تربة الفراق
كانت دقات الساعة تتسابق بخطى مسرعة ...

وكانت الشعلة الضعيفة لتلك الشمعة البيضاء تتراقص علي ألحان الرياح الباردة التي اقتحمت الغرفة من نافذتها الخشبية لترسم جواً مخيفاً.. صامتاً .. وكأن شبحاً يحوم بيننا في تلك اللحظة ..
أما هي..
فقد كان جسدها الصغير المتعب ملقى علي السرير .. بعد أن أذبله الألم وأرهقته العلاجات والحقن ..
بقيت صامته هادئة تنتظر من القدر أن يحكم عليها بأحد أحكامه .. وعيناها لا تقدر علي اختطاف نظر إلي الوجود..
كنت أجلس علي الأرض بجوار سريرها بينما ظل الطبيب واقفاً بجسمه الضخم في الجهة الأخرى .. بصورة يبدو بأن جميع ما يمكن أن يفعله أو أن يقوله ,, قد نفذ ,,
أخذت أراقبها بصمت وأتأمل ذلك الوجه البريء الذي غزاه المرض وأغرقته الصفرة أخذت أراقب عينيها المغمضتين وشفتيها الذابلتين فباغتني صوتها قبل المرض .. حين كان وجهها يشع بياضاً وعيناها تبثان نوراً لا يمكن إخماده ذلك النور الذي يتلذذ المرء برؤيته في عيني فتاة في السادسة من عمرها .. حين كانت شفتاها الورديتان ترقصان لترسلا أجمل وأبرأ ابتسامه عرفها الوجود..
أما الآن فلست اقرأ في وجهها سوى .. ( الذبول) ..
اقتربت منها ببطء وهمست في أذنها" ستكونين بخير.." زحفت يدها نحوى بتثاقل فاشتملتها بسرعة بكلتا يدي وقلت مرة أخرى( ستكونين بخير يا ابنتي .. ' كوني واثقة') وابتسمت لها ابتسامة هادئة بالرغم من أنها لم تفتح عينيها وأخذت أقبل يدها الصغيرة بحنان
كان الطبيب يراقبني بصمت دون أن تظهر عليه إحدى علامات التأثر وكأنه اعتاد علي مثل هذه المواقف
فــجــــــــأة
أخذ جسدها يرتعش وصوت ضعيف لأنات مدفونة بدأ في الظهور خفق قلبي بشدة .. ونظرت إلي الطبيب أطلب منه المساعدة.. فانحنى نحوها بهدوء وألقى عليها نظرة فاحصة .. خاليهة من الحنان ثم عاد ليعتدل في وقفته ونظر إلي مباشرة وقال : لا..... أمل !!!!!
لم أعر ما قاله الطبيب أي اهتمام ..
فانحنيت نحوها وسألتها :
(حبيبتي: هل تشعرين بالبرد ..؟؟)
وانطلقت بلا تردد نحو النافذة وأغلقتها .. فوقعت عيناي في عيني الطبيب الذي ضم يديه ببعضهما .. لكني تجاهلت نظرته وما كتب فيـهـا.. وعدت إلي وضعي السابق وأمسكت بيدها من جديد..
( لن تشعري بالبرد مرة أخرى يا حياتي..)
لكن جسمها لم يهدأ, واخذ العرق يتصبب من جبهتها بلا توقف مرت لحظات غير قليلة وهي على حالها بعد ذلك هدأت الرعشة قليلاً إلا أن صفرة وجهها قد زادت..
سألتها وأنا أمسح وجهها برفق..
)هل أنشد لك أنشودة ابنتي ..؟!
وكانت هذه أنشودة بسيطة يرددها الصغار..
لكني كنت أناغيها بها منذ أن ولدت..فضغطت علي يدي ضغطة ضعيفة ..إشارة إلي رغبتها بسماعها فقد كانت تحب هذه الأنشودة كثيراً .. اقتربت منها وبدأت اهمس:
يا وردة الصباح .. قبلي ابنتي
وداعبيها بلطف .. دون أن تجرحي
يا إله السماء .. احرس لي ابنتي
واحمها من كل شر .. ووفق زهرتي
يا سحابة السماء... راقبي ابنتي
أعلميني إن أخطأت ... فستنالها ضربتي
رسمت ابتسامة بسيطة عندما سمعت هذا المقطع .. وبدا عليها أنها تذكرت خوفها من السحابة.. فبسبب هذه الأنشودة ظنت دائماً بأن هذه السحابة هي التي تشي بها عند أمها ..
فانطلقت مني حين رأيت ابتسامتها الذابلة دموع المرارة حتى كادت تقفل مخارج حروفي وتلجم لساني .. لكنى تمالكت, وشهقت بسرعة لأكمل :
يا نجوم الكون.... اخبروا ابنتي ..
أني بروحي أفديها .. في اليوم وفي الغد..
هنا تسللت دمعتان من عينيها المغمضتين .. فأمسكت بفمي محاولة أن أكتم صرخة عالية .. صرخة من صدر أم تتألم.. فسألتها
(أتعلمين كم أحبك؟؟)
اتسعت ابتسامتها وسط دموعها ..
وبعد لحظة قصيرة ..
عاد جسمها يرتعش بقوة .. وأخذت أناتها ترتفع, وبدأ العرق يتصبب من جبهتها بغزارة .. فنظرت إلي الطبيب نظرة مستنجدة.. خائفة.. لكنه لم يتحرك.. خفق قلبي بشدة كأنه يعلن رفضه للواقع بتلك الضربات العنيفة وأخذت أدور في الغرفة كالمجنونة أبحث عن شيء يساعدها .. شيء ينقذها
ثم ركضت نحوها مسرعة كأني أتدارك الوقت وقلت لها (اصمدي حبيبتي .. عليك أن تصمدي لن يصيبك مكروه ..)
لكن لم يبدو أنها تمكنت من سماعي وسط أناتها المدوية
لحظات .....
وأطلقت من صدرها أنة عـــــالية ضربت أرجاء الغرفة .. وشهقت بقوة .. أطلقت بعدها ..
أنـفـــاســهــا الأخـــــــــــــــيــرة ..........................
رحـلــــت ؟؟؟؟؟
لا إنها نائمة فقط .. نعم ... هذا أكيد .. لا يمكن أن ترحل ..
سألت الطبيب والدموع تنهال من عيني
)إنها نائمة ..أليس كذلك ؟؟(..
تفحصني بنظرة مشفقة .. وأمسك بالغطاء الذي ارتمى فوق جسدها ليسدله فوق وجهها ..
نهرته بصوت عال ..
لماذا تفعل ذلك؟ كيف ستتمكن ابنتي من التنفس ؟؟
فقال لي بصوت حازم فيه القليل من العزاء ..
(سيدتي....... لقد رحلت ........)
............
رحلت ؟
كيف رحلت ؟؟؟
كيف تركتني في هذا العالم بدونها ؟؟؟..........
كيف رحلت ؟؟
ومازلت أشعر بأنفاسها تحوم من حولي ؟؟
ورائحة جسدها الندية لم تفارق بعد ثيابها ...
كيف رحلت ؟؟؟
وأركان المنزل تنطق بوجودها ..
والأجواء مازلت ترويني بألحانها ...
كيف رحلت ؟؟
وكل ما في الوجود يصرخ باسمها ..
كيف رحلت .. ومازلت أسمع صوتها يتقاذف مرحأً بين الأشجار ..
كيف رحلت ؟؟
مازلت أسمع بكاءها يعلو في الخارج وأقول غاردينيا "حشرة .. أخافتها .." ومازلت دموعها متناثرة في زوايا حجرتها .. ومازلت أرى اسمها مكتوباً بخطها المبتدئ .. علي أوراق تناثرت فوق مكتبها ..
كيف رحلت ؟؟
ومازالت سكاكرها المفضلة .. داخل أدرجها ..
فكيف ؟؟ .....كيف يقول رحلت ؟؟
غــــاردينيا يا لحنَ أنشودةٍ
تردّدها في المساءِ الرعاةْ
ويا جملةً في كتابِ الأسى
بكسرِ المنى أعربَتْها النحاةْ
تعطّل صوتي حداداً على
فراقكَ وانشلّ صوتُ النعاةْ
وراحتْ خيولُ الأسى داخلي
تحومُ على القلبِ بالولولاتْ

يا لحناً ضرب أوتار القلوب ..... لا تـــــــــــــرحـلـي .....
يا حباً روى روحي القاسية بالحنان ..... لا تـــــــــــــرحـلـي .....
يا شعلة أمل أضاءت ظلام وحدتي ..... لا تـــــــــــــرحـلـي .....

أناديكِ حتى ارتداد الصدى
بسمعي وحتى احتراقِ النداءْ

وهبتُكِ عمري لو انّ الردى
يقايضُ عُمراً ويرضَى القضاءْ

فأيُّ التعازي ستكفي لكي
تعبّرَ عمّا يكنُّ العزاءْ

وأيُّ الدموع ستكشفُ عن
حريقِ المآقي بليلِ البكاءْ

تفتَّحتِ توّاً على عالَمٍ
من الجدِّ يسخو : ثماراً .. عطاءْ

وما أنْ تكاملَ عقدُ المُنى
بعينيكِ حتّى اصطفاكِ الفَناءْ

فأعوامُكِ الزُهْرُ ما أكملَتْ
بلوغَ الأماني وصارتْ هباءْ !!

أعزِّي بفقدكِ نهرَ الضياءْ
تلوّى على صخرةٍ في المساءْ

وأطبقُ جفني على جمرةٍ
من القهر شبتْ لغيرِ انطفاءْ

فأرجــوك.

أرجــــوكِ ..... لا تـــرحـلـي ....
ولمرة واحدة ..لمرة أخيرة ..
اركضي نحوي بشقاوتك المعتادة ..
ضميني بعنف بيديك الملائكيتين.. وقبليني بحرارة ..
وقولي للمرة الأخيرة

< أحـبـــك يا مــامــا >

فصوتُكَ (ماما) إذا أشعلتْ
شفاهكَ أحيتْ عظامي الرفاتْ
قطارٌ من الهمِّ شقَّ الوريدَ
وأفزَعَ في داخلي الكائناتْ

للمرة الأخيرة
دعيني أقبل عينيك .. دعيني أناغيك .. دعيني أري ضحكتك الأخاذة ..

لكـن
لا تتركيني فريسة .. الضعف ..
لا تغرقيني في بحور.. المرارة ..
لا تحرقيني وسط جحيم .. رحيلك ..
لا تقتليني بنبال .... الفراق .....

رحلت
رحلت يا ابنتي .. بلا وداع ..
رحلت يا ابنتي .. وبقيت بدونك .. في الضياع ..
رحلت .. ورحل الأمل معك ..
ومات القلب ذليلاً

رحلت إلي تحت .. التراب ..

فهل سيخفق قلبي من جديد ؟؟
أم أنه قد دفن ... بتربة الفــراق .....

فما عادَ يغري سرورٌ وقدْ
أعدتُ إلى الله أغلى الهِبَاتْ