حظي موضوع عمل المرأة بقسط وافر من الجدل من قبل الباحثين في هذا الحقل ، خصوصاً ذوي الميول والاتجاهات الدينية ، والذين انصبت معظم بحوثهم على جعل البيت الميدان الأوّل للمرأة ، وقد اعتبر بعضهم العمل خطراً يهدِّد سلامة العائلة ودين المرأة وأخلاقها ...
ولذا اتّجهت هذه البحوث إلى حشد الروايات التي تؤكِّد على دور المرأة الأسري وإلى استقصاء المعلومات الحديثة التي تشير إلى الأضرار التي سببها خروج المرأة إلى العمل في المجتمعات الحديثة .
وإذا ما نظرنا إلى كثير من هذه الأبحاث فانّها كانت محكومة بنظرة مسبقة متأثرة بالتراث والعادات والتقاليد السائدة وأحياناً بالواقع الشخصي الذي يعيشه الكاتب من حيث اكتفائه اقتصادياً واستطاعته توفير المال لأسرته ... وربّما كانت تنطلق عند البعض من نظرة أنانية ذكورية تريد أن تستحوذ على كل ما للمرأة لتكون خالصة للرجل ... عقلها وقلبها ووقتها وطاقاتها ، فهي متعته وسلوته ... وخادمته بل ربّما أمَتُهُ .
غير أنّ نظرة عابرة إلى التاريخ الانساني ترينا أنّ الاقتصاد البشري منذ بداياته كان يعتمد على مشاركة المرأة وهو مدين لها ... بل ربّما اعتمد في الكثير من المجتمعات على انتاجية المرأة أكثر من الرجال .
وتفـيدنا هذه النظرة أيضاً أنّ المرأة في الحضارات القديمة في بلاد ما بين النهرين (حيث كان كثير من الأنبياء) كانت تتمتّع بالاستقلال الاقتصادي خصوصاً في إدارة أملاكها ، فللمرأة وحدها حقّ التصرف بكل حرّية بما هو ملك لها من أموال منقولة وثابتة.
نعم ، كان وضع المرأة سيِّئاً جدّاً من الناحية الاقتصادية في الحضارات الوثنية : والصينية والهندية واليونانية. ولا يعني الوضع السيِّئ للمرأة هنا وهناك ، أ نّها لم تكن تعمل أو تشارك في الحياة الاقتصادية ، بل ربّما كان العبء عليها أكثر بسبب اعتبارها كالخدم والعبيد ، الذين يجب أن يعملوا ليل ونهار لإسعاد سيِّدهم .
2 ـ عمل المرأة المسلمة :
عندما أرسى الدين الجديد قواعده على أساس إكرام الانسان رجلاً وامرأة ، واحترام حقوقهما على السواء ، فإنّه أعطى المرأة ـ كما للرجل ـ الحق في إبرام العقود ، فأعطاها حقّ العمل والاجارة والتجارة والبيع والشراء والهبة والدين والضمان والوكالة وكافة التصرفات الاقتصادية بحرّية واستقلالية كاملة.
ونستطيع أن نستنتج من نظرية الاسلام الاقتصادية في توزيع الثروة وتداولها واتّجاهها نحو عدم تكديس المال واعتماد الاقتصاد الاسلامي على الجهد المبذول بدلاً من قيمة الرأسمال وتميّزه بذلك عن الاقتصاد الرأسمالي ، ومع النظر إلى تثبيت الميراث للنساء وتوفر المال لديهنّ واستقلالهنّ اقتصادياً في الاسلام ... نستنتج من ذلك كلّه أنّ المرأة في المجتمع الاسلامي ـ وهي صاحبة ثروة وقدرة ورأي ـ ليست عنصراً خاملاً أو وجوداً اقتصادياً مهملاً ، بل هي تشكِّل ـ اضافة إلى الرجال ـ قطباً اقتصادياً في المجتمع الاسلامي تساهم فيه بطاقاتها وامكانياتها ومشاركتها الفعالة لبناء المجتمع وتنمية قدراتها بالطرق المشروعة .
وإذا نظرنا إلى سائر المجتمعات الاسلامية عبر التاريخ للاحظنا كيف شاركت فيها النساء الرجال الحياة وشاطرنهم في مجالات كثيرة من العمل ، واختصصن بمجالات فريدة تتناسب مع أذواقهنّ وطبيعتهنّ وقدراتهنّ الفنّية ، كصناعة السجاد والصناعات اليدوية والتطريز والخياطة وغيرها .
وحتّى في المجتمع العربي ـ الذكوري غالباً ـ فانّ النساء الريفيات اللواتي يشكلن 60 % من مجموع النساء العرب هنّ العمود الفقري للانتاج الزراعي وهنّ يقمن اضافة إلى ذلك بقسم كبير من أعمال تنشيط التربة في الحقول وتربية الحيوانات وحلب الماشية وصناعة الألبان ...
3 ـ عمل المرأة المعاصرة :
تحتل المرأة اليوم موقعاً هاماً في المجتمعات الحديثة وتساهم بشكل فعّال في صناعة النهضة العلمية والعملية لكثير من الدول ، وحسب بعض الإحصائيات فانّ النساء يؤدين عملاً يوازي 67 % من ساعات العمل في العالم.
وتزيد نسبة النساء العاملات في أوربا عن 50 % ، كما انّ نسبتهنّ عالية أيضاً في الكثير من دول العالم الثالث ومنها بعض الدول الاسلامية .
إلاّ أنّ عمل المرأة دون لحاظ واقعها الخاص وامكانياتها الذاتية وأدوارها الحياتية المتميزة قد يسبب مشاكل ثانوية لها يؤثر على مهماتها الحسّاسة في الاُمومة وتربية الأطفال وادارة البيت ، ممّا دعا الكثير من الباحثين إلى القيام بدراسات متنوعة حول عمل المرأة وتأثيره عليها وعلى أبنائها وحياتها الأسرية .
فالمرأة الاُم العاملة ومع تساوي ساعات العمل مع الرجل تعمل لمدّة تزيد عن خمسين ساعة عن الرجل الأب ، وذلك باعتبار الساعات التي تعمل فيها عادة داخل البيت .
ولم يعد أمر اشتغال المرأة أو عدمه اختيارياً في الكثير من الأوقات بسبب الحاجة المالية والأوضاع الاقتصادية الضاغطة التي تتطلّب بذل الجهد المشترك لتوفير حياة أفضل للعائلة وللأبناء ، إذ بات تشكيل عائلة من زوجين عاملين أسهل بكثير من غيرهما خصوصاً في المدن الكبرى والمجتمعات الصناعية .
كما إنّ كثيراً من النساء يتّجهن للعمل لغرض الاستقلال الاقتصادي أو تأمين متطلّبات حياتهنّ خصوصاً غير المتزوّجات أو الأرامل والمطلّقات .
وقسم آخر من النساء يجدن في العمل استثماراً لطاقاتهنّ العلمية واستفادة من قدراتهنّ العملية ممّا يجعلهنّ يشعرن بقيمة حياتية ويتمتّعن بذلك بأيامهنّ وأوقاتهنّ ; إذ أظهرت التحقيقات أنّ الاُمّهات العاملات يشعرن بالسعادة والغبطة والرضا أكثر من غير العاملات .
4 ـ التمييز الجنسي في مجال عمل المرأة :
ونظرة إلى الأرقام التي وصلت إليها الاُمم المتحدة تبيِّن لنا الدور الكبير للمرأة في التنمية العالمية كواقع قائم ، ولكن نفس هذه الأرقام تبيِّن أيضاً أنّ العالم لا زال يظلم المرأة ولا يساويها في الحقـوق الاقتصادية وأجر العمل والاستمتاع بجهدها المبذول بنفس القدر مع الرجل ، بل هي تأخذ رغم تضحياتها الجسام نسبة ضئيلة لا تناسب ما تقدّمه ، إذ :
ـ تشكل النساء ثلث القوى العاملة رسمياً في العالم ولكنّهنّ يعملن بأعمال ذات أجر أقل ، وفي حالة تشابه العمل مع الرجال فهنّ يأخذن 70 % من أجر الرجال ، وهنّ عرضة للبطالة وانهاء العمل أكثر من الرجال .
ـ تولّد النساء نصف الانتاج العالمي للغذاء ، ولكنّهنّ نادراً ما يملكن الأراضي ويستفدن من القروض ويغفل دورهنّ في البرامج الزراعية .
ـ رغم المشاريع الحكومية للنهوض بدور المرأة ورغم الدور الكبير للنساء ، ولكنّهنّ وبسبب التعلّم الأقل وقلّة الثقة بالنفس وكذلك الأعباء الثقيلة والأعمال الكثيرة المنوطة بهنّ ، فإنّ حضورهنّ في مراكز القرار ضعيف ومشاركتهنّ في ادارة اُمور البلاد لا يناسب دورهنّ بأيّ حال .
وهناك احصائية اُجريت عام 1980م تشير إلى أ نّه بالرغم من أنّ 67 % من ساعات العمل في العالم تتعلّق بالمرأة إلاّ أنّ 10 % فقط من الواردات تعود إليها ، ولا زالت نسبة الاُمّيات في النساء ضعف عدد الرجال ، وبالتالي فإنّ 1 % فقط من ممتلكات العالم في يد لنساء.
ولم يعد تعميم فكرة بقاء المرأة في البيت بالشيء المقبول والممكن لأسباب عديدة مرّت ، فإن مشاركة المرأة في العمل لا تعني دوماً خروجها من البيت إذ إنّ نسبة كبيرة من النسـاء يؤدّين العمـل الزراعي إلى جنب بيوتهـنّ ، وكثيراً منهنّ يعملن في الصناعات اليدوية والسجاد في بيوتهنّ وهو قطاع هام وحيوي من العمل ، إلى جانب الدور العظيم الذي تنهض به المرأة في البيت .
وقد يصل هذا الدور في الاُسرة الكبيرة إلى حجم يفوق دور المرأة في العمل ، من حيث الأهمّية وكذلك المنظور الاقتصادي ، وعندها تكون ادارة البيت مقدّمة على غيرها كما يكون عمل المرأة ضاراً بها وبمؤسّستها الاُولى وهي الاُسرة .
وقد تكون الظروف الميسرة ـ وحتّى العادية ـ لكثيرين تهيِّئ فرصة للمرأة للتفرّغ لادارة شؤون الاُسرة ، ولكن هذا لا يمنع المرأة من القيام بدور اجتماعي وسياسي في المجتمع وأن تشارك في النشاطات العامّة التي تدفع المجتمع نحو الأمام في عملية النهوض الاجتماعي والتقدّم الحضاري للبلد ، سواءً في المجالات التعليمية والثقافية أو مجالات تأهيل النساء وتوعيتهنّ ومكافحة الأمية .
ولكنّ الأمر العاجل والضاغط في العالم هو ازالة صور التمييز في مجالات العمل ضدّ المرأة واعطاؤها حقّها المناسب ـ اُسوة بالرجال ـ إذا ما قامت بخدمات مشابهة ، وتوفير الظروف الاجتماعية والاقتصادية المناسبة لكي تستمتع بحقوقها التي تستحقّها بشكل عادل ومنصف .
والمسألة الاُخرى هي مراعاة وضع المرأة وظروفها الخاصّة بها تكوينياً واجتماعياً في حقول العمل .
فلا شك أنّ المرأة تختلف بيولوجياً عن الرجل وبالتالي يجب تجنيبها الأعمال الشاقة التي تضر بصحتها وتعرض سلامتها للخطر ، كما إنّ للمرأة وضعاً خاصاً إذ تمرّ بها العادة الشهرية ، وقد تكون في بعض الأيام غير قادرة على العمل ، لذا وجب مراعاة ظروفها الصحّية .
فقد ثبت أنّ الأعمال المتعبة أو ذات الضغط النفسي الكبير تقلل من ثقة المرأة بنفسها وتؤثِّر عليها بشكل سلبي.
ونتيجة إلى أنّ المرأة ـ ولأكثر من سبب ـ لا زالت مستهدفة ومعرضة لخطر المزاحمة والأذى من قبل بعض الرجال كان من الواجب توفير الأمن والأجواء السليمة للنساء ليؤدين أعمالهنّ بعيداً عن أيّ أذىً وبطمأنينة كاملة ، وربّما يتطلّب ذلك ابتعاد النساء عن بعض الأعمال والأجواء المنعزلة وتوفير صالات عمل جماعية وغير ذلك .
كما إنّ البرامج يجب أن تراعي دور المرأة العظيم في ادارة البيت ، لا بخصوص الأعمال بل من الجانب الانساني والعاطفي وأهمّية ذلك في تأمين الاستقرار النفسي والاجتماعي للزوج والأولاد ، وبالتالي فانّ من الممكن توفير أجواء للعمل لا تضر بالبيت أو تقلل الأضرار إلى الحدّ الأدنى ، ومن ذلك :
1 ـ تهيئة مجالات عمل قريبة من السكن واعطاء فرصة للنساء للمرور على بيوتهنّ بشكل مناسب .
2 ـ وضع برامج عمل تقوم على الانتاج بدلاً من الوقت كمعيار للعمل بحيث يمكن للمرأة أن تعمل وقت ما وجدت فراغاً ، وأن تقسِّم ساعات العمل بما يناسبها وبما لا يتعارض مع مسؤولياتها البيتية .
3 ـ زيادة قطاع الصناعات والأعمال التي يمكن أداؤها داخل البيت أو في ورش عمل صغيرة ملحقة بالسكن ، ويمكن أن يشارك فيها جميع أبناء الاُسرة .
ومن المسائل الهامّة جداً رعاية دور الاُمومة عند المرأة ، والذي لا يمكن تعويضه ولا المساس به ، فإن وجود العالم واسـتمرار الحياة يتوقف على الحمل والانجاب عند المرأة ، وبالتالي فإنّه لا بدّ من توفير الظروف الصحّية المناسبة لها معنوياً ومادياً لكي تحمل النساء ويضعن أولادهنّ في سلامة من أنفسهنّ وأبنائهنّ .
ويتطلّب ذلك توفير اجازات العمل فترة الحمل ثمّ فترة الرضاعة والرجوع إلى الأطباء والمتخصصين لتحديد المدّة التي تحتاجها المرأة ، وضمان مستقبل عملها وتأمين احتياجاتها أثناء استراحات الحمل والرضاعة .
وقد يتطلّب أيضاً وضع خطط لتقليل ساعات العمل أو اعطاء استراحات بينية أو العمل بنصف دوام لاستمرار المرأة بدور الاُمومة وتربية الأبناء ليشبّوا أقوياء وصالحين نافعين للمجتمع ، ويجب أن يكون هذا الهدف في رأس برامج المجتمع ولا يفرّط به بأيّ حال ، لأنّ التفريط به يؤدي إلى دمار المجتمع وتفككه وفقدانه الطمأنينة والسعادة ، التي لا تعوضها زيادة الانتاج .
ويتطلّب أيضاً توفير فرص عمل وظروف مناسبة لاشتغال النساء غير المتزوجات ومنهنّ الأرامل والمطلّقات لحمايتهنّ اقتصادياً واجتماعياً ، وبالتالي عدم تعرضهنّ للأذى أو الابتزاز بسبب عوزهنّ الاقتصادي ، وكذلك ملء الفراغ والاستفادة من طاقاتهنّ لخدمة المجتمع .
ورغم أنّ المرأة هي صاحبة الاختصاص والبارعة في هذا الميدان (العمل البيتي)، إلاّ أنّ ذلك لا يعني عدم امكانيـة قيام الرجل ببعض الأعـباء وتوزيع الأوقات والأعمال بشكل يجعل الاُسرة متكاملة تنهض بمسؤولياتها على أحسن وجه .
جدير ذكره هنا أنّ الإسلام ورغم تشجيعه المرأة على القيام بأعمال البيت وعظيم ثواب هذه الأعمال إلاّ انّه لم يوجب أبداً على المرأة القيام بهذه الأعمال ، وأعطاها بعض الفقهاء الحق في أن تأخذ عليها أجراً أو تطلب من زوجها أن يستأجر من يقوم بتلك الأعمال إن أرادت ذلك وبشكل لا ترهق فيه الزوج.
وإذا ما تمّ التعاون بين الرجل والمرأة في إدارة شؤون المنزل فإنّ الأعباء ستخف وأداء الأعمال سيسهل على الاثنين معاً ... إضافة إلى تحقيق نوع من العدالة ، والبيت هو الميدان الأوّل الذي يمتحن فيه الانسان في دينه ودنياه ،
والمجال المقدم لكي يمثِّل الانسان فيه القيم الدينية والأخلاقية التي يتبناها ، وفي مقدّمة هذه جميعاً العدالة وتجنب الظلم والإجحاف .
والاُسرة هي المجتمع الأصغر والحكومة المباشرة التي تمارس فيها القوانين وتبرز فيها الأفكار والمعايير ، والانسان محاسب عنها وهو مدعو قبل غيره لكي يمارس عمله ويباشر حكومته بعدالة ونزاهة وخلق وتسام وتعاون وتفان.
وليس من المنطقي أن يعيش زوجان حياتهما المعاصرة طبقاً لمتطلباتها الصعبة من الدراسة والعمل والمشاركة الاجتماعية والسياسية ... إلخ في الوقت الذي يتعامل الزوج ـ رغم ثقافته وموقعه الوظيفي ـ مع زوجته بروح عشائرية وأحكام اجتماعية سابقة ويتوقع منها اضافة لعملها خارج البيت أن تقدّم له مختلف الخدمات ... إذ يعودان منهكين من العمل يستريح هو وتعمل هي مرّةً اُخرى داخل البيت .
وإنّما يمكن جعل متطلباتنا في الحياة سهلة وبسيطة وتقليل توقعاتنا لتلائم الواقع ولكي نكون خـفيفين في حركتنا وخفيفين على غيرنا ... ويمكن توفير كثير من الخدمات اليوم بواسطة مراكز الخدمات أو الأجهزة المتطوّرة .
ويؤسفنا القول أنّ المرأة هي التي تنسحق وتضمحل قواها وتنهار أعصابها أمام توقعات وطلبات الرجـال ـ عديمي الانصاف منهم ـ ، ولذا نجـد المرأة في الكثير من مجتمعاتنا الشرقية تقضي كهولتها وكبرها وربّما شبابها من تعب إلى نصب ومن مرض إلى مرض آخر .
5 ـ تأثير عمل المرأة على الأُسرة ونمو الأطفال :
تهتم معظم الاُمم والشعوب بأطفالها ، وتسعى ـ بشكل عام ـ لتوفير الأجواء الصالحة والظروف المناسبة لإعدادهم ليكونوا بناة الحضارة وقادة المستقبل .
وتتأثّر نشأة الأطفال قبل أي شيء آخر بالظروف البيتية خصوصاً السنين الاُولى من حياتهم ، ولتواجد الاُم في البيت وحسن رعايتها للطفل الأثر الكبير في السلامة النفسية والجسدية له ، ومن هذا الجانب تبرز أهمّية بحث تأثير عمل المرأة ، وبالتالي غيابها لفترة عن البيت على نمو الأطفال ورشدهم الذهني ومستقبلهم الشخصي .
ـ ورغم أنّ الاُمّهات العاملات يصرفن وقتاً أقل ـ نسبة إلى غير العاملات ـ في تربية أبنائهنّ ، إلاّ أنّ هذا الوقت من حيث الأداء والفائدة أكثر هدفية وجدية .
ـ ولنوع عمل المرأة الاُم تأثيره المباشر على أولادها ، حيث أنّ الأعمال الشاقة والمتعبة أو ذات الضغط النفسي الشديد تؤثر سلبياً على علاقة الاُم بأبنائها .
ـ ويزداد هذا التأثير في السنتين الأوليتين من حياة الطفل حيث يكون في أمسّ الحاجة لحنان ورعاية والدته ، وقد أكّدت دراسات علماء النفس على أنّ نوع علاقة الطفل بمربيه له تأثير مباشر على نموه العاطفي والاجتماعي .
ـ وتشير الدراسات إلى أنّ الاُمّهات العاملات يشعرن أكثر من غيرهنّ بالرضا والسعادة ، ويتميّزن بعـلاقة متكافئـة مع أزواجهنّ ، وينعمن بأولاد أكثر احساساً بالمسؤولية .
ـ كما تدل دراسات اُخرى على أنّ أولاد الاُمّهات العاملات ينظرون برؤية أحسن إلى موضوع التمييز الجنسي ودور الرجل والمرأة في المجتمع .
ـ ويستفيد أبناء الطبقات الدنيا ـ من حيث الموارد الاقتصادية ـ أكثر من غيرهم من عمل اُمّهاتهم ، حيث انّهم ينعمون بنمو ذهني وتوفيق دراسي أكثر ، فيما تنعم البنات في الطبقات الأعلى بوضع أفضل من ذكورهم .
ومن الإجراءات المقترحة على هذا الصعيد ـ إضافة لما مرّ ـ :
ـ بسبب حاجة الطفل القصوى لمحبّة ورعاية الاُم وأهمّيتها الكبيرة في نشأته ، فإنّ الاُمّهات العاملات يجب أن ينعمن على الأقل بسـنتين من الاجـازة ليتفرّغن بشكل كامل لرعاية الطفل بعد ولادتـه في البيت ، مع الأخذ بنظر الاعتبـار تناسـب عدد الأطفال مع عمل المرأة وأوضاع المجتمع ، وتنظيم الأسرة بشكل مناسب لسلامة المرأة ومسؤولياتها .
ـ أن تسعى الاُمّهات ذوات الأطفال الصغار إلى تجنّب العمل بوقت كامل والاستفادة من فرص العمل بنصف الوقت أو بعضه .
ـ أن تتجنّب الاُمّهات ـ قدر الامكان ـ الأعمال الشاقّة والخطرة وذات الضغط النفسي الشديد حتّى لا يؤثر ذلك على دورهنّ العاطفي والتربوي في الاُسرة.
المصدر:ازمة الهوية وتحديات المستقبل