كما كره الإسلام وكرَّه الرَّهبانية والعزوبة في الذكور ، حرّم العصرة أو العضل (منع الإناث من الزواج ظلماً) بل جعل تزويج البنت البالغة من السنّة الحسنة المؤكدة ، معتبراً حاجتها الاُنثوية من الحاجات التي يجب اعطاؤها حقها ، كشفاء المريض واطعام الجائع وإرواء الظمآن ، حتى جعل اتباعه يتحدثون فيما بينهم عن من يعضل اخواته أو بناته أن اللَّه يحاسبه على كل غسلة تغتسلها إحداهنّ وهنّ أيامى‏ (بلا أزواج) .

وأُعطيت المرأة ايضاً حق الشكوى إذا قصّر الزوج عن ارضائها ، إن تركها أكثر من أربعة أشهر مسافراً ، أو أكثر من اربعين ليلة حاضراً ، وكذلك إذا قَصُر عنها بالعُنّة والعجز ، فيجوز لها طلب التفريق عندئذٍ .

وفيما يخص حق حرية المرأة في الزواج جاء في صحيح مسلم عنه‏9 أنه قال : « لا تُنكح البكر حتى تُستأذن ، ولا تُنكح الثيب حتى تُستأمر». *

وهناك حديث أخرجه ابن عساكر الدمشقي عن ابن عباس أن بكراً زوّجها ابوها وهي كارهة ، فأتت النبيّ فذكرت له ذلك ، فخيّرها رسول اللَّه‏9 ، ويُفهم منه أن الأب وافق على‏ زواجها قبل‏* أن يبلّغها به ، ثم بلّغها واستأذنها - كما في الحديث السابق - أي طلب منها الموافقة ، وحسب منطوق الحديث اللاحق يجوز لها النطق بالرفض ، أما إذا سكتت حُسبت موافقة ، ذلك أن العذراء الصغيرة تخجل غالباً من النطق بقبول الزواج ، أما الثّيب وهي من تزوّجت سابقاً ، فقد امتلكت تجربة وعقلاً يخوّلانها تقرير الزواج بارادتها . والذين اشترطوا إذن الولي للعقد إنما نظروا إلى أن المرأة البكر مع اقرار حقها في الاختيار تمنع من انفرادها به مع عدم تجربتها للأمر سابقاً ، وبطبيعة الحال يحتمل غلبة عواطفها على‏ عقلها عندئذٍ ، فيضمّ عقل وليّها إليها دعماً ونظراً لها لا عضلاً وعصراً وضرراً ، أما إذا بلغ ذلك فهنالك القاعدة الفقهية العامة : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام على‏ أحد» ، ثم هم إنما يحصرون الولاية في الأب والجدّ للأب ، ولا يسمحون بها لغيرهما من‏* عمّ أو أخ أو أم ، تضييقاً لدائرة الولاية ، وتوسيعاً لنطاق حق الحرية للمرأة .


أما عن تعدد الزوجات فقد عرفته المجتمعات القديمة ، وكان في الجاهلية بلا قيود ولا حدّ أعلى‏ للزوجات . وقد خطا الإسلام خطوة مهمة بوضع حدّ أعلى‏ لذلك هو أربع زوجات ، وقد اتخذ هذا الحدّ وضعه القانوني في الإسلام بنصّ القرآن الكريم في سورة النساء ، حيث قال تعالى‏ : (فانكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ، وكان هذا من الأحداث البارزة في السيرة النبوية* الشريفة في صدر الإسلام ، حيث ترتب عليه تسريح ما زاد على‏ الأربعة منهن ، وامتاز ابن حبيب في كتابه المحبّر بذكر رجال من ثقيف وغيرهم كانت لديهم عشر زوجات فسرحوا منهن ستة ،* وهم مذكورون على‏ سبيل المثال لا الحصر طبعاً ، حيث أن التاريخ إنما يؤرّخ غالباً للنخبَ ذوي المكانة الاجتماعية ، وليس للاستقصاء .