ما معلوماتك عن السَكَنَ؟

في معجم "المُنجد" يعرف السَكَنَ بأنه "الاستقرار والثبات والهدوء والاستئناس"..

ولهذا كان منطقيا جدا أن تعبر كلمة الإسكان - التي تحتل وزارة طويلة عريضة في مصر- عن هذا المعنى، فهي المهتمة بتوفير الشقق والسكن للمواطنين الحلوين أمثالي وأمثالك .. سكن يوفر الاستقرار والثبات والهدوء والاستئناس مثلما يقول المنجد..ولا انتوا هتغلطوا في المنجد كمان؟!

وبالتأكيد فأنت لست في حاجة لأن تكون على صلة وطيدة بوزارة الإسكان حتى تعرف أنها- والحمد لله- فشلت باقتدار في توفير السكن أو حتى عشش الإيواء للمواطنين الأعزاء.. وذلك على اعتبار أن هذا الأمر يعد رفاهية وأن الشعب "غير الناضج" لابد أن يكبر بقى وأن يعتمد على ذاته ويبني لنفسه شققه وفيلاته وقصوره!

الأمر لا يحتاج إلا إلى نظرة واحدة على إعلانات سوق العقارات المنتشرة في الصحف حتى تتأكد من أن الدولة "شايلة إيدها" خالص من موضوع الإسكان والعقارات ده وستكتشف أن ذلك الانسحاب تسبب بشكل أو بآخر في ارتفاع أسعار الشقق بشكل كبير جدا جعل الوضع في مصر الآن فريدا من نوعه.. شقق خالية دون سكان.. وسكان يبحثون عن شقق خالية والجميع - بفعل الأسعار الملتهبة- يسير في متاهة أشبه بمتاهة "لابيرينث" الإغريقية التي كلما دخلها أحد الأبطال فإنه لا يخرج منها أبدا!

ولفترة طويلة ارتضى النظام- ممثلا في وزارة الإسكان- بهذا الوضع..فالناس لطيفة لا تتذمر أو تعلن عن ضيقها من الوضع السكاني أو أي وضع آخر، فما الذي يجبرهم على توفير شقق للشباب وهو حلو وأمور وقاعد على القهوة لا يفتح فمه بكلمة واحدة!

حتى جاء برنامج الرئيس الانتخابي!

في البرنامج -المنشور على موقع حملة الرئيس مبارك ممكن تدوس على اللينك لو مش مصدقني- ستجد في أحد النقاط مايلي:
يهدف البرنامج إلى إنشاء نصف مليون وحدة سكنية للشباب، على مدار 6 سنوات.ويتم إنشاء هذه الوحدات في القاهرة، وعواصم المحافظات في الوجه البحري والصعيد، والمدن الجديدة. على أن تكون مساحة الوحدة 70 مترا"

احسب بقى معايا نصف مليون شقة على 6 سنوات "هي مدة الفترة الرئاسية" يفترض إذن أن توفر الحكومة في السنة الواحدة أكثر من 83 ألف شقة سنويا.. وفي سبتمبر الماضي مر عام كامل على الفترة الرئاسية الرابعة للرئيس مبارك.. حصل حاجة سيادتك؟ ولا أي حاجة .. طيب تعمل أنت إيه بقى لو مكان رجالة الحكومة؟

لازم تخترع وتفتكس أي حاجة تخلي الناس تتصور إن هذا البرنامج الذي يبدو أنه غير قابل للتحقيق يطبق على أرض الواقع فكانت الشقة ذات الـ40 مترا!

آه والله أنت لم تخطئ في قراءة الرقم.. شقة 40 متر.. هي آخر اختراعات حكومتنا اللطيفة.. ولكن أليس وصف 40 مترا بأنها شقة فيه كثير من الاستهتار بحقوق الناس وآدميتهم.

وإذا كانت كلمة شقة - مالهاش تعريف في المنجد المرة دي!- ولكنها تعني كما هو دارج وجود صالة وحجرة نوم وحمام ومطبخ.. أيوه هييجوا فين دول كلهم!، ثم أنه كما اتفقنا من قبل فإن سكن يعني الاستقرار والثبات والهدوء والاستئناس من أين سيأتي كل هذا في شقة زي "الحٌق" كما تقول جداتنا الفضليات في وصف أي شقة صغيرة لا تزيد مساحتها عن 70 مترا؟!

وهل يمكن لشقة بهذه المساحة المتناهية في الصغر أن تصلح سكن لأسرة ..يعني زوج وزوجة وأبناء؟ وأي أثر نفسي يمكن أن تتركه على سكانها؟ وإذا كانت سلوكيات المصريين آخذة في الانحدار بسبب ثقافة الازدحام والضوضاء التي تسيطر على حياتهم في الشوارع والطرقات فما هو تأثير هذه الشقق "الأنبوبة" على سلوكيات الناس؟ وإذا كانت الشقة في المعتاد هي بمثابة الوطن الذي يسكن إليه الواحد بعد يوم شاق ومرهق فهل يمكن أن يكون الوطن 40 مترا فقط؟!

أدرك أن لا أحد منا يعيش في قصر فخيم ولا أحد فينا يملك أمام القصر بتاعه حديقة غناء مساحتها ألف متر يمارس فيها رياضة الفروسية قبل غروب الشمس كل يوم! أدرك هذا والله.. وأدرك أيضا أن كثيرا من الناس ليس لديهم شقق أصلا وتسكن في عشش من القش والصفيح وأن هناك الكثير من الشباب الذي لظروفه المالية الضعيفة ولارتفاع أسعار الشقق الجنوني فإنه يتزوج في حجرة صغيرة في شقة أسرته.. كله ده عارفه.. بس اللي أعرفه برضه إن اللي يقول حاجة ينفذها ولا إيه؟! واللي أعرفه برضه إن حقك إنك تعيش في شقة محترمة تراعي آدميتك وإنسانيتك وتحفظ خصوصيتك.. وإن وطنك هو مصر كلها فليس من المعقول أن يختصروه إلى 40 مترا!


منقول