في كل دول العالم تلعب منظمات المجتمع المدني‏,‏ خاصة الجمعيات الأهلية دورا مهما في احداث التنمية المنشودة‏,‏ وليس بالضرورة أن تكون هذه الجميعات في صف معارض للحكومات‏,‏ لكن في كثير من الأحيان تقف معها في نفس الخندق‏,‏ لتحقيق نفس الأهداف‏.‏

وفي سبيل تحقيق ذلك أخذت الجمعية المصرية الدولية لمكافحة الادمان علي عاتقها الجهاد في هذا الخندق‏,‏ ابتعدت بجهودها عن المظاهر الكاذبة‏,‏ ولم تسع إلي أي ضجيج وصخب إعلامي‏,‏ وتركت انجازاتها تتحدث عن نفسها‏,‏ بينما سلك فريق آخر من الجمعيات طريق السياسة‏,‏ دفاعا عن حقوق الإنسان تارة واخري‏..‏ وعلي الرغم من أننا لا ننكر ما تقوم به هذه الجمعيات من جهود إلا أنها ينطبق عليها المثل الصيني القائل‏:‏ إذا كنت لا تملك في يدك سوي المطرقة‏,‏ فكل ما أمامك رءوس للمسامير‏,‏ وهكذا لا تملك هذه الجمعيات سوي مطرقة حقوق الإنسان في يدها‏,‏ بينما لو أمعن مسئولوها النظر قليلا لوجدوا سبلا اخري للإصلاح والنهوض قد لا تقل أهمية عما يقومون به وتستحق الطرق عليها‏.‏

من هذه القضايا التي تستحق اهتمام عديد من الجمعيات مواجهة الادمان‏,‏ هذا الغول الذي ينهش أحشاء الوطن‏,‏ وهو ما واجهته الجمعية المصرية الدولية لمكافحة الادمان باسلحة كثيرة‏.‏

فمنذ أيام نظمت الجمعية دورة تدريبية شارك فيها‏220‏ اخصائيا اجتماعيا ونفسيا واخصائية بادارة مصر الجديدة التعليمية تم فيها التعرف علي كيفية اكتشاف المدمن خاصة بين طلاب المدارس وعلامات الادمان ونوعية التحاليل التي تبين أنواع المواد المخدرة التي أقبل المدمن عليها بالاضافة إلي كيفية تعامل كل من المدرسة والأسرة مع المدمن‏.‏

‏38‏ علامة
‏38‏ علامة من علامات الادمان في حالة توافرها سيصبح الطالب مدمنا بنسبة‏100%‏ هكذا يشرح هشام عباس‏,‏ رئيس مجلس إدارة الجمعية مؤكدا أن من أهم هذه العلامات‏:‏ احمرار العينين بسبب تمدد الأوعية الدموية من شرب المخدرات وشحوب الوجه والعرق والرعشة في الاطراف وبطء الكلام والهرش خاصة للمتعاطين عن طريق الاستنشاق‏.‏

ويضيف عباس‏:‏ هناك ايضا من العلامات المهمة انخفاض ضغط الدم وسرعة دقات القلب وركزنا علي هاتين العلامتين لاطباء المدارس بحيث يجب أن يكون هناك ملف لكل طالب بالمدرسة به قياسات ضغط الدم‏,‏ ودقات القلب لأنهما علامتان مهمتان في اكتشاف الطالب المدمن‏.‏

من بين العلامات ايضا فقدان الشهية‏,‏ الامساك‏,‏ والرغبة المستمرة في تناول الحلوي‏,‏ بسبب نقص السكر في الدم‏,‏ وأوضحنا للاخصائيين ـ يضيف هشام عباس ـ ضرورة أن يكون لهم عين في كانتين المدرسة‏,‏ فاستهلاك الطالب بشكل غير عادي للعصائر والمياه الغازية قد يكون علامة علي أنه مدمن لأن المخدر يحرق السكر الموجود في الدم فيسعي المدمن إلي تعويضه‏,‏ وفي عام‏2007/2006‏ وجدنا ارتفاعا ملحوظا في استهلاك المصريين من الحلاوة الطحينية‏,‏ وقد تم عمل دراسة علي‏100‏ مدمن فتبين أن‏96‏ منهم يستهلكون علبة حلاوة طحينية يوميا وهذه الملاحظة اكتشفناها عن طريق الشكاوي المستمرة من أولياء الأمور علي الخطوط الساخنة للجمعية‏.‏ اوقات الخروج والدخول للمنزل والهروب من المدرسة خاصة في الحصة الأخيرة قد يكون علامة ايضا علي ادمان الطالب‏,‏ بالاضافة إلي التجمع مع اصدقاء السوء وتجنب الطلاب المتفوقين وارتداء الملابس غير المحترمة وارتداء السلاسل والاحذية المعدنية كبيرة الحجم وتربية الشعر أو حلقه بطريقة غريبة‏..‏ كل هذه مظاهر يحذر منها هشام عباس ويطالب الاخصائيين الاجتماعيين والنفسيين برصدها ومتابعتها‏.‏

من علامات الطالب المدمن أن يشعر بالسعادة عند حضور مناسبة تقدم فيها مواد الادمان أو مكان يوجد به الغموس كما يسمونها في لغتهم‏,‏ والمدمن بطبعه كذاب ويعتاد السرقة ولذلك فعندما تكون هناك سرقة في المدرسة أو المنزل دون أي مظاهر سطو فمعناه أن هناك مدمنا بيننا‏.‏ فالمدمن يبدأ بسرقة النقود ثم الاشياء صغيرة الحجم كالذهب والساعات ثم يبدأ في سرقة أي شيء‏,‏ الأكبر فالأكبر‏.‏

وهناك قاعدة مؤكدة يشير إليها رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية الدولية لمكافحة الادمان‏,‏ وهي أن كل الشباب المدمنين مدخنون وينبه أولياء الأمور إلي أن هناك رموزا لمواعيد معينة‏,‏ في مذكرات الطالب‏,‏ أو كتبه‏,‏ وكشاكيله‏,‏ قد تكون بيانا‏,‏ أو اسم ورقم تليفون تاجر مخدرات‏,‏ ولذلك يجب أن يستفسر أولياء الأمور عن هذه الرموز من أبنائهم‏.‏

تهديد وممارسة العنف ضد الأبوين‏,‏ والإخوة‏,‏ والمدرسين‏,‏ هو الآخر إحدي علامات إدمان الطالب‏,‏ بالإضافة إلي التحول في الحالة المزاجية‏,‏ ساعة ضحك‏,‏ وأخري نكد وكذا كثرة الكلام‏,‏ أو الصمت المطلق‏,‏ وينبه هشام عباس إلي أن كثرة وقوع الحوادث أثناء قيادة السيارات‏,‏ أو الدراجات البخارية يدل علي أن سائقها مدمن‏,‏ فأبطال حوادث عام‏2007/2006,‏ معظمهم من المدمنين‏,‏ وهذا ما أثبتته الاحصائيات‏.‏

البيئة الادمانية التي يعيش فيها الطالب ستظهر علي لسانه‏,‏ وفي ألفاظه‏,‏ حيث ستلاحظ الأسرة ألفاظا غريبة‏,‏ وجديدة لم يعتد عليها ابنها‏,‏ وكذلك الانغماس في مجتمعات الموسيقي الصاخبة‏,‏ والبحث عن أفلام الجنس‏,‏ بالنسبة للذكور‏,‏ بينما الفتيات يبحثن عن وسائل منع الحمل‏,‏ وأيضا انحدار المستوي التعليمي بشكل حاد‏,‏ وكذا المستوي الثقافي‏,‏ يعد أحد الأدلة علي ادمان الطالب‏.‏

أفضل التحاليل
إذا توافرت العلامات السابقة‏,‏ في أي طالب فهو مدمن مائة بالمائة‏,‏ أماإذا توافرت بنسبة‏75%,‏ فهو مدمن بنسبة‏90%,‏ وإذا كانت أقل من‏50%‏ يكون هناك شك‏,‏ والفيصل هنا هو التحليل‏,‏ حيث يري رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية الدولية لمكافحة الإدمان‏,‏ أن أفضل أنواع تحاليل الادمان علي الاطلاق‏,‏ علي المستوي العالمي‏,‏ هو التحليل عن طريق اللعاب‏,‏ ولكنه ليس موجودا في مصر‏,‏ فيوجد تحليل الدم‏,‏ أو تحليل البول‏,‏ وينصح بالابتعاد كلية عن تحليل البول‏,‏ لأن المدمن غالبا ما يتدخل في اللعب في هذه العينة‏,‏ بإضافة مياه عليها‏,‏ وعند التصميم علي تحليل البول‏,‏ يجب مراقبة المدمن حتي لا يتدخل في العينة‏,‏ وأن يتم التحليل في معملين مختلفين‏,‏ أو الاتصال بالجمعية‏,‏ التي ستقوم بتخصيص يوم للقطاع الطلابي‏,‏ وهو يوم السبت‏,‏ وسيتم الحكم من خلالها إذا كان الطالب مدمنا أم لا‏,‏ وستقدم هذه الخدمة مجانا‏,‏ لخدمة الأسر التي لا تستطيع تحمل نفقات عمل التحاليل‏.‏

..‏ ولكن ماذا بعد أن نكتشف أن في المدرسة طالبا مدمنا؟‏..‏ يجيب هشام عباس‏:‏ علي الإخصائي الاجتماعي أولا‏,‏ أن يكتب مذكرة لمدير المدرسة يشرح له فيها العلامات التي اكتشفها‏,‏ وتدل علي إدمان الطالب‏,‏ ومظاهر تأييده لذلك سواء من البيانات التي حصل عليها من مدرس الفصل‏,‏ أو الطلاب زملاء المدمن‏,‏ ويتم إرسال هذه البيانات إلي المسئول الأعلي فالأعلي‏,‏ ليكون عندنا إحصائيات بعدد هؤلاء الطلاب‏,‏ ثم يصدر قرار بإبعاد الطالب المدمن عن المدرسة‏,‏ حتي يتم شفاؤه‏,‏ لكي لا يعدي غيره‏,‏ فكل مدمن في المدرسة‏,‏ إذا تركناه سيولد عشرة مدمنين‏.‏

ويضيف عباس‏:‏ أوضحنا للإخصائيين أنه إذا أراد المدير التستر علي الطالب المدمن‏,‏ فعليهم أن يبلغونا في الجمعية فورا‏,‏ وسنقوم باللازم‏,‏ سواء بإبلاغ الأسرة‏,‏ أو المسئولين‏,‏ فتبليغ أسرة الطالب المدمن‏,‏ يتم بوسائل معينة‏,‏ أولاها أن يقوم الاخصائي باستدعاء الأسرة ويبلغهم بالعلامات التي ظهرت علي ابنهم‏,‏ بعد أن يستفسر منهم عن سلوكه في المنزل‏,‏ ويتم توصيل المعلومة بطريقة غير مباشرة‏,‏ ليستنبط من خلالها ولي الأمر حالة ابنه‏,‏ يتم هذا في الاسبوع الأول‏,‏ وفي الاسبوع الثاني يخبرهم أن ابنهم وقع في التدخين‏,‏ وفي الاسبوع الثالث يكشف لهم عن شكه في أن الطالب وقع في دائرة الادمان‏,‏ وعليهم عمل التحاليل لإثبات ذلك‏,‏ وفي حالة رفض الأسرة علي الاخصائي إبلاغ الجمعية‏,‏ لتقوم بدورها‏.‏
موضة جديدة‏!‏
ولأن الجمعية بينها اتصال مباشر بين المدمنين عبر الخط الساخن‏,‏ فهي علي علم بأحدث وسائل المدمنين‏,‏ حيث يؤكد هشام عباس أن مرحلة إدمان الصراصير‏,‏ والنمل‏,‏ ولت‏,‏ وجاء الآن إدمان روث الحيوانات للأسف الشديد‏,‏ حيث يقوم المدمن بتنشيفه‏,‏ ووضعه في صفيحة ثم حرقه‏,‏ واستنشاقه‏,‏ وهناك من يقومون بذلك بطريقة جماعية‏,‏ هذا بالإضافة إلي إدمان قشر الباذنجان‏,‏ والفحم‏,‏ والطباشير‏,‏ والمونكير‏,‏ والأسيتون‏..‏ فكل يوم يفكر المدمن في الجديد‏,‏ واليوم عاد مخدر الفلاحين مرة أخري‏,‏ وهو التاتورة‏,‏ حيث بدأت تنتشر علي الترع والمصارف‏,‏ وأصبحت هي بانجو الفلاحين‏!‏

الجمعية تستقبل عبر خطوطها الساخنة يوميا من‏22‏ ـ‏35‏ مكالمة‏,‏ وهناك تنسيق مع وزارة الداخلية‏,‏ وهناك جزء سري وعلني في العلاج‏,‏ هذا ما أكده هشام عباس‏,‏ مشيرا إلي أن العلاج في المنزل يتطلب وجود عنصر قوة بالبيت‏,‏ أب أو أخ أو عم قوي‏,‏ لكي يردع المدمن‏,‏ ونفكر حاليا بأن تكون هناك شركات أمن تتولي هذه المهمة‏,‏ وعند فشل العلاج في المنزل يتم إرسال المريض إلي دار الصحة النفسية بالخانكة‏,‏ وللأسف لا توجد دراسات أو بعثات للخارج لهذه المستشفيات للاطلاع علي أحدث طرق علاج الإدمان‏,‏ فالإدمان في مصر مجهول الهوية‏,‏ ويدخل تحت بند الأمراض النفسية‏,‏ والعقلية‏,‏ وبالتالي يجب أن يكون هناك كود خاص لمرضي الإدمان‏,‏ وهناك مشكلة أخري‏,‏ وهي أن المستشفيات الحكومية ترفض دخول الأطفال المدمنين للعلاج بها‏,‏ لأن اللوائح لا تقبل سوي بمن هو فوق‏21‏ سنة‏,‏ ومن ثم يجب تغيير هذه اللوائح‏,‏ ويتم عمل أقسام لعلاج أقل من‏21‏ سنة من الإدمان‏,‏ وكذلك المرأة التي لا يوجد لها سرير في أقسام علاج الإدمان‏,‏ ويتم إدخالها تحت بند الأمراض النفسية والعصبية أو بالمستشفيات الخاصة‏.‏

لم نكن نعرفها‏!!‏
لم نكن نعرف هذه العلامات التي تلقيناها في التدريب‏,‏ لتمييز الطالب المدمن‏,‏ هكذا تحدثت كاترين مرجان الاخصائية الاجتماعية بمدرسة مصر الجديدة الثانوية بنات‏,‏ مشيرة إلي أن الدورة فتحت عقول كل من حضرها علي هذه القضية المهمة‏,‏ فالكلام واقعي‏,‏ والأمثلة حقيقية‏.‏

وتضيف كاترين‏:‏ سبق أن عملت في إحدي المدارس‏,‏ وواجهت إحدي الطالبات المدمنات‏,‏ وكان السبب الرئيسي في ذلك هو التفكك الأسري‏,‏ فأهلها حتي لو علموا بإدمانها فلن تفرق كثيرا بالنسبة لهم‏,‏ وقد لاحظنا علامات غريبة علي هذه البنت كخروجها المستمر في وقت معين‏,‏ وعند تفتيش حقائبها عثرنا علي المخدرات‏,‏ بالإضافة إلي بعض المخلفات التي كانت تتركها في الحمام‏,‏ وأكدت إدمانها‏,‏ وقالت كاترين إنها وزملاءها سيقومون بتطبيق ما تعلموه‏,‏ ولكن يجب علي المسئولين أن يعطوا قدرا أكبر من الاهتمام للاخصائيين‏,‏ فمهمتهم كبيرة‏.‏

أسمهان صدقي‏,‏ اخصائية بإدارة مصر الجديدة التعليمية‏,‏ أكدت أنها لأول مرة تسمع عن الـ‏38‏ علامة للطالب المدمن‏,‏ واستفادت كثيرا من هذه المعلومات‏,‏ بالإضافة إلي كيفية التعامل مع المدمن‏,‏ ووسائل إبلاغ أسرته‏,‏ مشيرة إلي أن الاخصائيات يقمن بعمل وجهد كبير‏,‏ حيث نتابع الطالبات‏,‏ ونراقب تصرفاتهن‏,‏ وتفتيش الحمامات‏,‏ وكتب الطالبات‏,‏ فيجب ألا تكون هناك سلبية في التعامل مع هذه القضية الخطيرة‏.‏ وتطالب أسمهان بأن تكون هناك جمعيات كثيرة تهتم بهذه القضية‏,‏ وأن ينتقل نشاطها إلي المحافظات‏,‏ حيث تنتشر الأمية أكثر‏,‏ لكي تعلم أولياء الأمور هناك كيفية اكتشاف المدمن‏!..‏ فهل يستجيب القائمون علي الجمعيات الأهلية لهذه المطالب ؟‏!.‏

المصدر : جريدة الأهرام - هاني يونس‏