الحركة الكشفية

بداية من الأديان السماوية إلى المبادئ أخلاقية سامية تأمر كلها بالمعروف وتنهى عن المنكر وتوصي بالعدل وحب الغير ، وقد جاء الدين الإسلامي الطاهر السمح مؤكدا لهذه المبادئ فأكد مبادئ الأخلاق وأرسى قواعدها ، لقد قال سبحانه وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام ( وأنك لعلى خلق عظيم ) ، وجاء القرآن يحث على كريم الخلق في آيات عديدة ( كنتم خير أمةً أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) وهذه الأسس الأخلاقية نجدها في التربية الكشفية تكتسي بالصبغة التطبيقية الملاءمة لسن الأطفال والفتيان ، فحركتنا ترمي إلى غر الفضائل في نفوس الشباب ، وإقتلاع الرذائل منها ، وصقل مواهبهم حتى يكونون مواطنين صالحين . لقد لخص مؤسس الحركة الكشفية في آخر حياته الطويلة الزاخرة أهداف الحركة الكشفية في الكلمات التالية :- لنحافظ إذاً أثناء تدريب كشافينا على إبقاء الهداف العليا في المقدمة ، ولا ننغمس في الوسائل – إياكم أن تسمحوا للوسائل أن تتغلب على المثل ، فليست مشاريع الحقول والغابات والتخييم والتسلق والدورات التدريبية هي الغاية ، أن الغاية من الكشفية هي التكوين مع الهدف .أما الهدف فهو أن يصبح الجيل الجديد جيلاً سليماً في عالم غير سليم يضفي على مفاهيم الخدمة المحبة والواجب لله والغير ، هكذا نرى مؤسس الكشفية في العالم يركز حركته على التكوين وهذه الغاية ليست خاصة ولا قاصرة على الكشفية بل دعت الأديان السماوية إليه في كل مجالات الحياة ... فكيف عملت الكشفية على تطبيقها ؟ أنتقى مؤسس الكشفية من المبادئ الأخلاقية العامة صفات تتماشى وسن الفتية والشباب الذين تعنى بهم الكشفية وجعل الوعد والقانون لغرس هذه الصفات الحميدة في نفوس الكشافين ووضع أساليب مشوقة وجذابة جداً لتطبيق هذه المبادئ وأبدع في أختيار هذه الأساليب كما أدخل عليها روحاً خاصة تمتاز بها الحركة الكشفية دون غيرها من الحركات التربوية ، فإذا كانت المبادئ التي تتركز عليها التربية الخلقية في الكشفية ليست خاصة بها وإنما مستمدة من التعاليم الدينية ، حيث الأساليب والطرق المتبعة في الكشفية تركز على محيطات علم النفس الحديث وتتبع معالم العصر . والقانون . فالوعد هو ذلك القسم الذي يؤديه الفتى عندما ينضم للحركة الكشفية والذي يتعهد بموجبه بخدمة الغير وخدمة وطنه والاتصاف بصفات القانون الكشفي، ويأخذ الكشاف على نفسه هذا الوعد عن طواعية بدون أي إكراه ونظرا لما يحتاجه تطبيق الوعد من جهد ، فقد أضيف إليه فقره لتأكيد بذل الجهد وتتمثل في الجملة " أن أبدل أقصى جهدي " إذا لا يمكن لآي بشر كان أن يتعهد تعهدا مطلقا بخدمة وطنه والغير والامتثال إلى قانون الكشاف إلا من كانت له عزيمة قوية يتعهد ببذل أقصى جهده للقيام بواجبه ، أما القانون فهو مجموعة الخصال التي نود أن يتحلى بها الفتية والشباب حتى نؤهلهم ليكونوا مواطنين صالحين تتلخص في عشرة بنود وهي ليست مبادئ معنوية جامدة وإنما نصائح عملية يمكن تطبيقها والعمل بمقتضاها بسهولة والغرض من ممارستها تمكين العادات الطيبة والحميدة من حياة الفتة والشاب حتى تمتزج بطبعه وتنصهر مع مزاجه فتلازمه طول حياته وفي ذلك النفع العميم ، فالصدق في القول والوفاء بالوعد والشهامة والإخلاص واللياقة والإخوة والطاعة واحترام الغير كلها خصال ضرورية للحياة الاجتماعية السليمة ، فالتربية الكشفية التي أساسها الوعد والقانون ترمي إلى تكوين شخص على المستوى الشخص وعلى المستوى الاجتماعي فمن جهة ترمي إلى صقل مواهبه وغرس الخصال الحميدة فيه واقتلاع بذور الشر إن وجد ، ومن جهة أخرى تعده إلى المجتمع إعدادا كاملا حتى يكون متزنا .زمن هنا يتبين لنا أن الحركة الكشفية من حيث فلسفتها وأساليبها وتنظيماتها يمكن أن تتخذ كنقطة بدء لتربط بين المدرسة والبيئة ، وتقود مشاريع الخدمة في البيئة بما يرفع مستوى البيئة ، فالحركة الكشفية هي حركة مجموعة من الناس اختاروا لأنفسهم أن يقوموا بدور معين في الحياة ألا وهو الخدمة العامة في شتى صورها أي خدمة الناس والعناية بالنفس والرقي بالبيئة والمجتمع والوطن بوجه خاص والإنساني بوجه عام .وليست الحركة الكشفية حركة خدمة عامة فحسب ، بل الصحيح أنها حركة تربوية تتخذ من الخدمة العامة وسيلة وهدفا في نفس الوقت وهي في هذا تعبيرا سليما عما تتركز حوله معظم الفلسفات التربوية الحديثة التي تتخذ من الحياة وسيلة للتربية بهدف الارتفاع بمستواها والمساهمة في تطويرها ، والتنظيم الكشفي لا يجسم فقط فلسفة التربية التقدمية ، بل هو يأخذ أيضا بكثير من مبادئها وأسسها ويكفي أنها تتمشى مع كثير من المبادئ التي تهتم بها التربية الحديثة وتؤكدها .

أولا :- ينقسم التنظيم الكشفي إلى أربع مراحل ، تتبع المراحل النحو المعروفة في علم النفس ،فالمرحلة الأولى ( الأشبال ) تضم الفئة من سن السابعة إلى سن الثانية عشرة – أي مرحلة الطفولة ،المتأخرة : وهي تناظر في نظامنا التعليمي المرحلة الابتدائية ، والمرحلة الثانية ( الكشافة ) تبدأ من سن الثانية عشرة إلى سن الخامسة عشرة أي مرحلة البلوغ – ثم الثالثة ( الكشاف المتقدم ) وهي تبدأ من سن الخامسة عشرة حتى سن الثامنة عشرة أي مرحلة المراهقة ، ثم المرحلة الرابعة ( الجوالة ) وتبدأ من سن الثامنة عشرة حتى الثالثة والعشرين أي مرحلة المراهقة المتأخرة ، ولكل مرحلة من هذه المراحل شعارها الخاص ومنهجها وطريقتها التي تساير حاجات وميول واستعدادات وطبيعة أفرادها .

ثانيا :- يقوم المنهج الكشفي على أساس العمل ومساهمة الأفراد في النشاط وإتاحة الفرصة أمام الفرد والجماعة لزيادة كفاياتها وتنمية إمكانياتها واستعداداتها ، وجميع شعارات الكشافة تدعو لهذا المبدأ في صورة مباشرة ومركزة فشعار ( أبذل جهدي ) وهو شعار لأشبال ، وشعار ( كن مستعدا ) وهو شعار الكشافة ، وشعار ( افقأ واسعا ) وهو شعار الكشاف المتقدم وشعار ( الخدمة العامة ) وهو شعار الجوالة كلها شعارات كما نرى تدل وبصورة واضحة على ضرورة تهيئة الفرد لنفسه لبذل جهده وليقدم مساعدته أينما كان ذلك ممكنا .الحركة الكشفية بما تتخذه من أساليب كالرحلات والمخيمات ... الخ ، إنما تتخذ من العمل والنشاط ، وسيلة ، لرفع كفاية الأفراد ، هذا المبدأ هو النقطة الحاسمة التي تفصل بين التربية التقليدية بما تفرضه من سلبية على الأفراد ، وبين التربية التقدمية التي تتخذ من نشاط المتعلمين وإيجابيتهم محورا للتعليم .

ثالثا:- لا تعمل الحركة الكشفية على إعداد أفرادها لمواقف محددة ثابتة بل تطالب كلا منهم بان يكون دوما على استعداد لمقابلة المواقف المختلفة التي قد يفاجأ بها ، ولعل شعار ( كن مستعدا ) يعبر عن هذا الاتجاه فهو يعني أن يكون المرء في حالة تيقظ واستعداد مستمر بحيث يكون مستعدا لأي موقف غير متوقع في الظروف العادية .

رابعا :- تعني الحركة الكشفية بالتفكير وليس التلقين ، فهذا أمر طبيعي يرتبط بما ذكرناه من قبل فزيادة القدرة على حل المشكلات تعني التدريب على مزيد من التفكير السليم كوسيلة ويتضمن فرص الفروض أو اقتراح تعديل أو تفسير ثم الوصول عن طريق التجريب والى الغرض الصحيح ولاشك إن حاجاتنا إلى التفكير في الوقت الحاضر تفوق حاجتنا إليه في الماضي ، لذلك عناية الحركة الكشفية به تدل على إحاطتها بجوهر التغير الذي يطرأ على الحياة الحديثة .والمدرسة التي تحاول اليوم أن تبني عملها على أساس تدريب تلاميذها على التفكير ، لابد وان تدرك أهمية حركة الكشف التي عن طريقها بتدريب الأفراد على مجابهة مشكلات حقيقية يتبين لهم فيها مدى اختلافها باختلاف الظروف وسرعة تغيرها .

خامسا :- يتسم المنهج الكشفي بالتكامل : ونعني بالتكامل هنا عدم الفصل بين أوجه نشاط الفرد ، هذا الفصل الصناعي الذي تفرضه المناهج التقليدية بتنظيمها على أساس الواقع ، أو على أساس مواقف بعيدة عن الواقع الفعلي للحياة . سادسا :- يقوم العمل الكشفي على أساس التعاون وفي هذا المجال يعد تنظيم الجماعات الكشفية محققا لمعظم عمليات العمل الجماعي من حيث تدريب الفرد على خدمة الجماعة وتهيئة الفرصة له لإيجاد علاقات إنسانية بينه وبين غيره من الأفراد على أساس من الاحترام المتبادل ، كما يهيئ هذا التنظيم المجال لاكتشاف قدراته واختيار العمل الذي يصلح له .

سابعا :- يتضمن المنهج الكشفي تنمية هوايات الأفراد وميولهم عن طريق إتاحة الفرصة أمام الكشاف ليختار كما يحلو له وما يتقنه من بين العديد من الهوايات وفقا للبيئة وذلك بدون تدخل أو إجبار ويحصل الكشاف على شارة الهواية التي ينجح فيها وعلى هذا فالشارة التي قد تبدو وللبعض أنها أمر شكلي إنما هي رمز ودافع لكي ينمي الفرد هواياته الخاصة وهذا شيء مازالت التربية الحديثة تسعى إليه .هذا السرد السريع يتضح لنا إن الحركة الكشفية إنما هي حركة تربوية في المقام الأول تعنى بتربية الفرد لخدمة نفسه وغيره وتقوم على أسس سليمة تسعى جميع الأساليب والمناهج الحديثة نحو تحقيقها وبهذا الروح تستطيع مدارسنا لو عممنا الحركة الكشفية بها أن تقوم بدورها الفعال في رفع شان البيئة التي تعد المدرسة مركز إشعاع لها وفي نفس الوقت الذي تكون فيه قد اتخذت الأسلوب العملي نحو توفير تربية كثيرا ما تحدثنا عنها ، وقلما نقول كيف يمكن البدء بها وتطبيقها على الواقع في بلادنا ، وبعد إذ وجهنا اهتمامنا للحركة الكشفية في معاهد – وكليات إعداد المعلمين ، ونجحنا في تحقيق الأهداف المنشودة – كما سبق توضيحها – فإننا نكون قد خطونا خطوة كبيرة نحو أداء الرسالة المنوطة بنا في بناء مجتمع سليم .