تمر الأسرة التي تعلم بإعاقة أحد أبنائها بالمراحل الثلاث التالية: المرحلة الأولى مع الشعور بوجود طفل معاق في الأسرة، تبدأ مرحلة جديدة في حياة الأسرة يملؤها الألم، وتتخللها الشفقة، ويلازمها البكاء الدائم، ويظهر العبوس على وجوه أفرادها، وكلما مرَّ الوقت، عشش القلق، وساد التشاؤم، وتعمق الخوف من المستقبل، أما إذا تقبلت الأسرة الأمر كواقع حي يتعاملون معه، وخاصة الأم التي يكون عليها الدور الأكبر في هذا التقبل، ومناقشة الإعاقة كواقع لابد من التعامل معه مع بقية أفراد الأسرة، فإن ذلك من شأنه أن يقلل من حدة المعاناة، ويقصّر من فترة القلق، فما إن تستقر الأسرة على مواجهة المشكلة، وما إن تتقبل ذلك الواقع الصعب، وما إن تتعامل مع المشكلة تعاملا علميا وطبيا سليما، وما إن تنأى عن الأحلام والأماني الكاذبة التي تضخم الوهم بوجود حل خارق، وما إن تستسلم الأسرة لقدر الله سبحانه، فلسوف تختصر الطريق أمام المراحل التالية.

والمرحلة الثانية: هي مرحلة التفكير المنظم في المشكلة، والبحث عن العلاج، ثم اتخاذ إجراءات العلاج، ولكن في هذه المرحلة يظل الأمل في الشفاء التام يراود الأسرة، ويكون لديهم ميل للاعتقاد في بعض الآراء التي تتوافق مع طريقة تفكيرهم، التي تستبعد أحيانا التسليم بدوام الإعاقة، فيحبوا أن يصدقوا بعض الشخصيات التي تعدهم بالشفاء التام، ومع طول الوقت، وتضاؤل الأمل تدريجيا في الشفاء التام، تبدأ الأسرة في الانتقال إلى المرحلة الثالثة.


والمرحلة الثالثة وهي مرحلة الاعتراف بالواقع، وتبدأ فيها فترة التعامل السليم مع المشكلة، وتبدأ سلامة المواجهة الحقيقية، وتبدأ فترة العلاج الفعلي، وباختصار تبدأ المعالجة السليمة للموقف كله، وهذه المرحلة أيضا هي مرحلة التكيف مع الإعاقة، والتسليم بالواقع، وتستقر الأمور، وتهدأ الثائرة، ويبدأ مشوار العلاج المنظم الطويل.


أهداف التعامل مع الطفل المعاق

من الصعب بالنسبة لمن يتعاملون مع المعاق الشعور بمعاناته، والإحساس بمشاعره، وغير خاف على أحد ما يعانيه بعض المعاقين من مشكلات، قد تكون بدنية، أو نفسية، أو اجتماعية، تتمثل في ضعف التواصل مع الآخر، وقد يكون سبب ذلك هو الخوف أو الخجل، وقد يكون تأخر النضج النفسي والعاطفي والاجتماعي عن أقرانهم، وقد يعبر المعاق عن نفسه بصور مختلفة، فيأتي تعبيره في صورة انسحاب من المجتمع، وكأنه يقاوم مشكلاته مقاومة سلبية، أو قد يأتي في صورة سلوك عدواني، وقد يكون في صورة مضطربة، فهو يتأرجح بين السلبية مرة وبين العدوان مرة، مما يجعل عملية التواصل مع المعاق وكسب ثقته عملية ليست باليسيرة.
فتكون الأهداف المطلوب الوصول إليها مع المعاق هي:
ـ تعرف الكيفية المناسبة لتحقيق التواصل بين المعاق والآخر، وهي أولى خطوات النجاح، ويكون ذلك باستخدام وسيلة التواصل الملائمة.

ـ تنمية إمكانات المعاق وقدراته، لاستثمار المستوى الموجود من تلك الإمكانات الاستثمار الأمثل، والوصول به إلى أقصى طاقاته، والإفادة من قدراته والوصول بها إلى أعلى مستوى ممكن، وبذلك يكون المجتمع قد أفاد من كل طاقات أبنائه، ولم تعد فيه طاقات معطلة بما في ذلك طاقات المعاقين.

ـ دمج المعاق في المجتمع ليصبح جزءا أساسيا فيه، ولبنة قوية من لبناته، وإضافة مهمة لقوته، فإذا وصلنا إلى هذا المستوى نكون قد قمنا بخدمة رائعة لكل من المعاق والمجتمع الذي ينتمي إليه.


تعليم الطفل المعاق

يستلزم تعليم الطفل المعاق بيئة تربوية وتعليمية خاصة، والبيئة التربوية والتعليمية: تشمل كل من يتعامل مع الطفل، وكل ما يحيط به، فإذا كنا نتحدث عن طفل عادي وليس معاقا، وكان هذا الطفل في البيت، فإن جميع من حوله من الوالدين، والإخوة، والأقارب يجب أن يكون لهم طريقة موحدة في التعامل معه، وتكون هذه الطريقة متفقا عليها بين الجميع، فما بالك إذا كان الكلام يخص طفلا معاقا هو أكثر حساسية للمشكلات وأكثر إحساسا بها؟ والبيئة التربوية والتعليمية يجب أن تقوم على عدد من العناصر الأساسية، وتتميز بعدد من المميزات، وهي:
ـ تنوع المثيرات: فتنوع مجال الاستثارة مهم لإسعاد الطفل، وإدخال البهجة والسرور على قلبه، وفي نفس الوقت فهو مهم لنموه العقلي، فخروج الطفل للتنزه او للتسوق او للحدائق يستثير ذهنه، والمعلم الخبير يضع في حسبانه كيفية الإفادة من تلك المثيرات الموجودة بشكل طبيعي حول الطفل، أو المنظمة بشكل مقصود لتعطي معنى معين يقصد منه تدريب الطفل على سلوك معين، مثل تعليم الطفل كيف يتعامل مع الناس، وكيف يتوقع نتائج أفعاله، فمثلا إذا لمس شيئا ساخنا، أو مد يده نحو النار فإنها ستحرق يده، وإذا حياه الناس كيف يرد التحية، وإذا كلّمه أحد كيف يستمع إليه، وكيف يستجيب للناس في حالات التعامل المعروفة بينهم.

ـ تنظيم المثيرات: ويتم تنظيم المثيرات حول الطفل المعاق بشكل مرتب ترتيبا محددا، أو بشكل يعطي معنى للأشياء أو المثيرات. ويجب ان يتمتع ذلك التنظيم باليسر الذي يسمح للطفل بالعثور على احتياجاته، وتعلم أماكن الأشياء ومواقعها.

ـ النمذجة: وهو أداء كامل للسلوك الذي ترغب المعلمة أن تعلمه للطفل، فتقوم به المعلمة ببطء، ووضوح، وتكرره مرات عدة، وتطلب من الطفل إعادته حتى يتم تعلمه.
والطفل يحب التقليد ويجد متعة في ذلك، وعن طريق التقليد يتعلم الكثير، خصوصا الطفل المعاق عقليا، فهو يحتاج ملاحظة النموذج عددا من المرات، وهو أحوج للتقليد من غيره من الاطفال.

ـ قصر الوقت، والتجزئة، والتنوع: فيجب أن تكون المدة المستغرقة في تعليم الطفل المعاق أي سلوك مدة قصيرة، ويتم تكرار ذلك على فترات، كل فترة منها قصيرة في ذاتها، ومجموعها يؤدي إلى تعلم السلوك المقصود، مع ملاحظة أن الطفل المعاق يجد صعوبة في الانتقال السريع من نشاط لآخر، فلأجل ذلك لابد أن يحصل على فترة راحة قصيرة أيضا، وأن هذا الطفل يفتقر الى المبادأة والإيجابية، ولذا يجب على المعلمة تدريبه على اختيار ما يريده من لعب أو نشاط، ولاتنتظر منه أن يطلب منها تغيير النشاط، أو تنوعه.

ـ إيجاد الدافع اللازم لقيام الطفل بالسلوك: والدافع للقيام بسلوك ما قد يكون خارجي كالحصول على مكافأة، أو التشجيع والثناء، أو تبوء مكانة، وقد يكون داخلي المصدر كالحاجة إلى المعرفة، أو حب الاستطلاع، فيكون الطفل راغبا في القيام بعمل ما ليشبع هذه الحاجة الداخلية، أما بالنسبة للطفل المعاق عقليا فان الدافعية المناسبة له هي الدافعية الخارجية، وليس معنى ذلك الاعتماد على هذا النوع من الدوافع فقط، ولكن معناه أن تبدأ المعلمة مع الطفل باستخدام الدافعية الخارجية، وفي خلال تعلمه يجب عليها تنمية الدافعية الداخلية لديه، وذلك بأن تتيح له مجالا يدفعه للاستكشاف، وتشجعه عليه، وتتيح له فرصة التعلم من النشاط الذي يمارسه.

ـ إشباع الحاجة إلى الأمن: فهي حاجة نفسية من الضروري إشباعها لدى الصغار والكبار، وخصوصا لدى الطفل المعاق، فلابد من شعوره بالأمان خلال تعلمه، وخلال تعامله، فإذا ما فقد الشعور بالأمان، فإنه سيظل سلبيا لايقدُم على شيء، ذلك لأنه يخشى العقاب اذا ما حاول استكشاف الجديد.

ـ وضوح التعليمات، وبساطة المعلومات: فالتعليمات الصادرة للطفل بصفة عامة لابد أن تكون واضحة بالشكل الذي يضمن معه المعلم استيعاب الطفل للتعليمات المعطاة له، كما أنها لابد أن تحتوي على معلومات بسيطة تتناسب مع ذهن الطفل ومرحلة نموه وخبرته، حتى يضمن المعلم فهم الطفل لها، فإنه من الظلم لأي إنسان معاقبته على شيء لم يفهمه، أما بالنسبة للطفل المعاق، فإن الأمر أكثر حساسية، فلا بد أن تكون التعليمات واضحة جدا والمعلومات المتضمنة فيها بسيطة، ويتم تكرارها إلى أن ينتبه لها الطفل المعاق ويستوعبها ويستطيع أن يتفاعل معها، ومن نافلة القول أن نلفت أنظار المتعاملين مع الطفل المعاق بالصبر على التكرار الكثير، ومقاومة ملل التكرار، وعدم السماح لليأس بالتسرب إلى تلك العلاقة.

ـ تحديد المطلوب من الطفل بدقة: فلا يصح إحداث أي نوع من التداخل بين الأوامر والتعليمات، أو التعدد والمزج بين المثيرات، أو تركيب بعض المعلومات، فلا بد أن يكون الموقف التعلمي بسيطا ونقيا، ويتم استبعاد المثيرات المشتتة، حتى يتمكن الطفل من التركيز على المثير الوحيد الذي يسمح المعلم للطفل برؤيته، أو بسماعه، أو بالتعامل معه.

ـ تشكيل السلوك: وهو أن يثاب الطفل على كل جهد يصدر عنه في الاتجاه المرغوب فيه، فإذا ما صدر عنه جهد ليس في اتجاه الهدف المرجو، فإنه لايثاب عليه، إلى أن يدرك الطفل أن العمل بشكل معين يحصل من خلاله على التعزيز الذي يحبه، فيحاول إجادة السلوك الذي يلقى الاستحسان والمديح والثناء عندما يقوم به.
طريقة التعامل مع الطفل المعاق: يشمل التعامل مع الطفل المعاق فعل كل ما من شأنه تحسين نفسية الطفل، وتجنب كل ما من شأنه إيذاء الطفل، ثم الاتفاق بين المتعاملين مع الطفل على طريقة التعامل معه بشكل تربوي ونفسي سليم، وفيما يلي توضيح ذلك عن طريق النقاط الثلاث الآتية:

أـ تصرفات تحسّن نفسية الطفل المعاق:
ـ لابد أن تتم توعية الطفل في الوقت المناسب الذي يستطيع فيه استيعاب الأمر، ويتم الشرح بدون تزيّد أو نقصان أو كذب، فهو سيفهم الوضع جيدا في وقت ما، وسيعرف أن ما تقوله الأم، والذي قد يصاحب بألم في البداية، سيكون سببا في وعيه بنفسه وبمشكلته، وبطريقة تعامله مع الآخرين مستقبلا.

ـ مصاحبة الطفل، والخروج معه في نزهة، أو حكاية قصة له أو قراءتها، أو إشراكه في أي عمل قد يستحوذ على اهتمامه.

ـ زيادة وعي الأسرة بطبيعة المشكلة، ورفع مستواها الثقافي، وذلك بالاطلاع على كتب أو دوريات أو دراسات تخص هذا الموضوع، أو الدخول على النت، أو استشارة أصحاب الخبرة، سواء كانوا من المتخصصين، أو ممن لديهم حالة إعاقة تشبه حالة طفلنا.

ـ التعامل مع المؤسسات أو المراكز التي تقوم بتدريب وتأهيل من يهتمون بكيفية التعامل مع المعاق حسب نوع إعاقته.


ب ـ سلوكيات ينبغي تجنبها:

لايصح أن يشعر المعاق أنه يمثل عبئاً ثقيلاً على كاهل الأسرة، ولا يصح أن تكون مشكلته مثار دردشة في كل جلسات الأسرة، أو بينها وبين الأسر الأخرى، وبالتالي لايصح فتح الموضوع للمناقشة بين أفراد الأسرة، إلا إذا كان الأمر مطروحا لتأخذ الأسرة فيه قرارا معينا، وبالتالي فإن جميع أنواع الشكوى يتضرر منها الطفل المعاق، فيجب على الأسرة تجنب مثل مايلي:
ـ الطفل المعاق يكون لديه من الحساسية لموضوع إعاقته الشيء الكثير، فلايصح أن يلاحظ كثرة شرح موضوعه للناس، وسرد ما حدث له بالتفصيل، فلا بد من تجنب كثرة الأسئلة من بعض المهتمين أو من بعض المتطفلين، وتجنب كثرة الشرح لهم عن حالة الطفل، فإن تعرضت الأم لسؤال أحد من الناس أمام الطفل، فلا بأس من الاعتذار عن الإجابة، أو تأجيل الموضوع ليتم تناوله بعيدا عن مسامع الطفل.

ـ الطفل يختزن في ذاكرته مواقف كثيرة، وأحداث عديدة، سواء كانت مواقف جيدة أو سيئة، ويختزنها دون أن يفهمها، ثم يستدعيها بعد الكبر ليفهمها، وبعد أن يفهم ماحدث له في صغره يصبح ساخطا وناقما على بعض الناس، ومحبا لبعضهم الآخر، فيكون من العقل حينما تتصرف أمام الطفل المعاق أو معه أن تعمل حساب الأيام، وتتصرف بشكل يرضيه ويسعده، فيحبك مستقبلا، ويجد فيك الدعم النفسي والحماية والتشجيع.

ـ يتضرر الطفل نفسيا من الشكوى الكثيرة للآخرين، أو التذمر والغضب مما حدث له، أو شعوره بمعاناة أفراد الأسرة بسببه، خصوصا الأم، فإن كان ثمة شكوى، فلتكن لله أولا، ولتكن في جوف الليل في وقت إجابة الدعاء، ولتكن في حالة تضرع وصلاة، ويقال فيها دعاء المكروب، هذا أولا، وثانيا: إن كان لامناص من الشكوى للناس، فلابد أن تكون بعيدا عن مسامع الطفل.

ـ الشفقة الزائدة أو الواضحة في التعامل مع الطفل المعاق قد تكون مؤذية له، فقد يستفيد منها الطفل في اتجاه الدلال الزائد، أو قد تؤذيه في اتجاه عدم الثقة بالنفس، أو في اتجاه الشعور بالنقص والدونية، فينبغي معاملته كأي من إخوته، وفى نفس الوقت لايصح أن نطلب من إخوته الرأفة به لأنه مريض، إلا إذا كانوا إخوة كبارا وسيقدّرون وضعه، ويكون هذا الطلب بعيدا عن مسامع الطفل أيضا.
وينبغي أخيرا معاملته كفرد عادي، يخضع لنفس قواعد التعامل التي تسري على جميع الأطفال في المنزل، فيكون له ماللآخرين من حقوق، وعليه ماعليهم من واجبات، فيثاب مثلهم إذا أحسن، ويعاقب مثلهم إذا أخطأ.
ج ـ أساليب التعامل مع الطفل المعاق: يقع على عاتق الأب ومن بعده الأم الدور الأكبر في ضبط إيقاع جميع أفراد الأسرة فيما يتعلق بالتعامل مع مشكلة الطفل المعاق، فالأب يمثل القوة في البيت، وبالتالي فهو يمد الجميع بالمعلومات اللازمة، ويشد على يد الجميع، ويطمئن الجميع ويشجعهم، ويعطي للأم القوة النفسية اللازمة لتعاملها مع الطفل في حالاته المختلفة، أما الأم فهي تمثل مركز البيت ومحوره فعلى قدر ضبط أعصابها تكون سيطرتها على تداعيات المشكلة، ولن يتم ذلك بالقدر الكافي إلا بالقناعة بأمر الله، والتسليم بالواقع، بل والرضا بما رضيه الله سبحانه للأسرة، وينبغي على الوالدين تعليم إخوة الطفل والأقارب كيفية التعامل مع الطفل، والمناقشة معهم في مثل مايلي:
ـ التعامل بشأن مشكلة الطفل بمشاعر طبيعية، فمن الضروري مقاومة الحزن، والشعور بالألم، خصوصا أمام الطفل، فضلا عن التحسر، والندم على بعض الأمور التي أفلتت من أيدينا، وكأنه كان ممكنا تدارك ما فات، وكان ممكنا عدم السماح للإعاقة بألا تصيب الطفل، فإن إدراك الطفل لمثل هذه المشاعر لدى الكبار، قد يجعل الطفل يتصور أنهم وقعوا في تقصير ما كان سببا في الإصابة بالإعاقة، فيظل الطفل معتقدا بمسؤولية الكبار عن معاناته.
والصواب هو الاستسلام لأقدار الله سبحانه، وتأكيد أن ما يحدث للمرء هو الخير طالما أنه يحدث له رغما عنه، وقد تكون الإعاقة هي السبب في شهرة المرء، أو سببا في وصوله لدرجات عالية من المهارة في تخصص ما، أو الوصول لدرجات عليا من العلم، أو إتقان حفظ القرآن وعلومه وسائر علوم الدين، فيفيد نفسه وأهله وقومه وأمته كلها، وتوجد نماذج عملية لأناس معاقين وصلوا إلى مثل ما نقول.

ـ الإجابات على الأسئلة التي ترد على ذهن الطفل المعاق فيما يتعلق بحالته، فهو لا يعرف ما حدث له، ولماذا حدث؟ ولماذا هو لا يستطيع الحركة بالشكل الذي يستطيعه الآخرون، ولماذا لا يمكنه الاستمتاع بالقفز واللعب كالأطفال الباقين؟ فقبل أن يبدأ الطفل بالشعور بالاختلاف، وقبل أن يصاب بالإحباط، ينبغى أن يوضع له برنامج تعريفي وقائي في ذهن الأب والأم، يتدرج حسب حالة الطفل، وحسب المرحلة التي يمر بها، وحسب التساؤلات التي تدور في ذهنه، فإن لم يجد من يفسر له ما يجهل فيكون هذا بمثابة تقصير شديد في حق هذا الطفل، قد يسلمه للمشاعر التي نحذر منها.

ـ تشجيع الطفل منذ الصغر على ترشيد طاقاته، واستثمار كل إمكاناته، وفتح مجال الطموح أمامه واسعا، وتدريبه على الجرأة في التعامل مع الآخرين، والثقة في النفس، ومساعدة الطفل في اكتشاف ذاته، وإمكاناته، ومواهبه، وقدراته، فهو أحوج من الطفل العادي لتعرف ذاته، ورعاية مواهبه، ومن المهم أن نحكي له حكايات أناس كانت إعاقاتهم مثله أو أسوأ من إعاقته، ومع ذلك فهم نجحوا في أن يتغلبوا على مشكلاتهم، بل برعوا في جوانب معينة، وأصبح لهم ذكر طيب في المجتمع، لأنهم أضافوا للبشرية رصيدا جديدا وفريدا من الخبرات النافعة.

ـ تشجيعه على حب المدرسة، وحب الكتاب، وحب التفوق في الدراسة، ويتم هذا بعمل علاقة خاصة مع أحد مدرسي المدرسة، أو اكثر، قبل الذهاب الفعلي للمدرسة، وحين الذهاب للمدرسة عندما يجد أن من لهم به علاقة طيبة هم الذين يديرون حركة التلاميذ في المدرسة، وهم الذين يقومون بتعليم الصغار فيها، فسيكون هذا مصدرا عظيما للسعادة عند الطفل، كما ينبغى الاتفاق مع إدارة المدرسة على الرعاية الخاصة لمثل هؤلاء الأطفال، ومحاولة التركيز على إظهار أي تميز لمثل هذا الطفل في المدرسة، وتوعية التلاميذ بطريقة التعامل مع زملائهم المعاقين، وأنهم أطفال مثلهم تماما ولكنهم يحتاجون لرعاية أكثر نتيجة إصابتهم، وتحذير التلاميذ من مضايقة هؤلاء، فهم زملاؤهم، وهم يتألمون مثلهم.

ـ عدم توقف الأب أو الأم كثيرا أمام بعض الذين لايفهمون قضية الطفل المعاق، مثل رفض بعض المدارس قبول الطفل، أو التعامل معه بشيء من الغلظة، أو التعامل مع أحد والدي الطفل المعاق بطريقة فجة أو بشيء من الفظاظة، أو تعامل بعض المدرسين والمدرسات مع هؤلاء الأطفال بشكل غير تربوي، أو تعامل الناس أو الأطفال في الشارع معه بشكل غير لائق، حتى نقلل من معاناة الطفل، ومعاناة أمهات المعاقين نتيجة ضعف ثقافة مجتعاتنا في التعامل مع مثل هؤلاء الأطفال، أو نتيجة عدم تجاوب بعض الإدارات المدرسية، أو المدرسين مع مثل هذه الحالات.

ـ تدريب الطفل المعاق على القيام بعمل ما وحبذا لو كان يدر عليه دخلا، وإغراقه بالعمل اليدوي إن أمكن، وبالطبع لابد أن يكون هذا العمل مناسبا لطبيعة إعاقته، فإن العمل علاج نفسي وجسمي للطفل المعاق، وهو يسهم في تنمية القدرات العقلية والحركية، ويزوده بالخبرات اللازمة، وبذلك يمكن له الاعتماد على نفسه، وبالتالي الثقة في نفسه، كما يمكن للوالدين والمربين الاعتماد عليه كشخص مستقل.

ـ لابد للمربي الذي يتعامل مع طفل معاق ذهنيا من تكرار الاقتران بين التعليمات الصادرة إلى الطفل بصوته المرتفع، وطريقة التعبير الواضحة والمبالغ فيها بوجهه وملامحه، وطريقة القيام بالحركات التي يريدها من الطفل، ويتم تكرار ذلك الاقتران مرات عديدة، فقد يعاني الطفل المعاق ذهنياً من اضطرابات حسية حادة، تجعله لايشعر بما يوجهه إليه المربي من تعليمات، وهذا يستدعي ان يبالغ المربي بعض الشيء في تكرار المزج بين التعبيرات الواضحة بملامح الوجه، والصوت الحاد النبرات، والحركة التي يريد من الطفل القيام بها.

ـ تتطلب حركة الطفل المعاق أحيانا أماكن واسعة، وممرات طويلة فارغة، لذا ينبغي مراعاة عدم تكدس الممرات والصالة والغرفة الخاصة به، حتى يتسنى له التنقل بحرية، والحركة بسلاسة، دون الخوف من شيء حتى لايضره، أو الخوف على شيء حتى لا يكسره.

ـ شغل الطفل المعاق بالأعمال الفنية المختلفة، من رسم، وتصوير، وتلوين، وإنتاج قطع فنية، ومشغولات يدوية، ونسيج، وأشغال إبرة، والقيام بعرض بعض أعماله المتميزة بالمعارض، وبيعها إن أمكن، ثم محاولة إنتاج غيرها وهكذا.. حتى يشعر المعاق أن له دورا فاعلا في المجتمع.

ـ تدريب المعاق الصغير على أساسيات التعامل مع الآخرين، فلا بد من تعلمه الاستجابة لهم بنعم..
أو لا، ويمكن أن يعبر الطفل بالموافقة أو الاعتراض بإشارة من رأسه أو من يده، أو التعبير عن كل منها برمز صوتي معين، ولا بد من مساعدة الطفل على التعبير بالطريقة المناسبة له بالرفض بالذات، فنجاح الطفل في القبول أو الرفض يكون مبعث ثقة له، حتى لا يهاب التعامل مع الناس، كما أن نجاحه في التواصل مع المشرف أو المربي يعطيه قدرا جيدا من الطمأنينة والأمان.

ـ تدريب الطفل على التعبير عن السرور بابتسامة أو إيماءة برأسه، والتعبير عن الغضب بشكل معين، وكذلك التعبير عن الألم، وذلك من خلال حركة أو إشارة أو صوت، وذلك حتى يتم التواصل الانفعالي مع المحيطين به، وحتى يدرك المتعاملون معه الحالات والمواقف التي، تكون مبعثا للرضا والسرور بالنسبة للطفل، حتى يمكن تكرارها في حالات معينة لمزيد من البهجة والمرح مع الطفل.

ـ من الأهمية بمكان دمج الطفل المعاق في جماعة، فالتفاعلات المتعددة التي تصدر عن جماعة الأقران تعلم الطفل أمورا ما كان للوالدين أن يستطيعا تعليمها له بالمنزل، فالطفل داخل الجماعة يستطيع القيام بالتواصل المتبادل، ويستطيع تقليد بعضا من الأصوات أو الكلمات أو التعبيرات أو الحركات التي يقوم بها قرناؤه، فيمكنه التعبير عن نفسه بالطريقة التي يعبرون بها هم عن أنفسهم، كما يستطيع أن يتعرف طرقا أخرى للتواصل مع الآخرين غير تلك التي يتعامل بها مع الوالدين، كما يمكنه إدراك ذاته داخل الجماعة، وأن له كيان يتعامل معه الآخرون، ناهيك عن أساليب اللعب والمرح التي قد تشيع داخل هذه الجماعة، وليس من نافلة القول أن تكون هذه الجماعة تحت ملاحظة متخصص نابه وتحت إشرافه.

ـ لابد أن يدرب المربي نفسه * والمحيطين بالطفل * على كيفية التواصل مع الطفل عن طريق البصر، وذلك بتفقد المواضع التي تستلفت نظر الطفل المعاق، فلا بد أن يتابع المربي نظر الطفل أثناء كل تفاعل بينهما وبعده، فاتجاه نظر الطفل يلقي الضوء على كثير من الأمور التي تهمه، والأفعال التي يريد القيام بها، والأماكن التي يود الذهاب إليها، وذلك كله وفقاً للحركة أو الصوت الذي يقوم به والمصاحب لاتجاه نظره.

ـ كلما كانت المسافة قصيرة بين المربي وبين الطفل أمكن التواصل الحسي والبصري والسمعي بينهما، فيتمكن الطفل من التأثر بالمربي والإحساس به أكثر، فيمكن للطفل التحقق من ملامح وجه المربي، ويمكنه سماع صوته بوضوح، ويمكنه الشعور بالتقارب الجسمي بينهما، ومن المهم القيام بذلك التقارب في المسافة، ولايصح أن ينسى المربي اللمسة الرقيقة الحنونة التي تولد لدى الطفل المعاق شعوراً بالدفء، والقرب، والأمان، والثقة.


مجلة الوعى الاسلامى