما.

م - 573: يجوز أن يتحادث الرجل مع المرأة من غير محارمه، وبخاصة ما كان لغرض صحيح، وخلا من اللغو والباطل، ولم تتعمد المرأة ترقيق صوتها وتحسينه بقصد إغراء الرجل وفتنته، وهو الذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: { فلا تَخْضَعن بالقولِ فيطمَعَ الَّذي في قَلْبِه مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً} (الأحزاب: 32). أما محادثة المرأة لمجرد المحادثة والأنس بحديثها والمكث معها، فضلاً عن ممازحتها، فإنه مكروه إن خلا من الفتنة والريبة، ومحرم إذا كان مع الإفتتان والتلذذ. وقدعرضنا للأحكام المتعلقة بالغناء والإنشاد في مباحث الإجارة من الجزء الثاني فانظر فيه (المسألتين: 183 - 184).

المطلب الرابع: في ما يحرم على المكلف من نفسه:

م - 574: يحرم على المكلف أن يفعل في نفسه ما يوجب خروج المني بما يعرف بــ (الإستمناء) أو (العادة السرية)، سواء بالضغط على عضوه، أو بقراءة أو تَلفُّظِ كلمات إباحية أو برؤية أو تَخيُّل أعمال جنسية، أو بغير ذلك، ما لم يكن لضرورة صحية، كإضطراره لإخراج المني لمرض يتوقف علاجه على إخراجه لفحصه، ولم يتيسر له الإستمناء بيد الزوجة، أو لم تتيسر له زوجة، دون ما لو كان من أجل طلب الوَلَد ومعالجة العَقَم، فإنه لا يجوز له الإستمناء حينئذ، إلا إذا كان العقم ناتجاً عن مرض معين، ورغب في علاج المرض من أجل الوَلَد جاز له ذلك ما دام ثمة مرض ينبغي علاجه، وإلا إذا كان في ترك معالجة العقم حرج عليه، كما هو الغالب، فيجوز الإستمناء ولو لم يكن معه مرض ينبغي علاجه.

أما ما دون ذلك من الأعمال الجنسية، كأن يفعل أو يتخيل أو يقول ما يوجب حدوث الإنتصاب أو كأن يلمس أو ينظر إلى جسده بشهوة، فإنه وإن جاز ذلك عند الأمن من حدوث القذف بسببه، لكنه مما لا ينبغي القيام به لآثاره غير الحميدة على روحية المؤمن، إلا أن يكون أثناء علاقته بزوجته لمساعدة نفسه على التهيؤ لها.