آسف موضوعى طويل شوية بس الرجل يستحق منا وقفة طويلة /scenic


ولد في : 10 / 9 / 1927
توفى في : 22 / 3 / 2000
الاسم الحقيقي : محمد نسيم (قلب الاسد)
الاسم الحركي : ذئب المخابرات الأسمر
تاريخ التحاقه بالمخابرات : 1956
تاريخ انهاء خدمته بالمخابرات : 1975
محمد نسيم.ضابط سابق في المخابرات المصرية و أحد ضباط الجيش المصري الذين انضموا لتنظيم الضباط الأحرار ، وشارك ضمن الصف الثاني من رجال الثورة ، وعندما تولى اللواء صلاح محمد نصر الشهير بصلاح نصر رئاسة جهاز المخابرات العامة المصرية كان محمد نسيم أحد مديري العمليات بالجهاز ورجل المهام الصعبة وللحق فان إنشاء الجهاز على صورته تلك . كان لجهود رجاله وإدارة صلاح نصر رئيس الجهاز على الرغم من انحرافه فيما بعد نتيجة للسلطة المطلقة التي تمتع بها في ظل حماية المشير عبد الحكيم عامر نائب رئيس الجمهورية وقائد الجيش المصري آن ذاك، أشهر عملية لمحمد نسيم هي إعادة تقييم مندوب المخابرات العامة المصرية السابق رفعت الجمال

رفعت الجمال
وكانت أولى عمليات محمد نسيم التى أكسبته سمعته الرهيبة بين رفاقه .. اعادة تأهيل العميل المصري الأشهر " رفعت الجمال " الشهير باسم " رأفت الهجان " . كان رفعت الجمال قد سافرالى اسرائيل فى منتصف الخمسينيات واستقر بها بعد أن نجح فى زرعه رجل المخابرات العتيد اللواء " عبد المحسن فائق " المعروف باسم " محسن ممتاز فى المسلسل الشهير الذى حكى قصتة .. ومنذ أن تم زرعه فى اسرائيل وحتى بداية الستينيات لم تستفد منه المخابرات المصرية شيئا الا المعلومات التى أرسلها فى حرب العدوان الثلاثي .. وللحق فلم يكن هذا تقصيرا من رفعت الجمال .. أو معلمه عبد المحسن فائق .. بل كانت الظروف أقوى منهما لضعف الامكانيات التدريبية التى تلاقاها رفعت وكان جهاز المخابرات لم يزل وليدا فى ذلك الوقت ..
وعلم المخابرات تطور تطورا مدهشا وسريعا عبر السنوات الخمس التى أمضاها رفعت فى اسرائيل فكانت الحاجة ماسة الى رجل مخابرات من طراز فذ يتمكن أولا من السيطرة على رفعت الجمال صاحب الشخصية شديدة العناد ويقوم بملئ الفراغ الذى تركه اللواء عبد المحسن فائق فى أعماقه .. وذلك حتى يتمكن من اقناعه بمواصلة التدريب والعمل ..
وكان ضابط الحالة الذى تولى عملية الجمال هو عبد العزيز الطورى الشهير باسم " عزيز الجبالى " .. وبعد دراسة عميقة لشخصية رفعت .. ومع استحالة عودة اللواء عبد المحسن فائق من مقر عمله فى الولايات المتحدة فى ذلك الوقت .. لم يجد عبد العزيز الطورى الا قلب الأسد محمد نسيم المعروف بصرامته وشخصيته القوية ونبوغه الفائق وهو النموذج المماثل لعبد المحسن فائق ..
وتم اللقاء بين قلب الأسد وبين رفعت .. ولم تمض ساعات على لقائهما الا وكان محمد نسيم وهو بالمناسبة الشهير باسم " نديم هاشم " فى مسلسل " رأفت الهجان .. وقام بدورة باقتدار بالغ الفنان المصري نبيل الحلفاوى فى واحد من أعظم أدواره على الاطلاق لا سيما وأن نبيل الحلفاوى كان يشبه اللواء محمد نسيم فى الشكل والأداء الى درجة مذهلة ..
لم تمض ساعات على اللقاء بين العملاقين رفعت ونسيم .. الا وكان نسيم قد ألقي بغياهب شخصيته الفريدة فى وجه المتمرد النابغة رفعت الجمال ..
وكان رفعت الجمال قد أبصر بعيونه عبر المعايشة لليهود . كيفية التقدم المدهش هم فى مجال الأمن .. وكان فى أمس الحاجة الى من يريه تفوق بلاده .. وقد كان .. تمكن نسيم عبر التدريبات المكثفة من اقناع رفعت بمدى التقدم المدهش الذى أحرزه المصريون على الاسرائيليين فى المواجهات المباشرة بينهما ..
وبعد أسبوعين من التدريب المستمر والشاق ..
خرج رفعت الجمال فى مستوى ضابط حالة وهو المستوى الأعلى لأى عميل مدنى فى نظم المخابرات .. ووقع تحت الاشراف المباشر لعبد العزيز الطورى وللتدريب على يد محمد نسيم لتكتسب مصر كما رهيبا من المعلومات باغة السرية التى أرسلها رفعت لا سيما بعد تمكنه من بسط علاقاته ونفوذه فى مجتمع تل أبيب بتعليمات نسيم عبر شركة " سي تورز " والمعروفة باسم " ماجى تورز " وفى قلب تل أبيب واصل نجم المجتمع الاسرائيلي " جاك بيتون " وهو الاسم المستعار لرفعت الجمال وهو الاسم الذى عرف فى المسلسل بـ " دافيد شارل سمحون " .. وبلغت علاقاته حدا جعله صديقا شخصيا للجنرال موشي ديان وجولدا مائير رئيسة الوزارة الشهيرة .. كل هذا بفضل نبوغ رفعت الشخصي .. وبراعة معلمه الفذ " محمد نسيم " .. ومن قبل هذا وذاك النصرة الالهية لأناس نصروا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم


الصدمة ..
كانت نكسة 67 .. مدمرة فى آثارها الى حد رهيب على العالم العربي أجمع .. الا أنها كانت ذات تأثير صاعق على الأسود الرابضة فى عرين المخابرات العامة المصرية الكائن فى حى حدائق القبة بالقاهرة الواقع خلف قصر القبة الشهير .. ولكى تتأملوا الأثر وتقدروه .. يكفي أن تعلموا أن مصر كلها ذاقت الهزيمة الا هذا الجهاز كان هو المنتصر على أى مقياس منطقي .. فقد تكفل رجاله ونجومه وعلى رأسهم رفعت الجمال بمعرفة كل التفاصيل الدقيقة والخرائط لخطة الحرب العسكرية فى 67 .. وقاموا بارسالها الى قيادتهم السياسية المغيبة .. ليفاجئ الأبطال بالنكسة وهم الذين كادوا يعطون قياداتهم أسماء الجنود والقادة من العدو اسما اسما لو طلبوا اليهم ذلك .. ولكن لعوامل كثيرة .. ليس هذا مكانها وقعت الواقعة وانهزمت مصر هزيمة ساحقة كادت تعبر بها حافة اليأس لولا توفيق الله والارادة الفولاذية التى قدت من الصخر .. وبدأت معارك الاستنزاف .. وتزلزلت القوات الاسرائيلية بكم العمليات الصادمة التى انتقت عيون أسلحة ورجال العدو مع المعلومات الغزيرة التى تولاها الرجال فى المخابرات العامة .. وذلك بعد تطهير الجهاز من قياداته المنحرفة .. وتولى محمد نسيم وأمين هويدى مسئولية اعادة الأمور الى نصابها فى جهاز المخابرات العامة عقب النكسة .. وأرسل عبد الناصر الذى كاد الندم يقتله .. الى محمد نسيم .. وتواعدا بالحديث وتقاسما الهم سويا ليتذكر عبد الناصر مدى قدرة الأسد الرابض أمامه وذكره باحدى عملياته التى لاقت شهرة واسعة على الرغم من سرية أعمال المخابرات فى العادة ..

عملية الحاج
كانت واقعة نية اسرائيل التنقيب عن البترول فى سيناء كما سبق القول نية سياسية لا اقتصادية .. وقد بعثت الى احدى الشركات الكندية لاستقدام أحد أكبر الحفارات فى العالم لاستخدامه فى التنقيب وهو الحفار " كينتج " .. وقد خططت اسرائيل بدقة لهذه العملية .. وقامت عمدا باستيراد هذا الحفار الكندى والذى تجره قاطرة هولندية وعليه بحار بريطانى .. لكى تعجز مصر عن ضرب الحفار بالطيران عند اقترابه من البحر الأحمر .. لأن مصر اذا غامرت بضرب الحفار علانية فمعنى هذا أنها استعدت عليها ثلاث دول كبري على الأقل .. ولأنها تعلم تماما أن المخابرات العامة لن تترك الحفار .. فقد احتاطت للأمر وقامت بتأمين الخطوط الملاحية للحفار القادم عبر المحيط الأطلنطى الى رأس الرجاء الصالح ثم البحر الأحمر .. وقامت بانتقاء خطوط سير ملاحية بالغة السرية وغير مألوفة .. كما جند الموساد رجاله وأجهزته بمعاونة المخابرات المركزية الأمريكية لمصاحبة الرحلة وحماية الحفار .. لكن من قال ان المصريين يعرفون المستحيل .. شكل محمد نسيم فريق عمل من أفضل رجال المخابرات العامة وخبراء الملاحة وضباط القوات البحرية .. لتبدأ عمليه الحاج .. وكان سبب تسميتها مزامنه أحداثها لموسم الحج وقام محمد نسيم بتجنيد عملاء المخابرات العامة فى الدول التى سيمر الحفار عبر سواحلها وأعطى أوامر بضرورة التفرغ لهذه العملية .. وقام باستقدام فريق من أكفأ رجال الضفادع البشرية التابع للبحرية المصرية .. حيث استقرت الخطة على زرع متفجرات شديدة التدمير فى قلب البريمة الرئيسية للحفار لابطال مفعوله .. وبدأت لعبة القط والفأر بين نسيم ورجال الموساد .. وهناك .. فى أبيدجان الميناء الشهير لدولة ساحل العاج .. كان الحفار قد ألقي مراسيه بأمان للراحة .. وعلى الفور وبناء على الاستنتاجات المسبقة بعقله الفذ الذى أدرك أن أبيدجان هى الميناء المثالى الذى سيرسو عنده الحفار .. قام بحمل المتفجرات بنفسه ودار بها عبر أوربا وساحل افريقيا الشمالى وحط رحاله فى أبيدجان ولا أحد يعرف كيف تمكن من عبور مطارات خمس أو ست دول وهو يحمل هذه المتفجرات ..
وكان فريق العمل أبطال البحرية قد سلك طريقا مماثلا عبر عدة عواصم أوربية حتى أبيدجان .. وفى فجر يوم العملية وصل الفوج الأول من الضفادع البشرية .. وبينما الكل فى انتظار الفوج الثانى علم محمد نسيم من مصادره فى أبيدجان أن الحفار فى طريقه لمغادرة ساحل العاج صباح اليوم التالى .. ليطير عقل محمد نسيم .. ويتخذ قراره بتنفيذ العملية بنصف الفريق فحسب .. وكان الحل السريع أن يكتفي نسيم بزرع المتفجرات تحت البريمة الرئيسية وأحد الأعمدة فحسب بديلا عن الخطة الرئيسية بتفجير البريمة والأعمدة الثلاثة
وفى الفجر .. تسلل الأبطال تحت اشراف نسيم الى موقع الحفار وخلال ساعة واحدة كانت المتفجرات فى أماكنها .. ومضبوطة التوقيت على السابعة صباحا .. وخلال هذه الفترة أشرف نسيم بسرعة فائقة على سفر مجموعة العمل خارج ساحل العاج واستقبال المجموعة التى كان مقررا وصولها فى الصباح لتحط فى أبيدجان بطريقة الترانزيت وتكمل رحلتها خارج أبيدجان ..
وبقي نسيم وحده ينتظر نتيجة العملية .. ومن شرفة فندقه المطل على البحر أخذ يعد الدقائق والثوانى التى تمضي ببطء قاتل .. حتى التقا عقربا الساعة عند السابعة صباحا ليتعالى دوى الانفجارات من قلب البحر .. ويصبح الحفار أثرا بعد عين فى الانفجار الذى هز أبيدجان .. لكنه كان كالموسيقي الكلاسيكية فى أذنى نسيم ... والذى تأمل الحفار المحطم .. لترتسم ابتسامة نصر مشرقة ومألوفة على الوجه الأسمر الصارم ..
وبعدها توجه نسيم الى أحدى مكاتب البريد ليرسل تلغرافا الى جمال عبد الناصر يقول له كلمتين فحسب " مبروك الحج "
هذا هو محمد نسيم أو نديم هاشم كما عرفه المشاهدون العرب فى المسلسل التليفزيونى الشهير " رأفت الهجان " والذى كتب قصته الأديب الراحل صالح مرسي وأخرجه المخرج يحيي العلمى .. لتنفجر الحماسة فى الشعوب العربية من المحيط الى الخليج اعجابا بهؤلاء الأبطال الذين قدموا لأوطانهم أسمى معانى الفداء ولم ينتظروا حتى مجرد كلمة شكر ..
أسود المخابرات العامة المصرية الأفذاذ .. العاملون فى صمت .. النائمون فى قلب الخطر .. رواد العظمة ..
ونجمهم رجل المستحيل محمد نسيم الذى اتخذ دوره الى جوار زملائه فى حرب أكتوبر ليتمكن جهاز المخابرات العامة من احاطة ترتيبات الحرب بالسرية الكاملة حتى ساعة الصفر القاتلة للعدو .. لتخرج المراجع العالمية معترفة بانتصار المخابرات العامة المصرية على جهاز المخابرات الأمريكى والسوفياتى والاسرائيلي والبريطانى ..


وقد وجد محمد نسيم نفسه وهو في غرفة العناية الفائقة بالدور الأول من مستشفى (وادي النيل) في حالة الاختيار الأخيرة.. فرفض أن يعيش نصف انسان.. يتنفس ولكن لايتحرك.. يأكل ولكن لايعمل.. يبتسم ولكن لايتكلم.. لقد هاجمته أربع (جلطات) بشراسة وسدت شرايين القلب والمخ.. فكان قراره الأخير.. الرحيل.. الرحيل.. لقد تعود أن يحمل الوطن والناس على كتفه فكيف يتحمل ما هو عكس ذلك؟.. إنه معدن نادر من الرجال في زمن سادت فيه اللدائن الصناعية والأخلاق البلاستيكية. في آخر مكالمة تليفونية وجدته يتعجب مما سمع عن مسئول سابق كان يتصور أن زملاءه في الحكومة يدبرون له السحر والشعوذة للقضاء عليه وعلى نفوذه الذي استشرى حتى صار مضربا للمثل في السيطرة والتعسف في استخدام السلطة.. فقلت له: يبدو أن مهنتك القديمة كرجل مخابرات تطاردك.. يموت الزمار ولكن إصبعه تظل تلعب.. قال: إننا في أيام لم يبقى فيها سر.. ولم تعد المعرفة حكرا على أحد.. أليست هذه هي العولمة التي تحدثوننا عنها ليل نهار؟.. فقلت له ضاحكا: لقد جاء الزمن الذي أصبح رجال المخابرات يطلبون فيه وظائف في إعلانات الصحف المبوبة.. وأصبحت فيه أجهزة المخابرات العالمية تطلب الجواسيس علنا وكأنها تطلب أطباء أو مهندسين أو خبراء في العلاقات العامة.. قال: لكن.. رغم ذلك سيظل لهذه الأجهزة دورها.. مهما تغير هذا الدور.. ومهما تغيرت ظروف الدنيا.. انها المهنة الثانية في التاريخ.. وستظل تجتذب أقوى العقول.. فميدانها هو الذكاء.. وثمنها قد يكون فادحا.. مصلحة الوطن بأكمله. قلت له: لكن.. هذه الأجهزة كثيرا ما تتجبر.. وتنفلت من عقالها.. وتتجاوز حدودها.. هل نسيت إنك كنت واحدا من اثنين كلفهما جمال عبدالناصر بالتحقيق في قضية (انحراف المخابرات) في الساعة الثامنة من صباح يوم 28 أغسطس 1967 وقد استمر حتى الساعة الحادية عشر من مساء يوم 14 أكتوبر من العام نفسه.. هل نسيت أن التحقيق كان يدور حول سوء استعمال النساء والأموال السرية.. وهو ما جعل من الضروري استدعاء 44 سيدة وفنانة و 9 أفراد من خارج الجهاز بخلا ف 14 فردا من قوة الجهاز.. حسب اعتراف شريكك في إدارة التحقيقات الوزير حلمي السعيد في مذكراته التي نشرت مؤخرا. كذلك دارت التحقيقات حول مبلغ الستين ألف جنيه التي استلمها صلاح نصر وعباس رضوان.. والسموم التي استلمها صلاح نصر ومنها سم (الأكونتين) وأمر بوضعها في كبسولات (الريالتين) وتسلمها منه المشير عبدالحكيم عامر.. ثم دارت التحقيقات حول ما عرف بقضية التعذيب.. وكانت النتيجة الحكم على صلاح نصر بالسجن لمدة 40 سنة.. ثم كا ما كان.. حسب ما نشره أمين هويدي في كتابه (الفرص الضائعة) . وسارع محمد نسيم بالرد: هذه أرقام دقيقة.. لكن.. التحقيقات انتهت بإدانة رئيس الجهاز في ذلك الوقت صلاح نصر ونائبه حسن عليش الذي كان رئيسا لهيئة الامن القومي وثلاثة ضباط فقط من داخل الجهاز وثلاثة أفراد أيضا من خارجه.. وهي إدانة شديدة التواضع إذا ما قيست بحجم الضجة التي أثيرت أو قيست بحجم الدور الوطني الكبير الذي لعبه الجهاز في وقت كان الصراع شرسا بيننا وبين اسرائيل.. وإن كنت معك في النهاية أن الانحراف يبقى انحرافا مهما كان حجمه.. ويبقى سببه الرئيسي يستحق الانتباه والتأمل.. وهو البقاء في مواقع أو مراكز القوة طويلا بلا حساب.. أو كأنه كما قرأت لك مرة في الأهرام لابد أن تقع مصيبة أو هزيمة حتى يكون التغيير ضرورة. كانت المرة الأخيرة التي أحاور فيها محمد نسيم.. لكنها لم تكن المرة الأولى.. حدث مرة أن رأيته غاضبا.. بل ربما كانت المرة الوحيدة التي رأيته فيها غاضبا.. كان السبب الحملة التي شنتها جريدة (معاريف) الاسرائيلية على (رأفت الهجان) أو (رفعت الجمال) بعد أن تحولت قصة اختراقه لسلطة صنع القرار في اسرائيل لمدة 25 سنة مسلسلا تليفزيونيا جن به الناس.. وحرك فيهم مشاعر الزهو والكبرياء والوطنية التي تصور (هواة) التطبيع مع العدو أنها أصيبت بالشلل. ادعت (معاريف) أن رأفت الهجان الذي جاء اسرائيل في عام 1955 باسم جاك بيتون قد قبض عليه في ليلة ممطرة وهو في الفراش مع امرأة صغيرة في بيته في شمال تل أبيب.. وتحت وطأة التعذيب اعترف بكل شئ.. قال أنه ولد عام 1927 في القاهرة.. أسرته مسلمة.. متدينة.. وعندما أنهي دراسته الثانوية التحق بمدرسة البوليس لكنه لم يكمل دراسته فيها.. ثم عمل في مهن مختلفة.. منها (جرسون) في مقهى يملكه والده.. وهناك جندته المخابرات السرية لينقل أخبار اليهود المصريين الذين يترددون على المقهى.. وأخيرا قرروا ارساله الى اسرائيل بهوية مزورة وشخصية مختلفة.. وسافر الى روما.. ومن هناك الى حيفا.. ومنها الى تل أبيب.. لكن.. بعد القبض عليه تعاون مع الموساد.. وبدأ استغلاله عميلا مزدوجا بين مصر واسرائيل.. وكان يحصل على المال من الطرفين وينفقه على اللهو والنساء. لم يحتمل محمد نسيم هذه الرواية التي روجتها الصحيفة العبرية الشهيرة.. لم ينم يوم قرأها.. فقد شعر إن كرامته قد جرحت.. وكان رده الذي نشرته على لسانه وقتها.. أنه لو كانت هذه الرواية حقيقية لكشفت عنها اسرائيل في الوقت المناسب.. أو على الأقل كانت قد كشفتها بعد هزيمة يونيو 1967 والمؤكد أن إسرائيل لم تعرف بقصة البطل المصري رفيع المستوى إلا بعد أن أذاعتها المخابرات المصرية نفسها.. ولو كان الهجان عميلا مزدوجا فلماذا ظل في اسرائيل؟.. لماذا لم ينتقل للاقامة في مصر أو في أي دولة عربية؟.. كيف يكون عميلا للموساد ويظل في اسرائيل؟.. إنها أسئلة تحدى محمد نسيم المخابرات الاسرائيلية أن تجيب عنها.. ولم تقبل المخابرات الاسرائيلية التحدي المنشور علنا. واستطرد محمد نسيم: ثم أنها ليست عادة الموساد.. هذا الانتظار الطويل قبل الكشف عن العملاء المزدوجين.. والدليل على ذلك قصة الجاسوس المصري (كيفوركي يعقوبيان) الذي كشفوه في الستينيات وحولوه الى مهرجان دعائي صاخب ونشروا عنه كتابا بعنوان (الذئب الوحيد) .. كان كيفوركي مصريا أرمينيا تم تجهيزه لمدة سنة ونصف السنة وعرف باسم زكي سليم كيتشوك.. وقد أحب فتاة اسرائيلية شقيقها ضابط في الأمن.. وكانت هذه هي نقطة ضعفه.. وبعد عام ضيقوا عليه الخناق.. وبعد التحقيقات سارعوا بنشر التحقيقات.. وأغروه بالعيش في اسرائيل مقابل أن يكون جاسوسا لهم. والمقصود.. أن اسرائيل لا تتأخر في كشف العملاء المزدوجين.. أو العملاء الذين يسقطون في شباكها.. وقد كان الهجان في اسرائيل قبل كشف قضية كيفوركي بسنوات طوال فلماذا لم تعلن قصته وتكشفه.. كذلك فإن اسرائيل تفضل كشف العملاء عن استعمالهم على الوجهين.. إن اسرائيل لاتحتمل الهزيمة.. وقد كانت قضية الهجان هزيمة.. وفضيحة.. وكارثة زادت بعد أن كشفت مصر القضية.. ولو كانوا قد جندوا الهجان وحققوا معه فلماذا لم يذيعوا على العالم ذلك.. ليحسموا الأمر؟ كا ن محمد نسيم يتكلم بحماس وهو يدافع عن رأفت الهجان وكأنه يدافع عن ابنه أو يدافع عن نفسه.. إن علاقة ما غريبة تربط بين الجاسوس وضابط تدريبه وتشغيله.. لقد قابل الهجان أول مرة في روما لإعادة تقييمه بعد أن تضاربت الأقوال حوله.. وكان قراره أن يستمر.. ولكن بعد التدر يب على جهاز ارسال لاسلكي.. وعندما رفض الهجان هدده محمد نسيم بأنه سيقتله ويدفنه في الفيلا التي التقيا فيها.. وكان مقررا أن يستمر الهجان في اسرائيل خمس سنوات فقط.. لكنه بقي فيها أكثر من 20 سنة.. وهو ما جعل اسرائيل تكف عن ترديد عبارتها الشهيرة: (إن لديها أقوى جهاز مخابرات في العالم) .. فقد تحولت العبارة القوية التي تنم عن الثقة والشراسة الى نكتة ساخرة. وقابلت محمد نسيم بعد ذلك صدفة في الأقصر.. كان قد ترك المخابرات وتحول الى السياحة.. كان القمر يلقي بخيوطه الفضية على سطح النيل الذي ضاق قليلا ليمنح الفرصة لجبال البر الغربي ورماله وحقوله الخضراء للكشف عن مشهد ساحر يندر وجوده في مكان آخر.. وخطر ببالي أن أسأله سؤالا لا أتصور أنه توقعه.. هل فكرت يوما في أن تكتب شعرا؟.. هل في تاريخ المخابرات في العالم من كتب رسالة غرامية أو قصيدة عاطفية؟.. وابتسم.. وأخذ صوته نبرته المميزة وقال: لا أعتقد.. إننا ندرب على لمس أصغر الأشياء حتى الذرات.. ولو حلقنا في فضاء الخيال والشعر تحولنا الى وهم ودخان وعصافير يسهل اصطيادها.. ولكن ذات مرة بعد أن تركت الخدمة كنت مسافرا.. وتوقفت عند كشك بيع الصحف والكتب في المطار.. ووجدتني أمد يدي وأشتري ديوان شعر لنزار قباني لفت نظري عنوانه.. (أعلنت عليك الحب) لقد عشت طوال عمري وأنا أعر ف عبارة إعلان الحرب.. فها هي في الدنيا إعلان آخر مختلف.. إعلان الحب.. ولم أصدق أن في الدنيا كلمات عذبة بهذه الروعة.. وشعرت في تلك اللحظة أن كثيرا من متع الحياة لم نتذوقها. . الشعر.. المتاحف.. الرواية.. السينما.. الموسيقى.. الطرب.. بل اننا لم نمارس متعة الاسترخاء والتسكع والجلوس في الشمس على المقاهي. لم يكن في العمر وقت ليعيد محمد نسيم صياغة حياته من جديد.. النسيج لم يعد يقبل خيوطا جديدة.. والشخصية لم تعد قادرة على تهجية حروف أبجدية جديدة.. ولكن.. يبقى للشخصية سحرها الخاص.. وجرأتها المتميزة.. وهي صفات قد لاتتوافر في بعض المثقفين.. وبعض الذين نصفهم بالمبدعين.. لقد أجمع كل من عرفوا محمد نسيم على أنه (رجل) بمعنى الكلمة.. يتحمل المسئولية.. ولايتخلى عن مساعديه حتى لو كلفه الموقف حياته.. يمكن أن يموت في سبيلهم.. في سبيل أن لا يصفه أحد بالنذالة ولو لم يسمع الوصف بأذنيه.. ثم أنه كان سترا وغطاء على كل ما عرفه بحكم عمله.. فقد عاش محترفا للصمت.. ومات مكفنا به.. ثم إنه لايعرف المستحيل.. لو قبل مهمة فلابد أن تنفذ.. وقد كان ذلك يشعره بالاكتفاء والامتلاء. لقد ظل أكثر الناس قربا له والتصاقا به لايعرفون دوره في تدريب المعارضين لشاه ايران في ضاحية أنشاص في سنوات حكم عبدالناصر تنفيذا لطلب من الامام الخميني.. لم يعرف أحد ذلك لمدة تزيد على 30 سنة حتى كشفه الوزير في رئاسة الجمهورية فتحي الديب في كتابه المفاجأة (عبدالناصر وثورة إيران) .. وقد قال لي فتحي الديب: إنك كلما حفرت في التربة الوطنية وجدت أثرا له قيمة يشير لمحمد نسيم.. فما نعرفه عنه أقل بكثير مما فعل.. لكنه قدره وقدر كل الذين احترفوا الخفاء والظل والكتمان والسرية.. نعرف أعمالهم ولا نعرفهم.. نشعر بهم ونطمئن لوجودهم ولا نراهم. لكن.. أهم عمل نعرف أن محمد نسيم قام به هو تدمير الحفار (كيتينج) أو الجزيرة العائمة الذي أستأجرته اسرائيل للتنقيب عن البترول في خليج السويس.. وقد عرفت من محمد نسيم أن جمال عبدالناصر لجأ لبعض حكام العالم من أصدقائه وعلى رأسهم كان الرئيس اليوغسلافي جوزيف بروس تيتو للضغط على اسرائيل للتراجع عن فكرة الحفار..
ولكن اسرائيل أصرت.. وركبها الغرور والعناد.. بل إنها كونت شركة متعددة الجنسيات من كنديين وبريطانيين وأمريكيين لتضاعف من صعوبة الأزمة.. وكانت المشكلة أن مصر لم تكن مستعدة لضرب الحفار بالطيران عند دخوله خليج السويس لأن معنى ذلك التورط في حرب لم تكن مستعدة لها في وقت كانت فيه تعيد تنظيم قواتها المسلحة بعدما جرى في هزيمة يونيو عام 1967 فكان لابد من تدميره بعيدا عن المنطقة الملتهبة والجاهزة للاشتعال. وتلقى محمد نسيم أمرا مباشرا من جمال عبدالناصر.. لقد استقبله في شرفة ملحقة بغرفة نومه.. وكان بالروب والبيجاما وسأله الأسئلة التقليدية المعتادة عن صحته وأولاده.. ولم يقل محمد نسيم أن ولديه هشاما وفؤادا مصابان بالحصبة.. وإنما أجاب الاجابة التقليدية: (الحمد لله يافندم) .. وبعد أن انتهى من الشاي.. ووصل الى الباب.. قال له جمال عبدالناصر كلمة واحدة.. (الحفار يانسيم) .. فرد نسيم: (حاضر يافندم) .. وعندما نفذت العملية.. وتوالت التفجيرات أرسل برقية من أبيدجان بالشفرة تقول: (مبروك الحاج) .. عرفت قيادته في القاهرة أن عملية الحفار أو الحاج قد تمت بنجاح.. ورد عليه أمين هويدي الذي كان قد أصبح مسئولا عن المخابرات العامة بعد غروب شمس صلاح نصر ببرقية أخرى تقول: (الأولاد بخير وبيسلموا عليك) .. ولم تكن البرقية هذه المرة بالشفرة.. كانت برقية حقيقية.. فقد شفي ولداه من المرض الذي تركهما عليه.. وقد سألته ذات مرة: ألا تشعر بالخوف وأنت معرض للكشف والخطر في أي لحظة.. واعترف أنني احترمت إجابته.. احترمت ما بها من انسانية.. قال: كل انسان يخاف.. ولا تصدقني لو قلت لك غير ذلك.. الخوف شعور انساني طبيعي.. ما نرفضه هو الجبن.. فالجبن يجعلك لاتجيد التصرف في المواقف الخطرة وأنت على الحافة.. أما الخوف فيدفعك للحرص والحذر.. والأمنية الوحيدة التي لم يحققها محمد نسيم هي أن يتقاعد ويزرع قطعة الأرض التي اشتراها في الريف.. لقد ظل مثل جواد أصيل.. وأصر على أن يموت واقفا.. أصر على أن يختار اختيارا حاسما.. الحياة بالكامل.. أو الرحيل في عربة الموت الخاطفة.. الباردة.. المؤلمة.
رحمك الله يانسيم