يقول الله تعالى : " ياأيها الذين آمنوا لايسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولانساءٌ من نساءٍ عسى أن يكن خيراً منهن ولاتلمزوا أنفسكم ولاتنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون "السخرية من أخلاق الكفار والمنافقين فلا يليق بمسلم أن يتخلق بأخلاقهم، فيسخر من إخوانه المسلمين، أو يلمزهم، أو ينابزهم بألقاب فيها تحقير لهم، وحط من شأنهم وقد نهاه الله تعالى عن ذلك، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:(المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى ها هنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)رواه مسلم.والسخرية من الناس تنم عن كبر في قلب صاحبها، وتعالٍ على من سخر بهم، فلا يرى لهم عليه حق التوقير والاحترام، ويأنف من أُخُوتهم وهم إخوانه في الدين، والكبر من كبائر الذنوب، وجاء في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) ثم فسر ـ عليه الصلاة والسلام ـ الكبر بأنه(بطر الحق وغمط الناس) وغمط الناس هو احتقارهم وازدراؤهم؛ وذلك يحصل من النظر إلى النفس بعين الكمال وإلى غيره بعين النقص.



سبحان الله العظيم ... الذي يرى حالنا لايكاد يصدق أن هذه آية في قرآننا نزلت علينا نحن المسلمين بكل ماتحمل من تحذير ونهي شديد عن هذه السلوكيات الذميمة ولا يكاد يصدق أننا نتلوها فلانتأملها وتطرق أسماعنا ولكن لانعيها بكل أسف. أقول لايكاد يصدق وهو يرى مانحن فيه من مخالفة صريحة لهذا النهي الإلهي فهاهم المسلمون يسخر بعضهم من بعض وينتقص بعضهم بعضاً ، كل أهل بلد يرون أنهم أفضل من أهل البلاد الأخرى ، وكل أبناء قبيلة يرون أنهم أفضل من بقية القبائل الأخرى. ومن هنا تنشأ السخرية والتعالي والنظرة المتنقصة وكثيرا مانسمع كلمات الهمز واللمز والنكت والتعليقات الجارحة تطلق على قبيلة أوقبائل معينة أوعلى جنسية من الجنسيات ، فجماعة تسخرون من جماعة أخرى ويطلقون عليهم النكات والتعليقات التي يتهمونهم فيها بالغباء ، وآخرون يعتبرون أنفسهم أفضل من أهل البلد الفلاني لأنهم أغنى منهم وأولئك فقراء وأولئك يسخرون من هؤلاء بأنهم جهلة غير متعلمين وآخرون ينتقصون أقواماً بسبب أنهم يرون أنهم أفضل منهم حسباً ونسباً وآخرون يسخرون من أناس بسبب ألوانهم وغيرها من المسببات الواهية التي لاتولد إلا الكره والبغض والحقد والحزازيات التي تزيد الفرقه وتشق الصف وتورث البغضاء بين المسلمين الذين ينبغي أن يكونوا أمة واحدة على قلب رجل واحد يسعى بذمتهم أدناهم.
وقد يكون الدافع إلى سخرية المرء بأخيه المسلم: حسده له على نعمة لم يبلغها، ويرى أن أخاه لا يستحقها، فيبلغ به حسده، وظلمة قلبه عليه أن يسخر من أخيه ويحتقره ويتنقصه؛ ليحط من قدره، وينزله من مكانته، ويعلي من شأن نفسه، ويلفت الأنظار إليه، ولسان حاله يقول: أنا أحق به من نعمته.
والسخرية تقود إلى الغيبة وهي من كبائر الذنوب، فقد لا يستطيع السخرية بحضرة أخيه، فيسخر به من ورائه؛ فتكون سخرية وغيبة، ويكون هو بمثابة من أكل لحم أخيه ميتا.
وإذا فشت السخرية في الناس تنابزوا بالألقاب، وعيَّر بعضهم بعضا، فتنافرت قلوبهم، وانحلت روابطهم، فتعادوا وتهاجروا، وتدابروا وتباغضوا، ولم يكونوا عباد الله إخوانا؛ ولذا نهاهم الله تعالى عن التنابز بالألقاب، والتنادي بالعيوب والمعاير[وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ]{الحجرات:11} قال أبو جبيرة بن الضحاك ـ رضي الله عنه ـ :(فينا نزلت هذه الآية في بني سلمة [وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ] {الحجرات:11} قال: قدم علينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة فجعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: يا فلان، فيقولون: مه يا رسول الله، إنه يغضب من هذا الاسم فأنزلت هذه الآية ) رواه أبو داود.

والسخرية سبب للعداوة والخصومات، وقد ينتج عنها سباب واعتداء بالقول والفعل والمقاتلة؛ لأن الساخر قد يتمادى في سخريته، فلا يحتمل أخوه منه سخريته، فينتصر لنفسه بالقول أو بالفعل. وكم من خصومات ومشاجرات أضرت بأصحابها ولربما كان فيها قاتل ومقتول كانت شرارتها الأولى استهزاء أحد الخصمين بالآخر، نفخ الشيطان في نارها حتى آلت بأصحابها إلى المقاتلة!!
وبهذا يتبين لكل عاقل أن السخرية بالناس باب من الشر عظيم، يفتح أبواب الهمز واللمز والغيبة والنميمة، ويملأ القلوب ضغائنا وأحقادا وعداوات، ويكفي رادعا عن السخرية بالآخرين أنها من صفات أهل النار من الكفار والمنافقين، فحري بكل مسلم أن يحفظ لسانه، ويتوقى في أقواله وأفعاله، ويحذر سبيل الهمازين اللمازين الذين يسخرون من عباد الله المؤمنين؛ لينجو مع الناجين، ولا يهلك مع الهالكين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم[أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ الله كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] {آل عمران:162} .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

منقول