تقول اللغة إن الثبات هو دوام الشيء,وهو ضد الزوال,والرجل الثبيت هو الفارس الشجاع,والثابت العقل,والعالم الثبت هو الثقة في العلم,واستثبت تأنى,فمادة "الثبات" تدل على الاستقرار والرسوخ,وعلى ضد التزلزل والاضطراب,وفيها ايضاً معنى القوة ,لذلك يقال: ثبته الله أي قواه".
والثبات خلق من اخلاق القرآن الكريم,نحتاج إليه اشد الاحتياج,لأن طريق العبادة والطاعة طويل,لا بد له من ثبات واستقرار,وطريق العمل والسعي الحميد في الحياة طويل لابد له من ثبات واستقرار,ولذلك نادى الله جل جلاله عباده الأخيار بقوله في سورة آل عمران : " ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون".
وقد أخبر الله تبارك وتعالى عباده بأن الثبات صفة كريمة من صفات المؤمنين,تتحقق لهم عن طريق الاهتداء بهدي القرآن المجيد,وبالاقبال على طاعة الله والاعتصام بحبله وهداه,فقال في سورة النحل: " قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين"وقال في سورة محمد : "ياايها الذين آمنوا ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم ".
ومتى من الله تعالى على عباده بالتثبيت فقد تحقق لهم الثبات .
كما اخبر الحق سبحانه بانه قد من على رسوله محمد ( ص ) بنعمة الثبات ,وانما تحقق الثبات بفضل الله ,وبما اتاه من وحيه,وبما قص عليه وذكر له في قرآنه الكريم من آيات وانباء وعظات,ولذلك يقول في سورة الفرقان : " وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك" ويقول في سورة الاسراء :" ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئاً قليلا".
فالله تعالى قد أقر رسوله على الحق,وحصنه به,وعصمه من موافقة الكافرين,وكان رسول الله يدرك خير الإدراك فضل الله العظيم عليه في هذا التثبيت,ولذلك كان يدعو فيقول اللهم لاتكلني الى نفسي طرفة عين".
ومن المواقف المشهودة التي تحتاج الى الثبات,والى الاعتصام بحبل الله القوي المتين موقف الجهاد ومقاومة الأعداء,ولذلك جاء في سورة الأنفال: " ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون ". والثبات في الجهاد قوة معنوية لها قيمتها,فقد يكون السلاح والعتاد في أيدي المجاهدين,وفيهم الكثرة والقوة الحسية,ومع ذلك يظلون في حاجة الى ماهو أهم,وهو القوة المعنوية المتمثلة في الثباتووالبصراء بأمور النضال يقررون أن الثبات يكون في كثير من الأحيان السبب القوي والأخير للنصر والفوز,فالجيوش تتقاتل وتتصارع,والأكثر منها صبراً ودواماً واستمرارا هو الذي يتغلب ويفوز ولعل هذا هو الذي جعل القرآن المجيد يحذر تحذيراً شديداً من ترك الثبات في القتال,ويتهدد من يتنكر لهذا الخلق الكريم بالعقاب والعذاب,فيقول في سورة الأنفال : " ياأيها الذين آمنوا اذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار,ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال او متحيزاً الى فئة فقد باء بغضب من الله,ومأواه جهنم وبئس المصير".
ونوه خير تنويه بالذين لايضطربون,ولايتزلزلون,ولاي هابون,فقال فيهم في سورة آل عمران :" الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم,فزادهم ايمانا,وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل,فانقلبوا بنعمة من الله وفضل,لم يمسسهم سوء,واتبعوا رضوان الله,والله ذو فضل عظيم".
وقد ربط القرآن برباط دقيق بين الثبات الحسي والثبات المعنوي,حين يتوافر الايمان واليقين لدى أهله,ولذلك قال للمؤمنين في شأن غزوة بدر:
"إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان,وليربط على قلوبكم ويثبت الأقدام,اذ يوحي ربك الى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان".
فالقرآن يجمع هنا بين الربط على القلوب,وهذا هو الثبات المعنوي,وتثبيت الأقدام – وهذا استقرار حسي – فالذين آمنوا بربهم لا يستخفون باسباب الثبات الحسي,كما لايستخفون بأسباب الثبات المعنوي,بل يجعلون شعارهم كما ذكر القرآن في سورة آل عمران :
" وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير,فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله,وما ضعفوا وما استكانوا,والله يحب الصابرين,وما كان قولهم إلا أن قالوا :ربنا اغفر لنا ذنوبنا,وإسرافنا في أمرنا,وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين".
وكما ذكر في سورة البقرة :" ربنا افرغ علينا صبراً,وثبت أقدامنا,وانصرنا على القوم الكافرين".
ومن أروع مواقف الثبات في تاريخ الاسلام,ثبات القلة المؤمنة في اليوم العصيب الشديد:يوم غزوة أحد,وكأن القدر أجرى على لسان الرسول في أول الغزوة ما يشير الى ضرورة هذا الثبات,حيث قال للرماة الذين طالبهم بحماية ظهر الجيش من فوق الجبل :" إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل اليكم,وإن رأيتمونا قد هزمنا القوم فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل اليكم".
والحق الذي لاشك فيه أنه لم ينقذ المسلمين من حرب الإبادة والإفناء في هذه الغزوة – غزوة أحد – إلا ثبات الطائفة القليلة من المجاهدين المخلصين..فحينما أشيع بين المحاربين أن الرسول قد مات,تخاذل بعض المقاتلين,ولكن أنس ابن النضرهتف بأعلى صوته يقول :" ياقوم,إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل,فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد ( ص ) اللهم إني أعتذر اليك مما يقول هؤلاء,,وأبرأ اليك مما جاء به هؤلاء "..ثم شد بسيفه وقاتل حتى قتل ,وكأن لأنس من المسلمين اشباه ونظائر ثبتوا وقاموا,وفي هذا نزل قول الله تعالى في سورة آل عمران:
"ومامحمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل,أفإن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ؟ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرينووما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً,ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها,ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها,وسنجزي الشاكرين ".
ولقد ضرب رسول الله – صلوات الله وسلامه عليه – المثل الأعلى في ثبات النفس,وثبات الحس في غزوة احد..فقد اصيب في وجهه وشفتيه وأسنانه,وسال الدم الزكي على وجهه الشريف,وتعب كثيراً,حتى صلى الظهر قاعداً بسبب الجراح التي نالته,وحينما جاء عدو الله " أبي بن خلف " يقول : أين محمد ؟ لانجوت إن نجا.قال الصحابة : يارسول الله,هل يعطف عليه أحدنا ليقتله؟.قال : دعوه ...فلما اقترب من الرسول تناول الرسول الحربة من أحد الصحابة ,وبكل ثبات واطمئنان طعنه بها طعنة قتلته.
ومن هنا قال المقداد عن رسول الله ( ص ) يوم أحد : " فوالذي بعثه بالحق ما زلت قدمه شبرا واحدا,وإنه لفي وجه العدو,تفيء اليه طائفة من أصحابه مرة,وتفترق عنه أخرى,وهو قائم يرمي عن قوسه,ويرمي بالحجر,حتى انحازوا عنه,".
وبعد غزوة أحد,وفي اليوم التالي مباشرة,أمر الرسول بالخروج لتعقب فلول الأعداء المشركين,وقال : " لاينطلقن معي إلا من شهد القتال بالأمس ".
ولقد دعا الرسول ( ص ) عقب غزوة أحد دعاء فيه الرجاء من الله بأن يحقق في نفوس المؤمنين معاني الثبات والاطمئنان ,تقول السيرة : لما كان أحد أثني على ربي عز وجل" فصاروا خلفه صفوفا,فقال : " اللهم لك الحمد كله,اللهم لا قابض لما بسطت,ولا باسط لما قبضت,ولا هادي لمن اضللت,ولا مضل لمن هديت,ولا معطي لما منعت,ولامانع لما أعطيت,ولا مقرب لما باعدت,ولا مبعد لما قاربت,اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك.
اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لايحول ولا يزول.اللهم إني اسألك النعيم يوم العيلة,والأمن يوم الخوف ,اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا,وشر ما منعتنا ,اللهم حبب الينا الايمان وزينه في قلوبنا,وكره الينا الكفر والفسوق والعصيان ,واجعلنا من الراشدين.
اللهم توفنا مسلمين,واحيينا مسلمين,وألحقنا بالصالحين,غير خزايا ولا نادمين.اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك,ويصدون عن سبيلك ,واجعل عليهم رجزك وعذابك,اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب,إله الحق".
رواه احمد والنسائي وابن كثير في سيرته.
وما دمنا قد عرضنا لأقوال الرسول الكريم في الاطمئنان والثبات,فلا يليق بنا أن ننسى موقف الرسول الخالد الذي علم به الدنيا كلها كيف يكون الثبات على الحق,والاستمساك بالعقيدة,وذلك يوم قال: " والله لو وضعوا الشمس في يميني,والقمر في يساري,على أن أترك هذا الأمر ماتركنه,حتى يظهره الله او اهلك دونه"..ولاعجب ولا غرابة,فإن رسول الله ( ص ) الذي ثبت الله قلبه,وقواه وجعله راسخاً في ثباته كالجبال,فقام بأعباء الرسالة,ونشر الدعوة,وترك الدعوة,وترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها,لايزيغ عنها إلا هالك.ولذلك يقول له رب العزة في سورة هود:
" وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك,وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين,وقل للذين لايؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون,وانتظروا إنا منتظرون,ولله غيب السموات والأرض,واليه يرجع الأمر كله,فاعبده وتوكل عليه,وما ربك بغافل عما تعملون".
( وكما دعا القرآن الى ثبات القلوب وثبات الأقدام,وثبات الحس والنفس في ميدان النضال والجهاد,دعا الى "ثبات" الكلمة,وثبات الكلمة هو الاتيان بها على وجهها صادقة واضحة صريحة,يدعو اليها الحق,ويوجهها العدل,ويحث عليها الانصاف,ولذلك قال سيد الخلق رسول (ص) عليه الصلاة والسلام - : " أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائز ") ولقد قال القرآن الكريم :
" يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ,ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء".
وهكذا لا ينبغي أن يفر الانسان من الكلمة الطيبة ما استطاع اليها سبيلا,والمؤمن في قوله وحكمه ورأيه لا يخادع ولا ينافي,ولا يتذبذب أو يتلون,ولا يفر من أداء واجبه,لأنه أمانة لاتجوز خيانتها,ولا يفر من إسهامه بعلمه او جسمه او ماله فيما يندبه دينه,ولا يفر من موطن البأس اذا كتبه الله عليه او عرضه له.
ولقد حذر القرآن من التنكر لخلق الثبات والدوام على الحق,فقال في سورة المائدة:
"ولاترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين".وقال في سورة محمد :" إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم "..وقال في سورة الحج:" ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن اصابه خير اطمأن به,وإن اصابته فتنة انقلب على وجهه,خسر الدنيا والآخرة,ذلك هو الخسران المبين".وقال في سورة التوبة :" ومنهم من يلزمك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون".وقال في سورة النساء:"الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا:ألم نكن معكم ,وإن كان للكافرين نصيب قالوا :ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين,فالله يحكم بينكم يوم القيامة,ولن يجعل الله الكافرين على المؤمنين سبيلاً,إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم,واذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى,يراءون الناس ولا يذكرون الله إر قليلاً,مذبذبين بين ذلك لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ,ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا".
إنها صور مجسمة لطوائف تنكروا لخلق الثبات فكانوا من الخاسرين,ولم ينتفعوا بهدي القرآن حين ذكر الناس بأن الفرار رذيلة منكرة,ومع ذلك لاتجدي ولاتنفع,كما قال الله تعالى في سورة الاحزاب :" قل لن ينفعكم الفرار ان فررتم من الموت او القتل واذن لاتمتعون إلا قليلاً".
وكما قال في سورة الجمعة :"قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم".
والصوفية على طريقتهم في فلسفة الأخلاق – يصورون الثبات تصويراً خاصا له صلته بعلاقة الانسان المتعبد بربه المعبود جل جلاله,فيقول مثلا محمد ابن الفضل البلخي :"أصل الثبات على الحق دوام الفقر الى الله تعالى ".
ولعل هذا يذكر بقول ابن عطاء الله السكندري:"افضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات ".
وقد عرف رجال هذه الامة ما للثبات في مواقف الهول من مكانة ومنزلة,وهذا شجاع ثابت آخر يقول عن ثباته:
فإن تكن الأيام فينا تبدلت بنعمى وبؤسى والحوادث تفعل
فما لينت فينا قناة صليبة ولاذللتنا للذي ليس يجمل
ولكن صحبناها نفوساً أبية تحمل ما لايستطاع فتحمل
إن افضل زينة للمجاهد المؤمن هو أن يتحلى على الدوام بخلق الثبات.