خدعوك فقالوا .. بمحض الصدفة !!

للكاتب الصحفي والمحلل السياسي العملاق محمد حسنين هيكل عبارة كتبها فى مقدمة كتابه الرهيب " بين الصحافة والسياسة " يقول فيها ,,
" إهداء إلى شباب اليوم كى لا يضيع منهم الحاضر لمجرد أنهم لم يكونوا معنا بالأمس "

والمقصود واضح بالطبع
من أن الغرق فى التغييب المتعمد لا سيما بالحقائق التاريخية والسياسية يسبب انتكاسة غير عادية لأجيال بأكملها لم تعرف معنى وجودها أو حضارتها أو أوطانها شيئا وبالتالى فقدت كل معنى للجدية والإلتزام
وهانت أيضا كل الثوابت
وكل هذا كان تحت تأثير الإعلام والسطوة المحترفة فى مجال الدعاية المضللة

من هذا المنطلق ,,
سيكون هذا الموضوع عبارة عن إشارات تلغرافية لأحداث ووقائع مشهور عنها أنها تمت بمحض الصدفة بينما هى فى الواقع تدبير محكم من أولها إلى آخرها ...

" 1 "
أعلنت إسرائيل عن اعتذارها وأسفها الشديد فى أكتوبر عام 1973 م قبيل المعركة الكبري بينها وبين العرب أنها لم تكن تقصد إسقاط الطائرة المدنية الليبية التى تعدت خطها الملاحى واخترقت المجال الجوى الإسرائيلي
فقام الدفاع الجوى بإسقاط الطائرة المدنية فى مخالفة عنيفة ووحشية لكل الأعراف والتقاليد الدولية
وكان مبرر إسرائيل أن الطائرة تم إسقاطها بالخطأ نتيجة للضباب وتوتر أجواء المنطقة فى ذلك الوقت
وأن الأمر لا يعدو كونه صدفة سيئة للطائرة الليبية

ومرت السنون وكشفت الوثائق المنشورة لقادة إسرائيل فى تلك الفترة عن أن الطائرة تم إسقاطها بأمر مباشر من مكتب رئيسة الوزراء ووزير الدفاع نتيجة لتوافر شكوك عن قيام الطائرة المدنية بعمل معادى إما باسقاط أحد ركابها لهدف عسكري وإما تفجيرها فى هدف إسرائيلي

" 2 "


تنتشر فى ثقافتنا المصرية حول الحقائق التاريخية للدولة الحديثة معلومة تم تدريسها أيضا فى مراحل التعليم المختلفة خاصة بحيثيات تولى محمد على باشا الحكم فى مصر ,,
حيث من المعروف أن أمر التولية تم بمحض الصدفة عندما جاء محمد على إلى مصر ضمن الجيش العثمانى المبعوث لمقاومة الفرنسيين فى مصر .. وبعد تفجر الحركة القومية التى كانت سببا مباشرا فى تدخل القيادات الشعبية فى شئون البلاد من علماء الأزهر
وقع الإعجاب بشخصية محمد على فى نفوس وقلوب زعماء الشعب برياسة عمر مكرم وبعد أن أدت الحركة القومية رسالتها ونزح الفرنسيون عن مصر وضع الزعماء ثقتهم فى محمد على باشا واختاروه حاكما لمصر تحت الرقابة الشعبية الممثلة منهم

غير أن الوثائق التى تم كشفها فيما بعد فى الدول الأوربية وأفرجت عنها السلطات أوضحت لنا أن هذه الصدفة التاريخية غير واقعية ولا علاقة لها بالأحداث

حيث أوضحت مذكرات القنصل الفرنسي بمصر فى ذلك الوقت " بافاروتى " أن محمد على أقبل إلى مصر منتهزا الفرصة التى بدت له فاتحة ذراعيها نتيجة لعجز الخلافة العثمانية إزاء القضية المصرية فتودد للخليفة العثمانى وجاء إلى مصر فى الجيش القادم لها من تركيا ومنذ اللحظة الأولى أخذ فى التدبير بصبر شديد مع سائر القوى الموجودة بمصر وهى الزعماء الشعبيون والفرنسيين والإنجليز والقيادة التركية فى الأستانة
ونجح فى إظهار نفسه بالصورة المثالية مع جنوده الألبان أمام الشعب عندما تدخل لتستقر الأوضاع ويمنع مفاسد الجنود الأرناؤد بالقاهرة فاختاره الزعماء لقيادة مصر ونجح التودد إلى الخليفة كذلك فى عدم معارضته للرغبة الشعبية
كما تمكن ـ وهو الأهم ـ من إستمالة القيادة الفرنسية وكسبها إلى صفه لتحقيق هدفه عن طريق رشوة القنصل الفرنسي ذى الأصل الإيطالى " بافاروتى " وكانت الرشوة عبارة عن وعد من محمد على لبافاروتى أن يطلق يده فى بعض الآثار المصرية وتم له بالفعل ما أراد وحمل بافاروتى كمية مهولة من الآثار المصرية عقب رحيله من مصر وعودته إلى مسقط رأسه بإيطاليا حيث تمكن من فتح متحف كامل بتلك الآثار

ولولا مذكرات بافاروتى ما تمكنا من كشف حقيقة تلك الصدفة المدبرة ,,