ولد برنارد شو في دبلن عاصمة ايرلندا في يوليو 1856, وكان أبوه موظفاً في احدى المحاكم, ثم اشتغل بالتجارة, أما أمه فكانت ابنة لأحد ملاك الأراضي.

تلقى شو مبادىء التعليم الأولى على يد قريب له كان قسيسا بروتستانتيا, ثم دخل احدى المدارس الدينية في سن العاشرة, ولكنه تركها الى مدرسة اخرى, ثم ترك هذه الى ثالثة, ليكتشف انه عاجز عن تعلم اي شيء لا يروقه, وهكذا اتجه الى القراءة بشكل غير مألوف, وسكن مع اسرة شو مدرّس للموسيقى, وكان يقيم احيانا حفلات موسيقية في دبلن, وكانت أم شو ذات صوت جميل, وكانت تهوى الموسيقى, كما علّمت أولادها اصول الغناء والموسيقى, وهكذا كان شو في سن الخامسة عشرة, يستظهر من الغلاف الى الغلاف, عملا موسيقيا مهما على الاقل, لكل مؤلف من كبار مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية من أمثال (هاندل ـ موزارت ـ بتهوفن).

وقد حول شو الرسم, لكنه اكتشف انه لا يملك موهبته, فاكتفى بزيارات لقاعات المتحف القومي الايرلندي. في سن الخامسة عشرة, اصبح شو على قدر كبير من النضج ومن الثقافة التي اكتسبها بمجهوده الخاص, وحين بلغ الثالثة والعشرين, قرر ان يشتغل بكتابة الروايات, ووضع لنفسه برنامجا يقضي بأن يكتب خمس صفحات يوميا على الاقل, وألزم نفسه بتنفيذ هذا البرنامج, بمثابرة عجيبة, فألّف خمس روايات في أربع سنوات.

كان شو خجولا بطبيعته, ولكنه تعلم في جمعيات المناظرة التي كان يتردد عليها, بفضل ارادته الحديدية, كيف يتغلب على خجله, فقد كان يوجه للخطيب أو المتحدث, أسئلة لم يكن يتوقعها, وكان يمتلك صوتاً موسيقياً يطيب للأذن سماعه, ويتحدث الانجليزية بلهجة ايرلندية عذبة, ويتكلم دائما بلهجة الواثق بنفسه, وظل اثنتي عشرة سنة يتحدث في (الجمعية الفابية) بلا مقابل, بمعدل ثلاث مرات في الأسبوع, وكان بعض احاديثه ومحاضراته, تتم على قارعة الطريق.

وقد أصبح شو في وقت قصير من ألمع من اعتلى منابر لندن, وأصبح الناس يتقاطرون على محاضراته, وكانت الهيئات والجمعيات تتسابق الى دعوته ليتحدث فيها.

وفي الفترة نفسها التي انضم فيها شو الى (الجمعية الفابية) والتي بدأ يكتب فيها للصحف كناقد, أي بين فترة 1884 ــ 1885 بدأ يكتب للمسرح, وكان لا يزال متأثرا بمسرحيات (ابسن) وبالنهج الواقعي, والذي من مقتضاه: (إن الحقيقة تعلو, ولا يعلى عليها) وكانت أولى أعماله (بيوت الأرامل), وقد عرضت هذه المسرحية عام 1892, في مسرح تجريبي صغير.

نشر شو مسرحياته الثلاث الأولى, مع مقدمة طويلة بقلمه في مجموعة تحت عنوان (ثلاث مسرحيات غير سارة) ثم ظهرت بعد ذلك مسرحية (السلاح والإنسان) التي يعتبرها البعض انجح مسرحياته لدى الجمهور العالمي, ومثلت المسرحية لأول مرة عام 1894.

وبعد هذه المسرحية, بدأ غزو مسرحيات شو لأعظم مسارح العاصمة الانجليزية ومسارح امريكا, ولقيت نجاحا رائعا.

ظل شو يكتب للمسرح حتى عام 1939 أي لفترة ست وأربعين سنة وهي مدة أطول من عمر شكسبير برمته, وقد بلغ عدد المسرحيات التي هي ما بين مسرحية طويلة ومتوسطة, اثنين وثلاثين مسرحية, وهناك غيرها عشرون مسرحية, أو شبه مسرحية.

وقد أخرج عددا كبيرا من هذه المسرحيات اثناء حياته في عواصم بلدان أوروبا وأمريكا, وكسب شو شهرة لا مثيل لها.

وكانت تظهر له وعلى فترات متباعدة بعض الكتابات غير المسرحية, ككتابه (حديث العقلاء) عن الحرب العالمية الأولى, حيث انتقد فيه دخول انجلترا الحرب العظمى الأولى نقداً مباشراً, وأقبل الجمهور على شراء هذا الكتاب بشكل منقطع النظير.


-------------------------------------------------




عرض على شو أكثر من مرة ان يرشح نفسه لعضوية مجلس العموم البريطاني, ولكنه كان يرفض, وظل يقاوم طيلة حياته كل محاولات التكريم وكان يعتبر كل عرض يتلقاه من احدى الجامعات لمنحه الدكتوراه الفخرية أو لتقليده وساما, اعتداء على استقلاليته, وقد تردد كثيرا في قبول جائزة نوبل, حين عرضت عليه عام 1925, ولكنه قبلها وقال: (إن وطني ايرلندا سيقبل هذه الجائزة بسرور, ولكنني لا أستطيع قبول قيمتها المادية, إن هذا طوق نجاة يلقى به الى رجل وصل فعلا الى بر الأمان, ولم يعد عليه من خطر) وتبرع بقيمة الجائزة لتأسيس منشأة تشجع نشر أعمال كبار مؤلفي بلاد الشمال الى اللغة الانجليزية.

لقد كان شو يدعو الى آرائه بجرأة وشجاعة لا مثيل لهما, ولم يكن يراعي شعور أحد, أو يعبأ بأحد, ولعل ذلك جعل الأجيال الصاعدة تعتبره أعظم عظماء عصره.

كان شو مرحاً بطبيعته, وقد عرف كيف يستغل هذه الطبيعة في بث أفكاره, وقد اكتشف ان الانسان اذا أنت أضحكته, مستعد لقبول كل ما تقوله, حتى اذا كان يختلف معك, وكان يرى ان الفقر هو عدو الانسانية الأكبر, وأنه اصل جميع ما في العالم من جهل ومرض وشرور. وقد سخر من بريطانيا التي كانت تسمي نفسها (بريطانيا العظمى) حيث لم يعترف بعظمتها, ولا بشيء مما قاله الشعراء والكتّاب عنها, ويضحك من كل ذلك, ويتنبأ لها بأفول نجمها يوم تصحو المستعمرات من سباتها, وكان مسرحه مدرسة يتلقى فيها عامة الناس ثقافة مبسطة تتناول معظم ميادين المعرفة.


ولعل احتفال العالم بمرور نصف قرن على رحيل الكاتب المبدع (برنارد) هو اعتراف بأن هذا الكاتب المبدع, قد أثر في ضمير العالم أجمع, حيث استطاع ان يرسم صورة المثل الأعلى بطريقة لم يفعلها كاتب من قبل, حيث يكتشف القارىء في أعماله التشابه الكبير بين آرائه وسلوكه ودعوته لإخراج التعاليم الدينية من تلك الصناديق الزجاجية, ونثرها في هواء العالم, وزرعها في أرضه, وخلطها بحياته اليومية, لتحتل فيها البركة, وليهتدي الانسان عن طريقها, الى طريق الخير والنور.

وقد يوافق القارىء (شو) في آرائه, وقد يختلف معه فيها, أو في بعضها, وقد يجد في مسرحياته طرافة أو لا يجد, لكن الذي لا مراء فيه, هو انه كان من مفكري القرن العشرين العظام, وان افكاره اتخذت شكل رسالة اصلاحية واضحة المعالم, وانه لم يتجه بهذه الرسالة الى الخاصة وحدهم, بل نزل بها الى الشارع, اي الى الرجل العادي. ويعد برنارد شو معجزة المسرح الانجليزي المعاصر بحق, ورغم ان مسرحه يعد بالدرجة الأولى مسرح افكار اجتماعية, الا انه مسرح ارسيت دعائمه على قواعد فنية نابعة من الممارسة, ومن الحياة خلف الكواليس.

ولذلك فمسرح (شو) يجمع بين العنصرين الأساسيين اللازمين للنضج الفني: الرسالة وحسن الأداء. فكل مسرحياته هادفة, لها أفكار اصلاحية معينة, وتحاول بشتى الوسائل ان تفرض هذه الأفكار, في الوقت الذي برع فيه في تطويع ادوات المسرح, من حوار وحركة لخدمة هذه الأفكار, حيث يلعب جانب الفكاهة والأسلوب اللاذع, دورا اساسيا في التأثير على الجمهور.


بعد خمسين عاما على رحيل برنارد شو الذي توفي في الثاني من نوفمبر 1950, نتطلع الى ذلك الابداع بعين الاحترام والتقدير, وسيبقى مسرحه حياً طالما كان إنسانياً عميقاً, ولينضم الى مسرح من سبقه ومن جاء بعده, الذين كانوا مشاعل نور في مسيرة الابداع و الرؤية. هكذا نحيي ذكرى برنارد شو بعد خمسين عاما على رحيله, حين نتعلم من جديد ان خلود الرؤية بقدر ما ترى الإنسان في داخلها, وبقدر ما تكون معبرة عن طموح الانسان وحلمه وصراعه من أجل الأفضل فهل نرى ذلك؟