عبد الله بن العباس

حبر الامة وترجمان القرآن


هو ابن العباس بن عبد المطلب بن هاشم عم الرسول صلى الله عليه

وسلم كني بأبيه العباس ، وهو أكبر ولده ولد بمكة ، والنبي صلى الله

عليه وسلم وأهل بيته بالشعب من مكة ، فُأتي به النبي صلى الله عليه

وسلم فحنكه بريقه ، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين .

ولقبه حبر هذه الأمة، هيأه لهذا اللقب، ولهذه المنزلة استنارة عقله وذكاء قلبه، واتساع معارفه.

ويشبه ابن عباس عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما في أنه أدرك الرسول

صلى الله عليه وسلم وعاصره وهو غلام ، ومات الرسول صلى الله عليه

وسلم قبل أن يبلغ ابن عباس سن الرجولة ، لكنه هو الآخر تلقى في حداثته

كل خامات رجولته ومبادئ حياته من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي

علمه الحكمة الخالصة ، وبقوة إيمانه و خلقه وغزارة عِلمه اكتسب ابن عباس رضي الله عنه مكانا عاليا بين الرجال حول الرسول .



طفولته




على الرغم من أنه لم يجاوز الثالثة عشر من عمره يوم مات الرسول صلى

الله عليه وسلم ، فأنه لم يضيع من طفولته الواعيـة يوما دون أن يشهد

مجالس الرسـول صلى الله عليه وسلم ويحفظ عنه ما يقول .

ولقد عرف طريق حياته في أوليات أيامه وازداد بها معرفة عندما رأى

الرسول عليه الصلاة والسلام يدنيه منه وهو طفل ويربت على كتفه وهو يقول : " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"

ثم توالت المناسبات والفرص التي يكرر فيها الرسول صلى الله عليه

وسلم هذا الدعاء ذاته لابن عمه عبدالله بن عباس..

وآنئذ أدرك ابن عباس رضي الله عنه أنه خلق للعلم، والمعرفة.

وكان استعداده العقلي يدفعه في هذا الطريق دفعا قويا.



فضله





رأى ابن العباس رضي الله عنهما جبريل عليه السلام مرتين عند النبي

صلى الله عليه وسلم ، وسمع نجوى جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم

وعاينه ، فهو ترجمان القرآن ودعا له الرسول صلى الله عليه وسلم مرتين

وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول :

( نحن أهل البيت ، شجرة النبوة ، ومختلف الملائكة ، وأهل بيت الرسالة ، وأهل بيت الرحمة ، ومعدن العلم )

وقال رضي الله عنه :

( ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " اللهم علمه الحكمه " )

قال ابن عساكر :

( كان عبد الله أبيض طويلا مشربا صفرة ، جسيما وسيما ، صبيح الوجه ،

له وفرة يخضب الحناء ، وكان يسمى ، الحبر والبحر ، لكثرة علمه وحِدة

فهمه ، حبر الأمة وفقيهها ، ولسان العشرة ومنطيقها ، محنك بريق النبوة ،

ومدعو له بلسان الرسالة : " اللهم فقّهه في الدين ، وعلمه التأويل " )

وعن عمر رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :

" إن أرأف أمتي بها أبو بكر ، وإن أصلبَها في أمر الله لعمر ، وإن أشدها

حياء لعثمان ، وإن اقرأها لأبي ، وإن أفرضَها لزَيَد ، وإن أقضاها لعلي،

وإن أعلمَها بالحلال والحرام لمعاذ ، وإن أصدقها لهجة لأبو ذر ، وإن أميرَ

هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ، وإن حَبرَ هذه الأمة لعبد الله بن عباس )

وكان عمـر بن الخطاب رضي اللـه عنه يحرص على مشورته ، وكان يلقبه : ( فتى الكهـول )

وقد سُئل يوما : أنى أصَبت هذا العلم ؟

فأجاب رضي الله عنه : ( بلسان سئول ، وقلب عقول )

وكان عمر إذا جاءته الأقضية المعضلة قال لابن عباس رضي الله عنهما :

( إنها قد طرأت علينا أقضية وعضل فأنت لها ولأمثالها )

ثم يأخذ بقوله .

قال ابن عباس رضي الله عنه :

( كان عمـر بن الخطاب يأذن لأهل بـدرٍ ويأذن لي معهم )

فذكـر أن عمر رضي الله عنه سألهم وسأله فأجابـه فقال لهم :

( كيف تلومونني عليه بعد ما ترون ؟)

وكان يُفتي في عهد عمر وعثمان رضي الله عنهما إلى يوم مات .



عِلمه




بعد ذهاب الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى حرص ابن

عباس رضي الله عنه على أن يتعلم من أصحاب الرسول صلى الله عليه

وسلم السابقين ما فاته سماعه وتعلمه من الرسول صلى الله عليه وسلم ،

وهنالك جعل من نفسه علامة استفهام دائمة ، فلا يسمع أن فلانا يعرف

حكمة، أو يحفظ حديثا، الا سارع اليه وتعلم منه..

وكان عقله المضيء الطموح يدفعه لفحص كل ما يسمع ، فهو لا يُعنى

بجمع المعرفة فحسب، بل ويُعنى مع جمعها بفحصها وفحص مصادرها.. يقول رضي الله عنه عن نفسه :

( ان كنت لأسأل عن الأمر الواحد، ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم )

ويعطينا صورة لحرصه على ادراكه الحقيقة والمعرفة فيقول :

( لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لفتى من الأنصار :

هلم فلنسأل أصحاب رسول الله، فانهم اليوم كثير.

فقال: يا عجبا لك يا بن عباس ، أترى الناس يفتقرون اليك، وفيهم من
أصحاب رسول الله من ترى..؟

فترك ذلك، وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله ، فان كان ليبلغني

الحديث عن الرجل، فآتي اليه وهو قائل في الظهيرة، فأتوسد ردائي

على بابه، يسفي الريح علي من التراب، حتى ينتهي من مقيله، ويخرج فيراني، فيقول :

يا ابن عم رسول الله ما جاء بك..؟ هلا أرسلت الي فآتيك..؟

فأقول لا، أنت أحق بأن أسعى اليك، فأسأله عن الحديث وأتعلم منه )

هكذا راح ابن عباس رضي الله عنه يسأل، ويسأل، ويسأل..

ثم يفحص الاجابة مع نفسه، ويناقشها بعقل جريء...

وهو في كل يوم، تنمو معارفه، وتنمو حكمته، حتى توفرت له في شبابه

الغض حكمة الشيوخ وأناتهم، وحصافتهم، فبلسانه المتسائل دوما،

وبعقله الفاحص أبدا، ثم بتواضعه ودماثة خلقه، صار ابن عباس رضي الله عنه " حبر هذه الأمة "

عن عبد الله بن عباس قال :

( كنت أكرمُ الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين

والأنصار ، وأسألهم عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما نزل

من القرآن في ذلك ، وكنت لا آتي أحدا منهم إلا سُر بإتياني لقربي من رسول

الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أسأل أُبي بن كعب يوما عما نزل من القرآن

بالمدينة ، فقال : ( نزل سبع وعشرون سورة ، وسائرها بمكة )

وكان ابن عباس رضي الله عنه يأتي أبا رافع ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول :

( ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم يوم كذا وكذا ؟)

ومع ابن عباس رضي الله عنه ألواح يكتب ما يقول .

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال :

( ذللتُ طالبا لطلب العلم ، فعززتُ مطلوبا )




مما قيل بابن عباس




- قال علي بن أبي طالب في عبد الله بن عباس رضي الله عنهما :

( إنه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق ، لعقله وفطنته بالأمور )

- ووصفه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بهذه الكلمات :

( ما رأيت أحدا أحضر فهما، ولا أكبر لبا، ولا أكثر علما، ولا أوسع حلما من ابن عباس .

ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، وحوله أهل بدر من المهاجرين والأنصار

فيتحدث ابن عباس، ولا يجاوز عمر قوله )

- وتحدث عنه عبيد بن عتبة رضي الله عنه فقال :

( ما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه

وسلم من ابن عباس ، ولا رأيت أحدا، أعلم بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان

منه ، ولا أفقه في رأي منه ، ولا أعلم بشعر ولا عربية، ولا تفسير للقرآن، ولا بحساب وفريضة منه ..

ولقد كان يجلس يوما للفقه.. ويوما للتأويل .. ويوما للمغازي .. ويوما للشعر ويوم لأيام العرب وأخبارها..

وما رأيت عالما جلس اليه الا خضع له، ولا سائلا الا وجد عنده علما )

- وقال عُبيد الله بن أبي يزيد رضي الله عنه :

( كان ابن عباس إذا سُئل عن شيء ، فإن كان في كتاب الله عز وجل قال

به ، وإن لم يَكن في كتاب الله عز وجل وكان عن رسول الله صلى الله عليه

وسلم فيه شيء قال به ، فإن لم يكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم

فيه شيء قال بما قال به أبو بكر وعمر ، فإن لم يكن لأبي بكر وعمر فيه شيء قال برأيه )

- ووصفه مسلم من البصرة :

( إنه آخذ بثلاث ، تارك لثلاث :

آخذ بقلوب الرجال إذا حدث

وبحُسن الإستماع إذا حدث

وبأيسر الأمرين إذا خُولف

وتارك المِراء ومُصادقة اللئام وما يُعتذر منه )

- قال مجاهد : ( كان ابن عباس يسمى البحر من كثرة علمه )

وكان عطاء يقول : ( قال البحرُ وفعل البحر )



تنوع ثقافته




كان تنوع ثقافته، وشمول معرفته ما يبهر الألباب ، فهو الحبر الحاذق الفطن في كل علم..

في تفسير القرآن وتأويله وفي الفقه.. وفي التاريخ.. وفي لغة العرب وآدابهم ..

ومن ثم فقد كان مقصد الباحثين عن المعرفة، يأتيه الناس أفواجا من أقطار

الاسلام، ليسمعوا منه، وليتفقهوا عليه..

حدث أحد أصحابه ومعاصريه فقال :

( لقد رأيت من ابن عباس مجلسا، لو أن جميع قريش فخرت به، لكان لها به

الفخررأيت الناس اجتمعوا على بابه حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر أن يجيء ولا أن يذهب..

فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال لي:

ضع لي وضوءا، فتوضأ وجلس وقال:

أخرج اليهم، فادع من يريد أن يسأل عن القرآن وتأويله.

.فخرجت فآذنتهم: فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سالوا عن شيء الا اخبرهم
وزاد..

ثم قال لهم : اخوانكم.. فخرجوا ليفسحوا لغيرهم.

ثم قال لي : أخرج فادع من يريد أن يسأل عن الحلال والحرام..

فخرجت فآذنتهم : فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سألوا عن شيء الا أخبرهم وزادهم..

ثم قال: اخوانكم.. فخرجوا..

ثم قال لي: ادع من يريد أن يسأل عن الفرائض، فآذنتهم، فدخلوا حتى ملؤا

البيت، فما سألوه عن شيء الا أخبرهم وزادهم..

ثم قال لي: ادع من يريد أن يسال عن العربية، والشعر..

فآذنتهم فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سألوه عن شيء الا أخبرهم وزادهم )



دليل فضله




كان أناس من المهاجرين قد وجدوا على عمر رضي الله عنه في إدنائه ابن

عباس رضي الله عنه دونَهم ، فقال عمر :

( أما إني سأريكم اليوم منه ما تعرفون فضله )

فسألهم عن هذه سورة النصر :

(( إذا جاء نصر اللهِ والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ))

قال بعضهم : ( أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم إذا رأى الناس يدخلون

في دين الله أفواجا أن يحمدوه ويستغفروه )

قال عمر رضي الله عنه :( يا ابن عباس ، ألا تكلم ؟ )

قال رضي الله عنه :

( أعلمه متى يموت ، قال :

(( إذا جاءَ نصر الله والفتح ))

والفتح فتح مكة

(( ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ))

فهي آيتك من الموت

(( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ))

ثم سألهم عن ليلة القدر فأكثروا فيها ، فقال بعضهم :

( كُنا نرى أنها في العشر الأوسط ، ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر )

وقال بعضهم : ( ليلة إحدى وعشرين )

وقال بعضهم : ( ثلاث و عشريـن )

وقال بعضهم :( سبع وعشريـن )

فقال بعضهم لابـن عباس رضي الله عنه :( ألا تكلم )

قال رضي الله عنه : ( الله أعلم )

قالوا : ( قد نعلم أن الله أعلم ، إنما نسألك عن علمك )

فقال ابن عباس رضي الله عنه :( الله وتر يُحِب الوتر ، خلق من خلقِه

سبع سموات فاستوى عليهن ، وخلق الأرض سبعا ، وخلق عدة الأيام

سبعا ، وجعل طوافاً بالبيت سبعا ، ورمي الجمار سبعا، وبين الصفا

والمروة سبعا ، وخلق الإنسان من سبع ، وجعل رزقه من سبعٍ )

قال عمر رضي الله عنه : ( وكيف خلق الإنسان من سبع ، وجعل رزقه من

سبع ؟ فقد فهمت من هذا أمراً ما فهمتُه ؟ )

قال ابن عباس رضي الله عنه :

( إن الله يقول :

(( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين *

ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام

لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ))

ثم قرأ :

(( أنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الأرض شقاً *فأنبتنا فيها حبا * وعنبا

وقضبا * وزيتونا و نخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة وأبا ))

وأما السبعة فلبني آدم ، والأب فما أنبتت الأرض للأنعام ، وأما ليلة القدر

فما نراها إن شاء الله إلا ليلة ثلاث وعشرين يمضين وسبع بقين )




المنطق والحُجة مع الخوارج





مع غزارة علمه، ونفاذ حجته، لم يكن يرى في الحوار والمناقشة معركة

ذكاء، يزهو فيها بعلمه، ثم بانتصاره على خصمه..

بل كان يراها سبيلا قويما لرؤية الصواب ومعرفته..

ولطالما روع الخوارج بمنطقه الصارم العادل..

ولقد بعث به الامام علي كرم الله وجهه ذات يوم الى طائفة كبيرة منهم

فدار بينه وبينهم حوار رائع وجه فيه الحديث وساق الحجة بشكل

يبهر الألباب..

سألهم ابن عباس رضي الله عنه :

( ماذا تنقمون من علي ؟ )

قالوا :

ننتقم منه ثلاثا :

أولاهن : أنه حكم الرجال في دين الله، والله يقول ان الحكم الا لله..

والثانية : أنه قاتل، ثم لم يأخذ من مقاتليه سبيا ولا غنائم، فلئن كانوا كفارا،

فقد حلت أموالهم، وان كانوا مؤمنين فقد حرمت عليه دماؤهم.

والثالثة : رضي عند التحكيم أن يخلع عن نفسه صفة أمير المؤمنين، استجابة

لأعدائه، فان لم يكن امير المؤمنين، فهو أمير الكافرين.

وأخذ ابن عباس رضي الله عنه يفند أهواءهم فقال :

" أما قولكم : انه حكم الرجال في دين الله، فأي بأس..؟ ان الله يقول:

(( يا أيها الذين آمنوا، لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم * ومن قتله منكم متعمدا

فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم ))

فنبؤني بالله : أتحكيم الرجال في حقن دماء المسلمين أحق وأولى، أم

تحكيمهم في أرنب ثمنها درهم..؟ )

وتلعثم زعماؤهم تحت وطأة هذا المنطق الساخر والحاسم ، واستأنف حبر

الأمة رضي الله عنه حديثه :

( وأما قولكم : انه قاتل فلم يسب ولم يغنم، فهل كنتم تريدون أن يأخذ عائشة

زوج الرسول وأم المؤمنين سبيا، ويأخذ أسلابها غنائم..؟ )

وهنا كست وجوههم صفرة الخجل، وأخذوا يوارون وجوههم بأيديهم..

وانتقل ابن عباس رضي الله عنه الى الثالثة :

( وأما قولكم : انه رضي أن يخلع عن نفسه صفة أمير المؤمنين، حتى يتم

التحكيم، فاسمعوا ما فعله الرسول يوم الحديبية، اذ راح يملي الكتاب الذي

يقوم بينه وبين قريش، فقال للكاتب:

اكتب. هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله.

فقال مبعوث قريش: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك..

فاكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله..

فقال لهم الرسول: والله اني لرسول الله وان كذبتم.. ثم قال لكاتب الصحيفة:

أكتب ما يشاءون : اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله )

واستمر الحوار بين ابن عباس رضي الله عنه والخوارج على هذا النسق الباهر المعجز..

وما كاد ينتهي النقاش بينهم حتى نهض منهم عشرون ألفا، معلنين اقتناعهم،

ومعلنين خروجهم من خصومة الامام علي .



أخلاق العلماء





لم يكن ابن عباس رضي الله عنه يمتلك هذه الثروة الكبرى من العلم فحسب ،

بل كان يمتلك معها ثروة أكبر، من أخلاق العلم وأخلاق العلماء.

فهو في جوده وسخائه إمام وعالم..

انه ليفيض على الناس من ماله ، بنفس السماح الذي يفيض به عليهم من علمه ،

ولقد كان معاصروه يتحدثون فيقولون :

( ما رأينا بيتا أكثر طعاما، ولا شرابا، ولا فاكهة، ولا علما من بيت ابن عباس )

وهو طاهر القلب، نقي النفس، لا يحمل لأحد ضغنا ولا غلا.

وهوايته التي لا يشبع منها، هي تمنيه الخير لكل من يعرف ومن لا يعرف من

الناس وها هو يقول عن نفسه :

( اني لآتي على الآية من كتاب الله فأود لو أن الناس جميعا علموا مثل

الذي أعلم ، واني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يقضي بالعدل،

ويحكم بالقسط ،فأفرح به وأدعو له ، ومالي عنده قضية ، واني لأسمع

بالغيث يصيب للمسلمين أرضا فأفرح به، ومالي بتلك الأرض سائمة )

وهو عابد قانت أواب ، يقوم من الليل ، ويصوم من الأيام ، ولا تخطئ

العين مجرى الدموع تحت خديه ، اذ كان كثير البكاء كلما صلى ، وكلما قرأ القرآن..

فاذا بلغ في قراءته بعض آيات الزجر والوعيد، وذكر الموت، والبعث علا نشيجه ونحيبه.

ركب زيد بن ثابت فأخذ ابن عباس رضي الله عنهما بركابه فقال له :

( لا تفعل يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم )

قال رضي الله عنه : ( هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا )

فقال له زيد رضي الله عنه : ( أرني يديك )

فأخرج يديه فقبلهما وقال :

( هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم )



موقفه من الفتنة





كان رضي الله عنه الى جانب علمه شجاع ، أمين ، حصيف..

ولقد كان له في الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما آراء تدل على امتداد فطنته ، وسعة حيلته.

فهو يؤثر السلام على الحرب.. والرفق على العنف.. والمنطق على القسر

و عندما هم الحسين رضي الله عنه بالخروج الى العراق ليقاتل زيادا،

ويزيد، تعلق ابن عباس به واستمات في محاولة منعه..

فلما بلغه فيما بعد نبأ استشهاده، أقضه الحزن عليه، ولزم داره.

وفي كل خلاف ينشب بين مسلم ومسلم، لم تكن تجد ابن عباس رضي الله

عنه الا حاملا راية السلم، والتفاهم واللين..

صحيح أنه خاض المعركة مع الامام علي رضي الله عنه ضد معاوية ،

ولكنه فعل ذلك لأن المعركة في بدايتها كانت تمثل ردعا لازما لحركة

انشقاق رهيبة، تهدد وحدة الدين ووحدة المسلمين.



البصرة





كان ابن عباس رضي الله عنه أمير البصرة ، وكان يغشى الناس في شهر

رمضان ، فلا ينقضي الشهر حتى يفقههم ، وكان إذا كان آخر ليلة من شهر

رمضان يعظهم ويتكلم بكلام يروعهم ويقول :

( ملاك أمركم الدين ، ووصلتكم الوفاء ، وزينتكم العلم ، وسلامتكم الحلم

وطولكم المعروف ، إن الله كلفكم الوسع ، اتقوا الله ما استطعتم )



الوصية




قال جندب لابن عباس رضي الله عنهما : أوصني بوصية

قال رضي الله عنه :

( أوصيك بتوحيد الله ، والعمل له ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، فإن

كل خير أنت آتيه بعد هذه الخصال منك مقبول ، وإلى الله مرفوع ،

يا جندب إنك لن تزداد من يومك إلا قربا ، فصل صلاة مودع ، وأصبح

في الدنيا كأنك غريب مسافر ، فإنك من أهل القبور ، وابكِ على ذنبك ،

وتب من خطيئتك ، ولتكن الدنيا أهون عليك من شسع نعليك ، وكأن قد

فارقتها ، وصرت إلى عدل الله ، ولن تنتفع بما خلفت ، ولن ينفعك إلا عملك )



اللسان



قال ابن بريدة رضي الله عنه :

( رأيت ابن عباس آخذا بلسانه ، وهو يقول :

ويحك ، قل خيرا تغنم أوِ اسكت عن شرتسلم ، وإلا فاعلم أنك ستندم )

فقيل له : يا ابن عباس !لم تقول هذا ؟

قال رضي الله عنه : ( إنه بلغني أن الإنسان ليس على شيء من جسده

أشد حنقا أو غيظا يوم القيامة منه على لسانه ، إلا قال به خيرا أو أملى به خيرا )



المعروف




وقال ابن عباس رضي الله عنه :

( لا يتم المعروف إلا بثلاثة :

تعجيله ، وتصغيره عنده وستره ، فإنه إذا عجله هيأه ، وإذا صغره عظمه ، وإذا ستره فخمه )


معاوية وهرقل

كتب هرقل إلى معاوية وقال :

( إن كان بقي فيهم من النبوة فسيجيبون عما أسألهم عنه )

وكتب إليه يسأله عن المجرة وعن القوس وعن البقعة التي لم تُصِبها الشمس

إلا ساعة واحدة ، فلما أتى معاوية الكتاب والرسول ، قال :

( هذا شيء ما كنت أراه أسأل عنه إلى يومي هذا ؟ )

فطوى الكتاب وبعث به إلى ابن عباس رضي الله عنه ، فكتب إليه :

( إن القوس أمان لأهل الأرض من الغرق ، والمجرة باب السماء الذي تنشق

منه ، وأما البقعة التي لم تُصبها الشمس إلا ساعة من نهار فالبحر الذي انفرج عن بني إسرائيل




وفاته




عاش ابن عباس رضي الله عنه يملأ دنياه علما وحكمة ، وينشر بين الناس عبيره

وتقواه وفي آخر عمره كف بصره ..

وفي عامه الحادي والسبعين ، دعي للقاء ربه العظيم وشهدت مدينة الطائف

مشهدا حافلا لمؤمن يزف الى الجنان .

وبينما كان جثمانه يأخذ مستقره الآمن في قبره، كانت جنبات الأفق تهتز بأصداء وعد الله الحق :

(( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ))








عليه رضوان الله




منقول للامانه

اختكم شهيدة