صدع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة استجابة لأمر ربه سبحانه، وتحمل وأصحابه الإيذاء و الغربة منذ الجهر بالدعوة فما المعين لهم بعد الله تعالى للقيام بتلك المهمة الصعبة؟، فنجد القرآن يتنزل ويوضح طريق النصر، ويبين معالم الطريق، ليبدأ منه، وينتهي إليه، ويستنير به:(يـأَيُّهَا ٱلْمُزَّمّلُ، قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً، نّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتّلِ ٱلْقُرْءانَ تَرْتِيلاً ،إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ، إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً) [المزمل:1-6].


يقول صاحب الظلال رحمه الله: "(يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمّلُ).. إنها دعوة السماء، وأمر الكبير المتعال (قم). قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيأ لك. قم للجهد والنصب والكد والتعب. قم فقد مضى وقت النوم والراحة. قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد. وإنها لكلمة عظيمة رهيبة تنتزعه صلى الله عليه وسلم من دفء الفراش، في البيت الهادئ والحضن الدافئ. لتدفع به في الخضم، بين الزعازع والأنواء، وبين الشد والجذب في ضمائر الناس وفي واقع الحياة سواء".


من لم يبت والحب حشو فؤاده لم يدر كيف تفتت الأكباد


إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحاً، ولكنه يعيش صغيراً ويموت صغيراً. أما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير. فماله والنوم؟ وماله والراحة؟ وماله والفراش الدافئ، والعيش الهادئ؟ والمتاع المريح؟! ولقد عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة الأمر وقدره، فقال لخديجة رضي الله عنها وهي تدعوه أن يطمئن وينام: مضى عهد النوم يا خديجة! أجل مضى عهد النوم، وما عاد منذ اليوم إلا السهر والتعب والجهاد الطويل الشاق!


يا أيها المزمل. قم الليل إلا قليلا. نصفه أو انقص منه قليلا. أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا.

إنه الإعداد للمهمة الكبرى بوسائل الإعداد الإلهية المضمونة: قيام الليل في وقت السحر، والخشوع بين يدي الله تعالى، ليأخذ الزاد، ويستلهم العون ويدرك التوفيق، ويشحذ الهمة للقيام بالمهمة بكل حب وهمة.


من منافع ركعات السحر:


ركعات السحر تسكب في القلب أنساً وراحة وشفافية، قد لا يجدها العبد في صلاة النهار وذكره، والله الذي خلق هذا القلب يعلم مداخله وأوتاره، ويعلم ما يتسرب إليه، وما يوقع عليه، وأي الأوقات يكون أكثر تفتحاً واستعداداً وتهيئاً، وأي الأسباب أكثر تعلقاً، وأشد تأثيراً فيه.


ما حاجتنا بعد هذه التوجيهات الإلهية الرحيمة الرفيقة، التي تملأ القلب طمأنينة، بعد أن ملئ خوفاً ورعباً.

يا رجال الليل جِدوا رب صوت لا يرد

ما يقــوم الليل إلا من له عزم وجـد

و ما أحوج المسلم لخلوة بربه، ومولاه يناجيه، ويدعوه، ويتلذذ بالتعبد بين يديه، والتقرب إلى أكنافه، والانطراح إلى جنابه، يستمد منه العون، يستلهم منه التوفيق، ويسترشد به ملامح الطريق.


شرف المؤمن:


شرف المؤمن في قيام الليل، فعَنْ بِلَالٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ وَمَنْهَاةٌ عَنْ الْإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ"(1).

ها هو نبي الله صلوات ربي عليه يقول: ((أتاني جبريل فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس)) (2).


أطيب أوقات المناجاة:


لعل أطيب أوقات المناجاة هو: وقت السحر قبل الفجر:كما ورد في الحديث: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا ، حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: ((مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ))(3)، فيعلم العبد أن ربه في علاه، تنزل له لقضاء حاجته، فهل يعرض عنه، وقد أتاك. (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ ٱلاْخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو ٱلاْلْبَـٰبِ [الزمر:9].



ففي وقت السحر يخلو العبد بربه، في سكون الليل، والناس نيام، فيخشع القلب، و تطمئن النفس، و يشعر المسلم بضعفه إلى مولاه، وحاجته إليه، فيرق الفؤاد، وتسكن النفس، ويستحضر هذا الخاشع: عظمة الخالق، وأنه سبحانه بيده ملكوت السموات والأرض، و إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، وأنه وحده القادر على استدعاء الفرج بعد الضيق، و إيجاد اليسر بعد العسر، وحل المشكلات التي عجز البشر عن مواجهتها، فينزل المسلم حاجته وفقره، ويبدأ في اللجوء إلى الله، يسأله حوائجه بإلحاح، ويستغفره باستعطاف، وينوي التوبة بصدق، و يعزم على الندم، و يأنس بمناجاة خالقه، ويسعد بالوقوف بين يديه، ويبكي من خشيته لعلمه ألا ملجأ من الله إلا إليه، (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) (آل عمران: 126)، ولعلمه بعد التجربة أن فى قيام الليل حلاوة لا يشعر بها إلا من ذاقها بل ويندم على تركها، ولنا فى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فقد كان يقيم الليل حتى تورمت قدماه وعند سُئل فى ذلك قال " أفلا أكون عبدا شكورا" (4) ففي قيام الليل تعبير عن الشكر للخالق سبحانه جل وعلا.

ماذا يمنعك من قيام الليل:

اشتكى رجل لسيدنا الحسن البصرى وقال له :لا أستطيع القيام لقيام الليل فرد عليه الحسن البصرى قائلا: ذنوبك قيدتك. فهي دعوة للتوبة والندم و التخلص من الذنوب، والمسلم هو المنتفع بهذا القيام، فسوف تحل مشكلاته، ويتقرب إلى مولاه، ويستشعر بعبوديته الحقة.


تَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ:

أبواب الجهاد يطرقها عباد الليل، والشجاعة تسقى بدموعهم في الليل، وما عرف الإسلام رجاله إلا كذلك، يقبلون على جهاد أنفسهم، ويحاولون الانتصار عليها، ويلزمونها الاستقامة، بالحرص على فعل الطاعات، والبعد عن المعاصي والمنكرات، وإذا تلوث أحدهم بشيء منها بادر بالطمع في قيام الليل ليطهر نفسه، وينتصر عليها.

يحيــون ليلهم بطاعة ربهـم

بتلاوة وتضرع وســؤال

وعيونهم تجرى بفيض دموعهم

مثل انهمال الوابل الهطـال

في الليل رهبان وعند جهادهم

لعدوهم من أشجع الأبطال

وإذا بــدا علم الرهان رأيتهم

يتسابقون بصالح الأعمـال

بوجوههم أثر السجــود لربهم

وبها أشعــة نـوره المتلالي

(تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ، فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [السجدة:16، 17].


نماذج فذة:

ولهذا فإن مجاهدي الأمة ورجالاتها الأفذاذ من الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا لم يتركوا قيام الليل حتى في حال الغزو، هذا عباد بن بشر الصحابي الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالمغفرة انتدبه الرسول صلى الله عليه وسلم مع رجل من المهاجرين لحراستهم في ليل إحدى الغزوات، فاضطجع المهاجري وقام هو يصلي، فأتى رجل من المشركين، فلما رآه قائماً يصلي عرف أنه حارس القوم، فرماه بسهم، فوضعه فيه، فنزعه عباد، فرماه المشرك بسهم ثان، فنزعه، وهكذا حتى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد، ثم انتبه صاحبه، فلما عرف المشرك أنهم قد انتبهوا له، هرب، فلما رأى المهاجري ما بعباد من الجراحة قال: سبحان الله، ألا نبهتني أول ما رمى؟ قال: كنت في قراءة سورة الكهف فلم أحب أن أقطعها.) أو قال: "يغفر الله لك ألا كنت آذنتني أول ما رماك ؟ قال : فقال : "كنت في سورة من القرآن قد افتتحتها أصلي بها فكرهت أن أقطعها ، و أيم الله لولا أن أضيع ثغراً أمرني به رسول الله صلى الله عليه و سلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها". (5).

هــذه هي الأمــة التي ينصرها الله وهذه هي الأمة التي تدين لها الأمم.

هل من صلاح الدين يعيد السيف في يدنا أو تبتروهـا فقـد شـلت أيادينـا

فإذا أردت أن تعرف متى يتنزل النصر على هذه الأمة؟ والجواب: إذا رأيت أبنائها ركعاً سجداً في محاريب الليل، وإذا كانوا: رهبان بالليل فرسان بالنهار.


رهبان بالليل فرسان بالنهار:


قال أهل السير:كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء، فقال هرقل عظيم الروم وهو في أنطاكية لما قدمت جيوشه تجر أذيال الهزيمة: ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم، أليسوا بشراً مثلكم؟ قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافاً في كل موطن، قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر ونزنى ونركب الحرام وننقض العهد ونغصب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عما يرضى الله ونفسد في الأرض.(6).


وقال الواصف في وصف الصحابة رضي الله عنهم: (وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شباباً، شباب مكتهلون في شبابهم، ثقال عن الشر أعينهم، بطيئة عن الباطل أرجلهم، قد نظر إليهم في جوف الليل، منثنيةً أصلابهم بمثاني القرآن، إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة، بكى شوقاً إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، قد وصلوا كلالهم بكلالهم، كلال ليلهم بكلال نهارهم، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم، مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من طول القيام وكثرة الصيام، مستقلين لذلك في جنب الله، وهم موفون بعهد الله، منجزون لوعد الله، إذا رأوا سهام العدو فوقت ورماحه قد أشرعت، وسيوفه قد انتضيت، وأبرقت الكتيبة وأرعدت بصواعق الموت، استهانوا بوعيد الكتيبة، لوعيد الله، مضى الشاب منهم قدماً حتى تختلف رجلاه عن عنق فرسه، قد اختضبت محاسن وجهه بالدماء، وعفر جبينه في الثرى، وأسرعت إليه سباع الأرض، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها من خشية الله، وكم من كف قد بانت بمعصمها، طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده في جوف الليل لله، وكم من خد رقيق وجبين عتيق قد فلق بعمد الحديد، رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحها الجنان.(7)


قال ابن كثير في ترجمة السلطان الزاهد المجاهد، نور الدين زنكي: "إن جماعة من العباد ممن يعتمد على قولهم دخلوا بلاد القدس للزيارة أيام أخذ القدس الفرنج فسمعوهم يقولون أن القسيم ابن القسيم يعنون نور الدين له مع الله سر، فإنه لم يظفر وينصر علينا بكثرة جنده وجيشه، وإنما يظفر علينا وينصر بالدعاء وصلاة الليل، فإنه يصلي بالليل ويرفع يده إلى الله ويدعوه، فإنه يستجيب له ويعطيه سؤله فيظفر علينا، قال: فهذا كلام الكفار في حقه "(8).

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
منقول