أشرقت شمس الأول من يناير على مولد واحد من أفضل الروائيين والمحللين في فتره الأربعينات وما يليها انه احسان عبد القدوس...

كان مولده في عام 1929 وذلك في بيئة فنية فوالده مُحمَّد عبد القدوس كان ممثلا ومؤلفا وأمه اللبنانية فاطمة اليوسف الشهيرة بروز اليوسف والتي عملت ممثلة فترة طويلة ثم انتقلت إلى الصحافة وقد كان لذلك كبير الأثر عليه فيما بعد فبجانب انه في طفولته كانت هوايته المفضلة هي القراءة اهتم والده بحسن تعليمة وتشجيعه علي القراءة حتى حصل على ليسانس الحقوق من جامعه القاهرة عام 1942 م ...

عمل بعدها كمحامي تحت التمرين بمكتب احد كبار المحاميين وهو ادوارد قصيري وذلك بجانب عملة كصحفي بمجلة روز اليوسف التي تصدرها مؤسسه روز اليوسف التي أفتتحتها والدته بعد ابتعادها عن التمثيل وقد خطا فيها إحسان أول خطواته في عالم الصحافة والأدب، حيث التقى في مكتب والدته بأحمد شوقي (أمير الشعراء) وعباس محمود العقاد وغيرهم من مشاهير الأدب في مصر ...

وقد بدا احسان عبد القدوس عمله في مجلة والدته كمخبرا صحفيا وتنقل في الجريدة قبل أن يتولى رئاسة تحرير مجلة روز اليوسف و من القضايا الهامة والشهيرة التي فجّرها قضية الأسلحة الفاسدة مع الجيش المصري عقب حرب فلسطين في الأربعينات ومن خلال عرض هذه القضية تعرّف على الضابطين جمال عبد الناصر وأنور السادات، كما صادق خالد محي الدين، الذين كانوا يترددون على المجلة وتعرض إحسان عبد القدوس بعد إثارة هذه القضية إلى أولى محاولات اغتياله بالطعن بالسكين من الخلف استمرت هذه المحاولات حتى بلغت أربع محاولات على مدى عمره ...

وقدا بدا احسان عبد القدوس كتابة نصوص أفلام وقصص قصيرة وروايات وذلك بعد تركه مهنة المحاماة ووهب نفسه للصحافة والأدب فقد شعر أن الأدب والصحافة بالنسبة له كانا من ضروريات الحياة التي لا غني عنها وكان بداية ذلك في عام 1944 اى بعد اقل من سنتين من تخرجه وأصبح بعد اقل من بضعة سنوات صحفي متميز ومشهور وروائى وكاتب سياسي وبعد أن العمل في روز اليوسف تهيأت له كل الفرص والظروف للعمل في جريده الأخبار لمده‏8‏ سنوات ثم عمل بجريده الأهرام وعين رئيسا لتحريرها‏...‏

كان لإحسان شخصية محافظة للغاية لدرجة أن شخصيته تتناقض مع كتاباته فالبيئة التي تربى فيها جعلت منه إنسانا ملتزما للغاية في خليط عجيب بين الالتزام الديني والاجتماعي فلم يكن يسمح لزوجته بان تخرج من البيت بمفردها وعندما يكون مسافرا يطلب منها ألا تخرج بل وترفض كل الدعوات التي توجه إليها مهما كانت كذلك في ملابسها فقد كان يشترط عليها أن تكون ملابسها محتشمة لا تصف ولا تشف وقد بلغ من محافظة احسان والتزامه أن والدته السيدة روزا اليوسف أرسلت أخته إليه التي كانت أكثر تحررا كي يعاقبها بنفسه، فقد كانت أخته تركب "البسكلتة" مع ابن الجيران، فأرادت والدته أن تضع حدا لسلوكها مع ابن الجيران، فأرسلتها إلى أخيها لتعيش معه في العباسية.هذا التكوين الاجتماعي منع احسان عبد القدوس من الاعتراف بأسراره الخاصة، فلم يعترف ألا بعلاقته النسائية الأولى يقول"" الحب الأول في حياتي كان لبنت الجيران، كانت صديقة لابنة عمتي، وكان حبا اعتبره من أرقى وأنظف وأعمق أنواع الحب الذي يجمع بين صبي وصبية، كان عمري وقتها 14 عاما، وهي 13 عاما، كان حبا قويا بالنسبة لي شخصيا، وكان لا يتجاوز أنها تزور ابنة عمتي واجلس معها كما كانت التقاليد، كان شيئا راقيا في معناه، وكنت انتظرها على محطة الترام واركب معها لأوصلها إلى مدرستها "السنية".. ثم أعود على قدمي بعد ذلك إلى مدرستي فؤاد الأول، وكل الذي كان يجمع بيني وبينها لا يعدو أكثر من أن امسك يديها ""فالناس يظنونه كاتبا متحررا من كل التقاليد والأعراف الاجتماعية مع ان نهايات أبطاله الذين يبغون التحرر تصلح للتدريس واخذ العظة والعبرة...

لقد استطاع احسان عبد القدوس أن يصنع نقله نوعيه متميزة في الرواية العربية إلي جانب أبناء جيله الكبار من أمثال نجيب محفوظ ويوسف السباعي ومحمد عبد الحليم عبد الله‏‏ لكن احسان تميز عنهم جميعا بأمرين احدهما انه تربي في حضن الصحافة‏‏ وتغذي منذ نعومه أظفاره علي قاعدة البيانات الضخمة التي تتيحها الصحافة لاختراق طبقات المجتمع المختلفة وكانت الصحافة‏‏ وصالون روزاليوسف والعلاقات المباشرة بكبار الأدباء والفنانين والسياسيين ونجوم المجتمع هي المنبع الذي اتاح لاحسان عبد القدوس أن يصور الجوانب الخفية في الحياة المصرية ويتخطى بذلك كثيرا من الحواجز التي حالت بين زملائه وبين معرفه هذه البيانات‏، أما الميزة الثانية لأدب احسان فهي انه كان عميق الإيمان بالفهم الصحيح للحرية‏‏ بمختلف مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وان أدب احسان قد نجح في الخروج من المحلية إلي حيز العالمية‏‏ وترجمت معظم رواياته إلي لغات أجنبية وشارك بإسهامات بارزه في المجلس الأعلى للصحافة ومؤسسه السينما ...

بجانب اشتراك احسان عبد القدوس المتميز بالصحافة كتب 49 رواية تم تحويلهم جميعا نصوص للأفلام و5 روايات تم تحويلهم إلي نصوص مسرحيةو9 روايات تم تحويلهم إلي مسلسلات إذاعيةو10 روايات تم تحويلهم إلي مسلسلات تليفزيونيةو56 كتاب تم ترجمة العديد منها إلى لغات أجنبية كالإنجليزيه، والفرنسية، والاوكرانية، والصينية، والألمانية
وحصل على وسام الاستحقاق من الدرجة الأولي منحة له الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ووسام الجمهورية من الدرجة الأولي منحة له الرئيس محمد حسني مبارك في عام 1990.

كانت الجائزة الأولي عن روايته " دمي ودموعي وابتساماتي " في عام 1973. وقد حصل على جائزة أحسن قصة فيلم عن روايته "الرصاصة لا تزال في جيبي"

وقد كان احسان عبد القدوس صاحب فكره ومؤسس وكاتب مذكره برنامج إنشاء(‏ المجلس الأعلي للآداب والفنون)‏ سابقا قدمها لعبد الناصر وأحيلت إلي كمال الدين حسين‏ غير أن احسان فوجيء بـ‏(‏ يوسف السباعي‏)‏ يخطره انه استبعد من العضوية العليا للمجلس بعد إنشائه إلي مجرد عضو مهمش في احدي لجان المجلس‏‏ ولعل هذا السبب الأول بجانب عديدا من العوامل جعلت احسان عبد القدوس يرفض في حياته الجائزة التقديرية‏ لأنه فقد الثقة في المعايير السياسية وتوازنات المصالح والقوي البعيدة كل البعد عن قيمه وجداره الرمز الفكري والثقافي والأدبي ومدي تأثيره في مسار الأدب والثقافة المصرية العربية...

‏و قد ترك احسان عبد القدوس رئاسة مؤسسه‏(‏ أخبار اليوم‏) عام 1974 ‏ لخلاف مع‏(‏ أنور السادات وأصبح كاتبا متفرغا بالأهرام‏ ثم أصبح عام‏1975‏ رئيسا لمؤسسه وتحرير الأهرام ثم تركها فجاه بعد شهور‏(‏ قيل بسبب رفض احسان نقل بعض من كتاب وصحفيين يساريين‏, ‏ كذلك رفض إغلاق‏(‏ مجله الطليعة‏)‏ التي كان يرأسها( لطفي الخولي‏)‏ وسافر إلي الخارج فتره ثم عاد كاتبا متفرغا في الأهرام‏ بعد أن توقف عن الكتابة في السياسة وانفجرت موهبته القصصية والروائية فأبدع كما غزيرا من الأعمال الجديرة بالتقييم النقدي ...

لعل أبرزها الدراسته التي نشرت في مجله الهلال عام‏1977(‏ المراه والحرية في عالم احسان عبد القدوس القصصي والروائي‏)‏ وقد كان للحوار الذي نشر بمجله‏(‏ الدوحة‏)‏ القطرية أثناء ازدهارها تحت رئاسة‏(‏ رجاء النقاش‏)‏ والذي كان يدور عن صمته عن الكتابة السياسية وقربه وزمالته للسادات منذ عام ‏1948‏ ومعرفته بعبد الناصر منذ‏1950‏ قبل الثورة‏‏‏‏ ما يعنيني هو تأمل بتركيز درس احسان عبد القدوس ككاتب سياسي وروائي ينتسب لجيل الأربعينيات المجيد نفس جيل ضباط يوليو‏1952‏ فلقد عاش كصحفي يؤمن بحريه الرأي والتعددية وحق الاختلاف وسط الغليان السياسي الذي يجسد انهيارات النظام الملكي وفشل الأحزاب التقليدية‏‏ بما فيها الوفد بعد أن انتهي دوره بعد معاهده‏1936‏ وظهور قوي شابه جديدة تتمرد علي الأحزاب التقليدية التي تتصارع علي الكرسي الوزاري وتوزعت هذه القوي بين مصر الفتاه وتحوله للحزب الاشتراكي الوطني بقياده (احمد حسين‏)‏ والإخوان المسلمين‏ بقيادة(‏ حسن البنا‏) والتنظيمات الماركسية والطليعة الوفدية‏ وكان موقف احسان السياسي هو رفض النظام الملكي والأحزاب التقليدية‏ لم يؤمن بزعيم معين من القدامى خريج من كليه الحقوق واحتك بالقوي السياسية الجديدة ووضع مجتمع الأربعينيات السياسي والاقتصادي والاجتماعي المأزوم‏ فاختار استقلالية الرأي وكان صوتا ديمقراطيا ((ولا جدال أن البيئة الفنية والصحفية التي تفتح عليها وعيه ساعدته علي شق طريقه الصحفي فالأب محمد عبد القدوس كاتب ومثقف مهندس وممثل له تميزه والأم فاطمة اليوسف سيده عربيه عظيمة شقت طريقها منذ أن جاءت إلي مصر في العشرينيات مهاجرة من لبنان وأصبحت من رموز مسرح رمسيس ))وهذا هو درس احسان ودرس الماضى الساقط علي الحاضر....

فى الاحتفال الذي أقامته روزاليوسف وأسرة الكاتب الراحل احسان عبد القدوس بمناسبة مرور ثمانين عاما علي مولده ومرور تسع سنوات علي رحيله‏, ‏ في الصالون الأدبي الذي شارك فيه الدكتور مفيد شهاب وزير التعليم العالي والدولة للبحث العلمي والمهندس إبراهيم شكري رئيس حزب العمل والدكتور صلاح فضل رئيس قسم اللغة العربية وآدابها بجامعه عين شمس والأديب محمد عبد القدوس والأستاذة لوتس عبد الكريم رئيس تحرير مجله شموع والأستاذة نرمين القوي سني‏.‏ مع عدد كبير من الكتاب والنقاد والمثقفين والفنانين‏‏ أدار الحوار الأستاذ صلاح عيسي الذي أشاد بنضال ودور احسان عبد القدوس في الدفاع عن الحريات طيلة حياته كرائد من رواد الحرية السياسية والاجتماعية‏, وفي البداية تحدث الدكتور مفيد شهاب وزير التعليم العالي والدولة والبحث العلمي عن احسان عبد القدوس ومعركته مع الحياة منذ أن كان تلميذا بمدرسه السلحدار حتى تخرج في كليه الحقوق بجامعه القاهرة ثم اشتغاله بالمحاماة لمده عام ثم التحاقه بعدها بالعمل في روزاليوسف ودخوله السجن بسبب احدي مقالاته‏ وتهيأت له كل الفرص والظروف للعمل في جريده الأخبار لمده ‏8‏ سنوات ثم عمل بجريده الأهرام وعين رئيسا لتحريرها‏ وأضاف الدكتور مفيد شهاب أن احسان المناضل الوطني أثار قضايا الاسلحه الفاسدة انطلاقا من مناهضته للفساد السياسي‏..
وقد أسهب احسان في الحديث عن الحرية في أعماله الادبيه والصحفية حتى امتزجت لديه النزعة الادبيه الاصيله مع الحرفة الصحفية‏ وكانت كتابات احسان بالمقارنة لـ( نجيب محفوظ)و(يوسف السباعي) اقرب إلي روح الشباب‏‏ كما كانت رواياته تصدر عن حس وطني مؤثر فنجد رواية في بيتنا رجل تدعو للمشاركة السياسية‏‏ وأيضا علي مقهى في الشارع السياسي تكشف عن حبه العميق لوطنه‏...

تقول الأستاذة لوتس عبد الكريم رئيسه تحرير مجله شموع‏ عرفت الأستاذ احسان عبد القدوس منذ ‏15‏ عاما حيث كنت أواظب علي زياراته الاسريه كصديق للعائلة وتوطدت العلاقة مع عائلته وأبنائه ‏ محمد الذي اخذ الجانب الديني من جده ومثل الاتجاه الديني في والده‏ وأما احمد فهو رجل أعمال وأما والدتهم فقد كتب عنها الأستاذ احسان في كثير من رواياته وكان يسميها رئيسه مجلس أداره حياتي لقدرتها الفائقة علي أداره دفه الحياة كلها‏‏ وفي روايته‏(‏ لاتطفيء الشمس‏)‏ قال عنها أنها الحياة ومحور الحياة وكتب لها إهداء قال فيه‏""‏ إلي الهدوء الذي صان ثورتي والعقل الذي أضاء فني والصبر الذي غسل ذنوبي‏""‏وفي تعليقها على أعمال أحسان عبد القدوس تتساءل الناقدة لماذا لم ينل أحسان عبد القدوس حظا وافرا من اهتمام النقاد؟ ثم تجيب: لعل وصف العقاد لأدب أحسان بأنه أدب فراش وأدب جنس لا يزال يتردد صداه في آذان النقاد. وفي رأيها فإن أعمال عبد القدوس تنتسب إلى الإعداد السينمائي بأكثر من انتسابها إلى لون أدبي آخر ومع ذلك فإن الحفاوة بأعمال أحسان عبد القدوس عقب وفاته قد أسفرت عن بعض الملامح في الملفات التي أصدرتها المجلات الثقافية عن الكاتب وفي عشرات المقالات والأحاديث التي تناولت حياته وأدبه...

وقد توفي احسان عبد القدوس فى 11 يناير 1990، ومازال اسمه يلمع عالميا بأعماله وإبداعاته المتميزة‏....

عن مصادر عدة من على شبكه الانترنت