في مثل هذا الشهر من كل عام يتكرر المشهد.. زحام في مكاتب الطيران وشركات السياحة.. حافلات مكتظة تتحرك في ساعات الليل المتأخرة.. مطار القاهرة يعلن حالة الطوارئ.. طائرات رائحة غادية ممتلئة عن آخرها برجال يرتدون ملابس الإحرام البيضاء، الوجوه منهكة سعيدة.. ريفيات يرتدين الطرحة البيضاء ويمسكن في حرص بحقائبهن السميكة.. بمجرد أن تقلع الطائرة ترتفع تكبيرة الإحرام في صوت جماعي مزلزل يبعث على القشعريرة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك.. تختلط التلبية بفرقعة زغاريد تنطلق من القلب.. تفيض دموع وتسكب عبرات فيما الطائرة ترتفع إلى السحاب بأشواق عاشقين.
في مطار جدة يتكرر المشهد مع لمسة قلق ورهبة.. معجزة الطائرة أنها تنقلك من بلد إلى بلد آخر دون تمهيد.. وبعد الوجوه المصرية مألوفة الملامح تجد نفسك -بعد ساعتين فقط- أمام وجه بدوي ولحية كثة يدهشك اجتماعها مع الزي العسكري.. يجف ريقك وأنت تفكر في حوادث التزييف المتكررة لتأشيرات العمرة لكن ربنا يستر وتجد نفسك في الناحية الأخرى لتبدأ مذبحة البحث عن حقائبك وسط آلاف الحقائب التي يكسدها الريفيون بالقرص والفطاير والجبن القديم.
تنطلق الحافلة على جناح الشوق إلى المدينة المقدسة.. الأجساد متعبة والقلوب مستيقظة.. وهواء الصحراء حار جاف منعش.. أضواء بعيدة غامضة على مرمى البصر.. رمال صفراء وجبال شامخة.. ومن زجاج الحافلة تلوح بيوت مكة مغروسة في التلال.. ممعنة في الجلال.. غارقة في الصمت..

تخترق الحافلة الطرقات المنزوعة من بطون الجبال في طريقها إلى المسجد الحرام.. داخلك شيء لا يصدق أنك في مكة.. هناك حيث ولد الرسول وصنع التاريخ واتصلت السماء بالأرض.. شيء خيالي وحزين في الليل المكي.. في الجبال الشامخة التي تحيط بقدس الأقداس كأم رءوم تحتضن وليدها النفيس..
................................
ثم تقف الحافلة، تخرج شاحبا ومرتعدا.. أمامك أسوار، وساحة بيضاء، وحمام يطير بلا خوف فوق رأسك وجوار قدميك.. تدلف من الباب المتسع، وتهبط الدرجات الرخامية وسط زحام لا تشعر به.. عن بعيد يلوح لك شيء أسود مكعب متوسط الحجم.. شيء يشبه الكعبة!!
ينخلع قلبك ولا تصدق عينيك.. اعتدت رؤيتها صورة مطبوعة أو مشهدا تلفزيونيا.. وهذه هي المرة الأولى التي تراها رأي العين.. تقترب شاخص العينين لا تجسر على إغماض جفنيك، وكلما اقتربت يكبر المشهد حتى لا يحجبك عن بيت الله شيء.. تفيض عيناك من البكاء وتنسى كل الدعوات التي اجتهدت في حفظها لأيام خلت.. لا تذكر غير الله وتصغر -أمام عفوه- ذنوبك.
سأل إعرابي بسيط الرسول: أيحاسبنا مع الله أحد يوم القيامة؟ وحينما نفى الرسول ذلك قال على الفور: نجوت ورب الكعبة، وانطلق سعيدا مستبشرا لا يلوي على شيء.. استدعاه الرسول ثانية سائلا إياه عن الخبر فقال له: ماذا يكون من الكريم إلا الكرم؟

................................
تبدأ العمرة وتتمتم بالدعاء: اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، واتباعا لسنة نبيك سيدنا "محمد" صلى الله عليه وسلم نويت طواف العمرة سبعة أشواط لله تعالى، اللهم يسرها لي وتقبلها مني، الله أكبر.
تشير بكفك إلى الحجر الأسود محييا وقد أصابك اليأس من إمكانية تقبيله من فرط الزحام المحيط به.. تدور حول الكعبة طائرا في الهواء.. لا تشعر بقدميك ولا بالزحام من حولك، لا تشعر بنفسك ولا بالآخرين.. تطوف في عكس اتجاه الساعة، هكذا تدور الأرض حول الشمس والإلكترونات حول النواة في نفس الاتجاه. تشعر بالانسجام مع حركة الأفلاك وأنك متجانس من الكون.. وتود لو امتلكت من البلاغة ما يمكنك من الثناء على خالقك وتقول في الحب شيئا لم يقله سواك، ثم تخرج منك حارة تلقائية: يا رب فتشعر كأن أحدا لم يقلها من قبلك.
تدعو لأمك، لأبيك، لنفسك، لإخوتك، لأصدقائك، لأحبابك وأعدائك، لقد تصالحت مع نفسك فتصالحت بالتالي مع الجميع.
وفجأة تحدث المعجزة.. ثمة فرجة بين الصفوف تتسع فجأة.. تجد الطريق مفتوحا إلى الحجر الأسود.. تتحقق أمانينا بسرعة وبعدها نتساءل عن وجود الله!! ظاهرة اللطف وظاهرة إجابة الدعاء!! تجد وجهك داخل تجويف الحجر الأسود.. تلثم موضعا لمسته شفتا الرسول.

تصلي ركعتين لله عند مقام "إبراهيم".. تلصق جبينك بالأرض وتدعو وبينما أنت ساجد تراه -أبا الأنبياء "إبراهيم"- وهو يرفع قواعد البيت: "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ.
................................
تهبط إلى بئر زمزم وتعب الماء عبا.. ثم تكمل السعي بين الصفا والمروة.. تضع قدميك الحافيتين على أحجار جبل سارت عليها أقدام الصالحين قرونا بعد قرون.. في السعي مكان يهرول فيه الجميع وهم يدعون "رب اغفر وارحم، واعف وتكرم، إنك تعلم ما لا نعلم، إنك أنت الله الأعز الأكرم".. الكل يهرول من حولك حتى كبار السن.. لماذا يفعلون هذا؟.. فعل الرسول ذلك في هذا المكان بالذات وهم يقتدون به حتى لو لم يفهموا لماذا يفعلون ذلك.. الحب طاعة دون سؤال، هذا هو الحب الحقيقي.
تنتهي العمرة وتحني رأسك في خشوع ليقصوا لك شعرك وتتحلل من إحرامك.. حينما تسقط الشعرة الأولى يقشعر جسدك وينتصب شعر ساعدك ويخالطك يقين أن شعرك ليس وحده ما يسقط بل ذنوبك أيضا.
وتتوالى المسرات.. الإفطار في صحن الكعبة.. يرتفع آذان المغرب بصوت ملائكي خاشع وتبدأ في تناول أجمل طعام أكلته في حياتك: سميط، دقة، تمر، لبن.. وجبة روعتها في بساطتها، العناصر الأولية للغذاء.. ثم القهوة السعودي ذات الرائحة الذكية.. رائحة الحبهان والقرنفل والبن الأخضر.. سحابة عطرة تتكاثف على أنفك فتخف روحك.

ثم صلاة التراويح والأصوات العذبة ودعاء خاشع طويل يذيب القلب فتوشك أن تصافح الملائكة.
................................
حينما تنطلق بك الحافلة في طريقها إلى المدينة المنورة تعرف أن حياتك كلها لم تكن إلا حلما طويلا عابرا.. المآذن البيضاء والقبة الخضراء.. كتلة نور لا علاقة له بالكهرباء ولكن بنور الله.

أنت في المدينة.. تمشي في طرقات سار فوقها الرسول.. تتحرك في المسجد النبوي والحقيقة أنك تمر خلال بيوت الأنصار.. هناك حيث وضعت الملائكة أجنحتها ونزل جبريل الأمين حاملا الوحي إلى قلب رسول الله، وتزدحم الوفود حول رسول يأكل القديد ويربط بطنه من الجوع.
تذهب للبقيع حيث يرقد الأحبة.. تزور جبل أحد وتبكي على الشهيد "حمزة" ودا لرسول الله الذي دمعت عيناه حينما بكت نساء الأنصار على قتلى أحد وقال: ولكن حمزة لا بواكي له!! وجم الجميع، وذهبوا إلى بيت الرسول معتذرين وباكين، لكن الوحي ينزل على قلبه: "واصبر وما صبرك إلا بالله".. فيقابل الرسول الوحي بالطاعة والامتثال.
ثم تأتي أجمل مكافأة: اللحظة التي تقف أمام قبر الرسول خاشعا.. تحاول أن تقنع نفسك بأن هذا حقيقي.. وأنك على بعد خطوات من نبي.. هل تصدق هذا؟
تبدأ بالسلام، والثناء والدعاء، ثم تفضي له بما لا يجوز أن تفشيه.