حر الصيف من فيـح جهنـم



الحمد لله الذي خلق الحياة الدنيا، وجعل فيها عبراً وذكرى لقوم يعقلون، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.. أما بعد:

فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير".1

لا شك أن الله -تعالى- خلق لعباده دارين يجزيهم فيها بأعمالهم مع البقاء في الدارين من غير موت، وخلق داراً معجلة للأعمال، وجعل فيها موتاً وحياة وابتلى عباده فيها بما أمرهم به ونهاهم عنه وكلفهم فيها الإيمان بالغيب ومنه: الإيمان بالجزاء والدارين المخلوقتين له، وأنزل بذلك الكتب، وأرسل به الرسل، وأقام الأدلة الواضحة على الغيب الذي أمر بالإيمان به، وأقام علامات وأمارات، تدل على وجود داري الجزاء، فإن إحدى الدارين المخلوقتين للجزاء دار نعيم محض لا يشوبه ألم. والأخرى دار عذاب محض لا يشوبه راحة.

وهذه الدار الفانية ممزوجة بالنعيم والألم، فما فيها من النعيم يذكر بنعيم الجنة، وما فيها من الألم يذكر بألم النار، وجعل الله -تعالى- في هذه الدار أشياء كثيرة تذكر بدار الغيب المؤجلة الباقية، فمنها ما يذكر بالجنة من زمان ومكان..

أما الأماكن فخلق الله بعض البلدان وفيها من المطاعم والمشارب والملابس، والمناظر الرائعة، والأجواء النقية، والوديان الخضراء الشاسعة، وغير ذلك من نعيم الدنيا ما يذكر بنعيم الجنة.

وأما الأزمان: فكزمن الربيع فإنه يذكر طيبه بنعيم الجنة وطيبها، وكأوقات الأسحار، فإن بردها يذكر ببرد الجنة..

ومنها ما يذكر بالنار فإن الله -تعالى- جعل في الدنيا أشياء كثيرة تذكر بالنار المعدة لمن عصاه وما فيها من الآلام والعقوبات من أماكن وأزمان وأجسام وغير ذلك.. أما الأماكن فكثير من البلدان مفرطة الحر أو البرد، فبردها يذكر بزمهرير جهنم، وحرها يذكر بحر جهنم وسمومها، وبعض البقاع يذكر بالنار كالحمَّام، قال أبو هريرة: "نعم البيتُ الحمام، يدخله المؤمن فيزيل به الدرن، ويستعيذ بالله فيه من النار".

كان السلف يذكرون النار بدخول الحمام فيحدث لهم ذلك عبادة.. دخل ابن وهب الحمام فسمع تالياً يتلو: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ غافر:47. فغشي عليه!.

وتزوج صلة بن أشيم فدخل الحمَّام، ثم دخل على زوجته تلك الليلة، فقام يصلي حتى أصبح وقال: دخلت بالأمس بيتا أذكرني النار، ودخلت الليلة بيتاً ذكرت به الجنة، فلم يزل فكري فيهما حتى أصبحت.

وكان بعض السلف إذا أصابه كرب الحمَّام يقول: يا برُّ يا رحيم مُنَّ علينا، وقنا عذاب السموم.

وصب بعض الصالحين على رأسه ماءً من الحمام فوجده شديد الحر فبكى وقال: ذكرت قوله -تعالى-: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ الحج:19.

وأما الأزمان فشدة الحر والبرد يذكر بما في جهنم من الحر والزمهرير، وقد دل هذا الحديث الصحيح على: أن ذلك من تنفس النار في ذلك الوقت، قال الحسن: كل برد أهلك شيئاً فهو من نفس جهنم، وكل حر أهلك شيئاً فهو من نفس جهنم، وفي الحديث الصحيح أيضاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم".2

أبواب النار مغلقة وتفتح أحياناً.. فتفتح أبوابها كلها عند الظهيرة، ولذلك يشتد الحر حينئذ، فيكون في ذلك تذكرة بنار جهنم، وأما الأجسام المشاهدة في الدنيا المذكرة بالنار فكثيرة.. منها: الشمس عند اشتداد حرها، وقد روي أنها خلقت من النار وتعود إليها.

كان بعضهم إذا رجع من الجمعة في حر الظهيرة يذكر انصراف الناس من موقف الحساب إلى الجنة أو النار، فإن الساعة تقوم في يوم الجمعة، ولا ينتصف ذلك النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قاله ابن مسعود، وتلا قوله: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً الفرقان:24.

و ينبغي لمن كان في حر الشمس أن يتذكر حرها في الموقف، فإن الشمس تدنو من رؤوس العباد يوم القيامة، ويزاد في حرها.. وينبغي لمن لا يصبر على حر الشمس في الدنيا أن يجتنب من الأعمال ما يستوجب صاحبه به دخول النار، فإنه لا قوة لأحد عليها ولا صبر، قال قتادة: -وقد ذكر شراب أهل جهنم، وهو ماء يسيل من صديدهم من الجلد واللحم- فقال: هل لكم بهذا يدان! أم لكم عليه صبر! طاعة الله أهون عليكم! يا قوم فأطيعوا الله رسوله.

نسيتَ لظى عند ارتكانك للهوى ... وأنت تَوقَّى حرَّ شمس الهواجر

كأنك لم تَدفِـن حميماً ولم تكن ... له في سياق الموت يوماً بحاضر!

رأى عمر بن عبد العزيز قوماً في جنازة قد هربوا من الشمس إلى الظل وتوقَّوا الغبار، فبكى! ثم أنشد :

من كان حين تصيب الشمس جبهته ... أو الغبار يخاف الشَّين والشعثا

ويألف الظل كي يُبقي بشاشته ... فسـوف يسكن يوماً راغماً جدثا

في ظـل مقفرة غبراء مظلمـة ... يطـيل تحت الثرى في غمها اللبثا

تجهــزي بجهـاز تبلغين به ... يا نفـس قبل الردى لم تُخلقي عبثا

و مما يُضاعَف ثوابه في شدة الحر من الطاعات: الصيام؛ لما فيه من ظمأ الهواجر؛ ولهذا كان معاذ بن جبل يتأسف عند موته على ما يفوته من ظمأ الهواجر، وكذلك غيره من السلف، وروي عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنه كان يصوم في الصيف ويفطر في الشتاء، ووصى عمر -رضي الله عنه- عند موته ابنه عبد الله فقال له: عليك بخصال الإيمان، وسمى أولها: الصوم في شدة الحر في الصيف، قال القاسم بن محمد: كانت عائشة -رضي الله عنها- تصوم في الحر الشديد، قيل له: ما حملها على ذلك؟ قال: كانت تبادر الموت. وكان مجمع التيمي يصوم في الصيف حتى يسقط. كانت بعض الصالحات تتوخى أشد الأيام حراً فتصومه، فيقال لها في ذلك، فتقول: إن السعر إذا رخص اشتراه كل أحد، تشير إلى أنها لا تؤثر إلا العمل الذي لا يقدر عليه إلا قليل من الناس؛ لشدته عليهم. وهذا من علو الهمة.

قال الحسن: تقول الحوراء لولي الله وهو متكىء معها على نهر الخمر في الجنة تعاطيه الكأس في أنعم عيشه: أتدري أي يوم زوجنيك الله؟ إنه نظر إليك في يوم صائف بعيد ما بين الطرفين، وأنت في ظمأ هاجرة من جهد العطش، فباهى بك الملائكة، وقال: انظروا إلى عبدي ترك زوجته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي رغبة فيما عندي، اشهدوا أني قد غفرت له، فغفر لك يومئذ وزوجنيك..

لما سار عامر بن عبد قيس من البصرة إلى الشام كان معاوية يسأله أن يرفع إليه حوائجه فيأبى فلما أكثر عليه قال: حاجتي أن ترد عليَّ من حر البصرة؛ لعل الصوم أن يشتد علي شيئاً، فإنه يخف علي في بلادكم.

نزل الحجاج في بعض أسفاره بماء بين مكة والمدينة، فدعا بغدائه ورأى أعرابياً فدعاه إلى الغداء معه، فقال: دعاني من هو خير منك فأجبته، قال: ومن هو؟ قال: الله -تعالى- دعاني إلى الصيام فصمت، قال: في هذا الحر الشديد؟ قال: نعم صمت ليوم أشد منه حراً، قال: فافطر وصم غداً، قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد! قال: ليس ذلك إليَّ، قال: فكيف تسألني عاجلاً بآجل لا تقدر عليه؟!

خرج ابن عمر في سفر معه أصحابه فوضعوا سفرة لهم، فمر بهم راع فدعوه إلى أن يأكل معهم، قال: إني صائم، فقال ابن عمر: في مثل هذا اليوم الشديد حره وأنت بين هذه الشعاب في آثار هذه الغنم وأنت صائم؟ فقال: أبادر أيامي هذه الخالية! فعجب منه ابن عمر، فقال له ابن عمر: هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك ونطعمك من لحمها ما تفطر عليه، ونعطيك ثمنها، قال: إنها ليست لي إنها لمولاي، قال: فما عسيت أن يقول لك مولاك إن قلت أكلها الذئب؟ فمضى الراعي وهو رافع إصبعه إلى السماء وهو يقول: فأين الله؟ فلم يزل ابن عمر يردد كلمته هذه، فلما قدم المدينة بعث إلى سيد الراعي فاشترى منه الراعي والغنم، فأعتق الراعي وهب له الغنم.

نزل روح بن زنباع منزلاً بين مكة والمدينة في حر شديد فانقض عليه راع من جبل، فقال له: يا راع هلم إلى الغداء، قال: إني صائم، قال: أفتصوم في هذا الحر؟ قال: أفأدع أيامي تذهب باطلاً؟ فقال روح: لقد ضننت بأيامك يا راعي إذ جاد بها روح بن زنباع!!

وكان أبو الدرداء يقول: صوموا يوماً شديداً حره لحر يوم النشور، وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور!.

وفي الصحيحين: عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: لقد رأيتنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره في اليوم الحار الشديد الحر، وإن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما في القوم أحد صائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعبد الله بن رواحة. و في رواية: أن ذلك كان في شهر رمضان.

لما صبر الصائمون لله في الحر على شدة العطش والظمأ أفرد لهم باباً من أبواب الجنة وهو باب الريان، من دخل شرب، ومن شرب لم يظمأ بعدها أبداً، فإذا دخلوا أغلق على من بعدهم فلا يدخل منه غيرهم.

ومن أعظم ما يذكر بنار جهنم: النار التي في الدنيا، قال الله -تعالى-: نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ الواقعة:73. يعني: أن نار الدنيا جعلها الله تذكرة تذكر بنار جهنم.

مر ابن مسعود بالحدادين وقد أخرجوا حديداً من النار فوقف ينظر إليه ويبكي. وروي عنه أنه مر على الذين ينفخون الكير فسقط.

وكان أويس يقف على الحدادين فينظر إليهم كيف ينفخون الكير ويسمع صوت النار فيصرخ ثم يسقط. وكذلك الربيع بن خيثم.. وكان كثير من السلف يخرجون إلى الحدادين ينظرون إلى ما يصنعون بالحديد فيبكون ويتعوذون بالله من النار. ورأى عطاء السليمي امرأة قد سجرت تنورها فغشي عليه. قال الحسن: كان عمر ربما توقد له النار ثم يدني يده منها ثم يقول: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر؟!

كان الأخنف بن قيس يجيء إلى المصباح فيضع إصبعيه فيه ويقول: حس، ثم يعاتب نفسه على ذنوبه.

نار الدنيا جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم!.

قال بعض السلف: لو أخرج أهل النار منها إلى نار الدنيا لقالوا فيها ألفي عام يعني أنهم كانوا ينامون فيها ويرونها برداً.. كان عمر يقول: أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد.. كان ابن عمر وغيره من السلف إذا شربوا ماءً بارداً بكوا وذكروا أمنية أهل النار، وأنهم يشتهون الماء البارد، وقد حيل بينهم وبين ما يشتهون، ويقولون لأهل الجنة: أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ الأعراف:50

فيقولون لهم: إن الله حرمهما على الكافرين والمصيبة العظمى حين تطبق النار على أهلها وييأسون من الفرج وهو الفزع الأكبر الذي يأمنه أهل الجنة: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ الأنبياء:101.

لو أبصرت عيناك أهل الشقا ... سيقوا إلى النار وقد أحرقوا

شـرابهم المهـل في قعرها ... إذ خالفوا الرسل وما صدقوا

تقـول أخـراهم لأولاهم ... في لُجـج المهل وقد أغرقوا

قـد كنتموا خُوفِتمو حرها ... لكن من النيران لم تفـرقوا

وجـيء بالنيران مذمـومة ... شـرارها من حولها محـدق

وقيـل للنيران أن أحـرقي ... وقيل للخُـزَّان أن أطبقـو3

أخي الكريم: كم يَلْفحُ حرُّ الصيف أناساً فيتألمون منه ويتضايقون، ويستخدمون كافة المكيفات والمبردات لهذا الحر الذي هو فيح من حر جهنم! فكيف بها؟ ثم بعد ذلك لا يتذكرون ولا هم يعقلون، بل لقد وصل الحال بكثير من بني قومنا أنهم يتركون جو الجزيرة العربية الحار ويقضون عطلهم في البلدان الباردة في الشرق والغرب، ويا ليتهم يقضونها في السياحة المباحة، ولكن البعض منهم يذهب للفساد في الأرض.. ولا يسلم من ذلك إلا من عصمه الله وهداه.

فنسأل الله العلي الكبير أن يجعل ما في الكون من مصائب وأكدار وتقلبات تذكيراً لنا بما في اليوم الآخر من الأحوال والأهوال، ونعوذ به من الغفلة عن الدار الآخرة.. إنه سميع مجيب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.