أولاً: احكام الطلاق
تمهيد
الطلاق يعني الفراق والإنفصال بين الزوجين حسب شروط وأحكام شرعية.
والطلاق - بشكل مبدئي - جائز، إلا أنه مكروه كراهة شديدة، فقد جاء في الحديث الشريف عن الامام الصادق عليه السلام، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «...ما من شيء أحبّ إلى الله عزوجل من بيت يعمر بالنكاح، وما من شيء أبغض إلى الله عزوجل من بيت يخرب في الإسلام بالفرقة، يعني الطلاق.»1 وجاء عن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً: «ما من شيء مما أحلّه الله أبغض إليه من الطلاق، وإنَّ الله عزوجل يبغض المطلاق الذوّاق.»2
فالإسلام يهتم باستمرارية آصرة النكاح بين الزوجين والحفاظ على كيان الاُسرة.
وينبغي للزوج باعتباره القيِّم والمسؤول في الأسرة أن يحل المشاكل الناجمة بينه وبين زوجته بالتي هي أحسن، وأن يسلك كل الطرق التي تحافظ على العلاقة الزوجية.
وإذا استفحلت الامور، واستعصت المشاكل على الحل الداخلي بحيث خيف وقوع الشقاق بينهما، ينبغي - حسب التوجيه القرآني - اللجوء إلى التحاكم إلى أقارب الطرفين قبل التفكير في الطلاق، فيبعث أهل الزوج حكماً منهم، وأهل الزوجة حكماً منهم، لكي يتدارسا أسباب الخلاف وطرق الحل والوئام، وإذا توصلا إلى حل يرضي الطرفين حاولا تطبيقه، وبالطبع إذا كان الزوجان يرغبان في الإبقاء على كيان الاسرة وعدم الشقاق فإنهما سيقبلان بالحل، وتعود المياه إلى مجاريها الطبيعية. قال الله سبحانه:(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا(النساء،35
فليس من المحَّبذ في الشريعة الاسلامية اللجوء إلى الطلاق دون تريث، ودون سلوك الطرق الأخرى لتجنب الوقوع فيما تعتبره الأحاديث الشريفة أبغض الحلال.
وقبل بيان الأحكام والشروط نستلهم بعض الرؤى والبصائر من آيات الذكر الحكيم حول الطلاق، كما نتلو عدداً من الروايات الشريفة حول موقف الإسلام من هذه الظاهرة السلبية في المجتمع.


الطلاق المشروع
1- فـي اول آية من سورة الطلاق يوجه الله الخطاب الى رسوله بصورة خاصة: «يا أيها النبي» باعتبــاره مسؤولا عن الامة و شاهدا عليها، ثم يعم المسلمين ببلاغة فائقة: (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء(، وذلك لكي ينسف المزاعم التي تقول بان علاقة الرجل بزوجته وتدبيره لشؤونها أمر خاصٌ به، ولا يمت بصلة الى الدين الذي تمثله القيادة الاسلامية، ويؤكد بان هذا الوهم غلط فاضح ، لان علاقة الرجل بزوجته لا تقف عند حدود مصالح الفرد بل تنتشر إلى كل إمرأة.
أوليست الزوجة عضوة في المجتمع الاسلامي، وبالتالي لها إمتداداتها وعلاقاتها بالمجتمع وبقيادته؟ فلابد إذاً أن يكون التعامل معها ضمن حدود الله وتوجيه القيادة الالهية. ولذلك بدأ الخطاب بالنبي ثم توسع إلى سائر المسلمين.
والملاحظ انه تعالى قال: «طلقتم» بصيغة الماضي، ثم قال: «فطلقوهن» مما يدل على أن للطلاق مرحلتين: المرحلة النفسية الداخلية، والمرحلة القانونية الظاهرية، وتلك تسبق هذه، إلا أنها لا تكفي لتحقق الطلاق لانه يجب إجراء الطلاق وفق حدوده ومنها الصيغة التي تفيد إيقاعه، كقول الرجل: زوجتي فلانة طالق، أو: أنت طالق.
ولعل كلمة «النساء» تنصرف إلى الزوجات اللاتي تم الدخول بهن، فان غير المدخول بها ليس لها عدة، لان الحكمة منها، حسب الاخبار، هو منع إختلاط المياه، وهذا منتف في غير المدخول بهن.
ولأن هناك طلاق الجاهلية وطلاق البدعة، لم يدع الوحي الكلمة هكذا إنما حدد النوع المشروع والصحيح من الطلاق، وهو الذي تأتي الآيات اللاحقة على بيان حدوده وشروطه، ومن شروطه العدة، وأن يتم في طهر لم يواقعها فيه، لانه وحده الذي يدخل في حساب العدة الشرعية.


منع الطلاق لا يحل المشكلة
2- وكلمة «طلقوهن» من الناحية القانونية تعتبر تشريعا للطلاق، الامر الذي يختلف فيه الاسلام عن بعض المذاهب التي حرمته ومنعته فلم تحل المشكلة، بل تسببت في كثير من المشاكل النفسية والاسرية والاجتماعية.
وقال الله سبحانه: «فطلقوهن لعدتهن» ولم يقل للعدة، ذلك لأن العدة تختلف عن امرأة لاخرى، فعدة الحامل - مثلاً - تختلف عن غير الحامل.


متى تتحرر المطلَّقة؟
3- وتهدينا الآية إلى أن المرأة لا تنفصل كليا عن زوجها بمجرد أن تنطلق من لسانه صيغة الطلاق الاولى، لتكون حرة في إختيار غيره مثلا، إنما تبقى في بيته وتحت مسؤوليته أثناء عدتها، فاذا انتهت العدة سرى مفعول الطلاق عمليا فتنفصل المرأة عن زوجها تماما لتصبح في غير عهدته إلا أن يرجع إليها وترجع إليه، لذلك قال تعالى:
(وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ(
وقد أمر الرجل بالذات بالاحصاء لأن الطلاق بيده ولأنه المسؤول عن المرأة في سكنها ونفقتها وحمايتها، فلابد أن يحصي العدّة لكي يعرف بالضبط متى يمكنه التحلل من هذه المسؤولية الشرعية.
والتأكيد على التقوى بعد الامر بإحصاء العدة يهدينا الى ضرورة الدقة في الحساب، لان التقوى هي التي تمنع الكذب والتلاعب.
وفي الآية تحذير للزوجين بأن الله رقيب وشاهد لا يمكن مخادعته أبداً، وينبغي إتقاء سخطه وعذابه (وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ(.
ولان فترة العدة مصيرية بالنسبة لعلاقة الطرفين، ففيها يراجع الرجل نفسه ويُقيِّم زوجته من جديد ليقرر الرجوع إليها أو الانفصال عنها، فيجب عليه أن يراقب الله في كل ذلك ويكون منصفا.


العدة وبيت الزوجية
4- ويوصل القرآن الدعوة للتقوى بالنهي عن إخراج المطلقات - طلاقاً رجعياً أو المطلقة الحامل - من بيوت الزوجية قبل تمام العدة، وهكذا نهيهن عن الخروج، لان ذلك هو الآخر يحتاج الى المزيد من خشية الله وتقواه، يقول سبحانه:
(لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ(
إذن فقول الرجل لامرأته: «أنتِ طالق» لا يُخرجها من مسؤوليته، ولا يبرر لها التمرد عليه.. فان البيت يبقى بيتها لا يجوز له إخراجها منه، وهي تبقى في عهدته لا يحق لها الخروج من بيت الزوجية مادامت العدة لم تنقض.
ولعل بقاء المرأة في بيت زوجها أثناء العدة في الطلاق الرجعي - بالذات مع ملاحظة ما ندب إليه الاسلام من التبرج والتزين لزوجها - صلاح كبير، باعتباره يشدهما لبعضهما، ويعيد الرجل إلى زوجته من زوايا إنسانية وعاطفية وجنسية، حيث يرى ضعفها وانكسارها بين يديه، وحيث يرىالزينة والجمال، ومن زاوية دينية أيضاً، وذلك باستشعار التقوى إن كان ثمة طريق للرجعة والانسجام. قال الامام الصادق - عليه السلام - : «المطلقة تكتحل وتختضب وتطيب وتلبس ما شاءت من الثياب لان الله عز وجل يقول: (لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا( لعلها ان تقع في نفسه فيراجعها.»5
ويستثني القرآن مبرراً واحداً تبين بسببه الزوجة من زوجها مباشرة بحيث يجوز له إخراجها من بيته فلا يكون بيتها ولا يتحمل مسؤولية الانفاق و ما أشبه في العدة ، وهو أن تأتي بفاحشة، يقول سبحانه:
(إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ(
والفاحشة المبينة تعم الذنوب الكبيرة، وبالذات تلك التي تؤثر في العلاقات الزوجية، كما جاء في عدة نصوص منها المروي عن الامام الباقر - عليه السلام - في تفسير الآية «انها الايذاء»6، ومنها المأثور عن الامام الرضا - عليه السلام - قال: «الفاحشة ان تؤذي اهل زوجها وتسبهم».