بسم الله الرحمن الرحيم




الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مقدمة لقانون التوبة :



أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس سنن الله في خلقه ، واليوم الحديث عن قانون التوبة ، لكن لابد من مقدمة :

1 – الإنسان معرَّضٌ للكسر العضوي :

عظم الإنسان أيها الإخوة معرض للكسر ، لذلك ربنا جل جلاله خلق في هذا العظم خاصية رائعة جداً ؛ أنه إذا كُسر يلتئم ، دور الطبيب العظمي أن يضع العظمة على أختها في مكانها الصحيح ، والعظم يستيقظ الخلايا ، وتلتئم هذه الكسور ، وتعود إلى ما كانت عليه ، لأن خلق الله كمال مطلق ، وقد علم الله أن هذا الإنسان معرض أن تكسر عظامه ، فهيأ آلية بالغة التعقيد في التئام الخلايا العظمية .

2 – الإنسان معرَّضٌ للكسر المعنوي بالذنوب :

إن الله سبحانه وتعالى علِم ضعف الإنسان ، وعلم أن فيه شهوات ، إن لم يكن واعياً ، وصاحياً ، وموصولاً ، ومستنيراً فقد تزل قدمه ، فقد يعصي ربه ، لو لم يكن هناك توبة لكان أصغر ذنب سبباً لدخول النار .
حينما يرى الإنسان أنه لا توبة ، وارتكب معصية فإنه يتابع المعاصي ، ويرفع مستوى المعاصي ، بل يرتكب جميع المعاصي ، إلى أن يستحق النار ، ولولا أن الله شرع لنا التوبة لهلك معظم الناس .
لكنك إذا دخلت إلى مسجد ، قد ترى فيه آلافاً مؤلفة ، فاعلم علم اليقين أن معظم هؤلاء أتوا إلى الله عز وجل على إثر معالجةٍ حكيمةٍ حكيمة ، ساق الله لهم بعض الشدائد فتابوا إليه وقبِلهم .

3 – وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ

إذاً : يقول الله عز وجل :

{وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً }


( سورة النساء الآية : 27 ) .


4 – إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ

بل الله :


{إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ }



( سورة البقرة ) .

بل يقول عليه الصلاة والسلام :
((لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد ، ومن الضال الواجد ، ومن الظمآن الوارد)) .


[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ] .

لكن النبي عليه الصلاة والسلام قدم لنا صورة بالغة الروعة ، حينما ساق لنا حكاية قصيرة عن أعرابي ركب ناقته ، وعليها طعامه وشرابه ، فجلس ليستريح بعض الوقت فاستيقظ فلم يجد الناقة ، وهذا الكلام يعرفه من عاش بالصحراء ، إذا ضلت عنه الناقة موته محقق فبكى ، ثم بكى ، ثم بكى فأدركته سنة من النوم ، فاستيقظ فرأى الناقة ، اختل توازنه اختلال شديد ، فصاح من شدة الفرح : يا رب أنا ربك وأنت عبدي ، وقد نطق بكلمة الكفر لكن بعض العلماء قال : ما كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه ، لم يعلق النبي على مقولة هذا الأعرابي .
عَن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ ، فَأَيِسَ مِنْهَا ، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي ، وَأَنَا رَبُّكَ ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ )) .
[ مسلم ]

لله أفرح بتوبة عبده من ذاك البدوي بناقته .
إذاً : لولا أن الله يعلم ضعفنا ، ويعلم أن الشهوات أودعها فينا تحتاج إلى رؤية ، وإلى نور ، وإلى صحوة ، وإلى يقظة ، ففي بعض حالات الغفلة قد تزل قدم الإنسان ، فهيأ الله لنا التوبة لعلاج هذه الحالة ، كما هيأ خاصة في العظم أنه يلتئم ، لأنه علم أن هذا العظم قد يكسر أحياناً .