تلك القصة لن أضع لها عنوانا فلقد إحترت فى أمرها و سادعكم أنتم تطلقون عليها ذلك العنوان ولكن بعد أن تقرأوها و سأقوم بكتابتها على حلقات إن شاء الله ..........

فى إحدى أحياء القاهرة الشعبية ,و فى غرفتين فوق سطح إحدى البيوت , كانت تقطن أسرة مكونة من تسعة أفراد ,الأم الإنسانة البسيطة التى تكدح و تتعب طيلة النهار كى ترعى بيتها و أبنائها و الأب الكادح الذى يعمل و يكد حتى يوفر لقمة العيش له و لأبناؤه , و كان هناك أربعة أولاد لهم و ثلاثة بنات , من ضمن هؤلاء الفتيات كانت هناك فتاة تميزت ببساطتها فى كل شيئ . فى لبسها , تعاملها , فى كل شيئ بحياتها , مرحة, تحب الناس و كل من قابلها شهد بأنه أحبها.. .....حتى جاء اليوم و أحب قلبها المدرس الذى كان يأتى إليهم ليقوم بالتدريس لأخوتها الصغار , و دق قلبه هو الأخر لها فقد كان يراها مختلفة عن كل من رآهم من قبل ....أما هى فاعجبها فيه رجولته ووسامته , و عقليته الناضجة و ثقافتة.....فقد كان رجلا كما يطلقون عليه "جنتل مان" ........ومن هنا تبدأ حكايتنا..............

تقدم الشاب لخطبتها ووافقت الأسرتين على ذلك و باركت هذا الزواج و لكن فى يوم الزفاف حدثت بعض الأشياء و بدأت تتضح رويدا رويدا فدعونا نرى ماذا حدث.......

تجلس العروسة فى الكوشة بجوار عريسها فإذا به يخرج علبه السجائر من جيبه و يقوم بالتدخين ,فتقطب الزوجة حاجبيها و يبدوا عليها ملامح الغضب و تقترب من إذنية قائلة فى همس:

إنك لم تكن تدخن من قبل فماذا حدث لك؟؟

يبتسم الزوج قائلا :
بل ادخن منذ سنوات و لكن كنت أتفادى التدخين أمامك....

وكانت أولى الصدمات.........................

إستوعبت الزوجة تلك الصدمة و لم تقف عندها و بعد مرور شهور من زواجها إتضح لها أشياء أخرى لم تكن تعلمها عن شخصية من تزوجته , فقد كان رجلا غيورا لأقصى درجة و عصبيا و شكاكا و بجانب هذا كان كريما و عطوفا و الأجمل من ذلك كله إنه كان يحبها جدا و هى ايضا كانت تحبه مما جعل الحياة تستمر رغم كل شيئ.........

و ذات يوم جاءت الزوجة بوجه بشوش تبشره بأن ولى العهد فى الطريق, وفرح الزوج بهذا الخبر فرحا كبيرا و كذلك العائلتين فقد كان أول مولود فى كلا العائلتين على حد سواء.........

وبعد تسعة شهور رزقهم الله بمولودة لها عيون خضراء و بشرة بيضاء وردية , فكانت و كغنها البدر و كانت سعادة العائلتين لا توصف ..............و أتفقوا على أن يكون إسم المولودة هو "أمل"


لم يمر سوى ثلاث سنوات على ميلاد تلك الطفلة حتى رزقهم الله بطفل جميل آية فى الجمال كأخته تماما سوى إنه يملك عينان سوداوتان و شعر إسود فاحم السواد ينسدل على وجهة الصغير ليعطى وجه الأبيض شكلا جميلا رقيقا تحسده عليه أجمل الجميلات.....و أتفقوا على أن يسموه محمد , و لكن الأب ظلت طباعة السيئة بجوار طباعة الحسنة لم تتغير , وزادته الأيام و ضغوطها عصبية......فقد كان قبل ذلك جنديا فى صفوف الجيش الوطنى و قد تعود التعامل بالعنف و تعود لغة الأوامر و العناد ..........و كانت الزوجة تعانى , و تتحمل من اجل أطفالها الصغار ومن أجل ما تبقى فى قلبها من حب تجاة ذلك الزوج الحنون....حتى جاء يوم و فاض بها الكيل وطفح وواجهته بما يزعجها منه فما كان له سوى أنه طلقها......وكانت الطلقة الأولى.........

حدث إضطراب فى العائلتين بسبب ذلك الطلاق و خصوصا بعد أن رآوا تلك الفتاة التى كانت كالزهرة اليانعة تنشر البهجة و البسمة أينما ذهبت و قد غلف وجهها غطاء من الحزن السميك يأبى ان ينقشع , و على يديها طفل صغير لم يتعد الثلاث سنوات بعد و فى يديها طفله مازالت تخطو خطواتها فى عامها السادس ........

و أجتهدت العائلتين فى الإصلاح بينهما و قد كان , فكان الحب مازال يعشش فى قلب الزوجين ومازال هناك ما يجعل الحياة تستمر و مايدفع عجلتها للأمام مرة أخرى من أجل الطفلين...و لم يمر الكثير من الوقت حتى كتب الله لهما أن يرزقهما بطفله أخرى , كانت تشبة أخيها كثيرا و أتفقا على أن يطلقا عليها إسم تغريد , وقد كانت بالفعل تغريد ,ليس بصوتها و لكن بوجهها البشوش فكان من السهل على أى شخص ان يضحكها و يلعب معها.....

و إستمرت الحياة ......حتى جاء ذلك اليوم.........

تتنحنح الزوجة و تقترب من زوجها فى حنان قائلة:
لا تنسى فرح أختى غدا إن شاء الله , يجب أن تحضر معنا فقد دعوك أنت ايضا

يرد الزوج و هو قاطب الجبين و ببعض العصبية قائلا:
حسنا حسنا عندما يأتى الغد نتحدث فى هذا الأمر.......

وجاء الغد و أرتدت الزوجة ملابسها و ألبست أطفالها الصغار و دعت زوجها كى يقوم معها فتفاجأت به يقول , لن تذهبى إلى اختك .......

ذهلت الزوجة و قالت:

ماذا؟؟ ماذا تقول؟؟ ألم تقل إنك موافق و ستأتى معنا؟؟

قال :
لا لقد أجلت الموافقة الى اليوم و ها أنا لا أوافق........

غضبت الزوجة كثيرا و قالت:
هذا فرح أختى و لابد أن أحضره فأنا اختها الكبرى و لن تكون فى حاجة لأحد فى ذلك اليوم كما ستكون فى حاجة إلى أنا......

يرد الزوج فى عناد:
إن خرجتى أنتى و أولادك من هذ ا الباب ستكونى طالق.......

و هنا كانت المآساة :
تأخذ الزوجة أطفالها و تخرج و يقع الطلاق عليها..........و تنتهى قصة عذابها مع زوجها لتبدأ رحلة عذاب من نوع أخر

حاول الزوج بعد لطلاق الثالث أن يوقع اليمين الثالث هذا بحجة إنه كان بغرض التهديد وليس بنية الطلاق ولكن أبت الزوجة , فقد تبخر معظم الحب الذى كان يحتويه قلبها لذلك الزوج و لم تعد تطيق الحياة معه أكثر من ذلك مع إحتفاظها بالود و الإحترام بينهما , فتم الإتفاق على كل شيئ بعد الطلاق بشكل ودى بحت وصار الأب يرى أولاده يومين بالأسبوع و هكذا........إستمرت الحياة لعامين تقريبا , على نفس الوتيرة مع تغير بسيط و هو أن الأب قرر أن يأخذ أبنه و يترك البنتين مع الأم قائلا :أن الأم لن تستطيع السيطرة على تربية الولد و هو أجدر بذلك .....وخيروا الفتى فى هذا الامر فوافق لتعلقه بوالده , و يالها من لحظة يصعب على قلب الأم إحتمالها , على قدر ما تحاملت على نفسها أمام طليقها حتى لا تظهر ضعفها أمامه على قدر ما أنهارت و بكت بما لم تبكى به طيله حياتها على فراق ولدها ....
وصارت تأتى كل إسبوع إلى منزل والدة الزوج كى ترى إبنها وهكذا تمر الحياة...والأم تعمل و تكد حتى تصرف على بناتها فنفقة زوجها كانت بالكاد تكفى المأكل ,و عكفت على أن لا تجعل أبنتيها فى أحسن حال و أحسن صورة , و لكن دوام الحال من المحال , كانت الأم من وقت لآخر تشتكى ألاما بظهرها تارة و بساقيها تارة أخرى , و قامت بزيارة أكثر من طبيب و أخذت الكثير من الادوية ....حتى جاء الوقت ليضرب القدر ضربته الكبرى , و يتم إكتشاف ذلك المرض الخبيث فى جسد الأم والذى كان رابضا فى جسدها منذ سنوات و لم تكن تعلم عنه شيئا , وعندما تم إكتشافة , كان قد فات الأوان و أستشرى فى جسدها , فرفض الأطباء أن تغادر الأم المشفى و أصروا على أن تكمل أيامها الباقية هناك , من حسن حظ الأطفال الثلاثة أن الإبن كان فى عالم آخر مع أبوه و كان صغير السن كذلك و أختة الصغرى التى لم تتعدى الست سنوات من عمرها لم تكن تعيى شيئا أيضا سوى أنها ترى أمها ملقاه على السرير بالمشفى و لا تستطيع حتى الحديث معها.........

تقترب الطفلة خلسه من أمها و تنظر إليها بعينان صغيرتان وتمد كفها لكف أمها الذى علق فيه الخراطيم المحملة بالأدوية و الجلوكوز , لعل امها تشعر بها و تمسك بيديها كما كانت تفعل بالسابق و تداعبها , ولكن لا شيئ من هذا كان يحدث , فتسحب الطفلة يديها الصغيرتين من يد إمها و تذهب لتسأل أختها الكبرى " ما بها أمى يا أختاه أجدها لا تحادثنى ولا تهتم بى " , فتربت الاخت الحنونة على رأس أختها الصغيرة و تحتضنها و فى عينيها دموع لتقول :

إنها نائمة يا حبيبتى الأن فلا تزعجيها مرة أخرى.

فتومأ الطفلة برأسها إيجابا وكأنها تعد أختها بألا تزعج أمها ثانية ........

وجاء الوقت المحتوم , و فوجأت الطفلة الصغيرة و أختها بخالهم و قد أتى و على وجهه ملامح الحزن و الآسى قائلا :

أين أمل يا تغريد ؟؟

لتجيب الطفلة فى براءة :
إنها بالغرفة يا خالى , هل اناديها لك؟؟

يجيب الخال فى سرعة و قد سرع تنفسه :
نعم ناديها و لكن بسرعة....

تأتى أمل مذعورة و ينها فى عين خالها :
ماذا حدث يا خالى ؟؟ هل أمى بخير ؟؟

يجيب الخال و كأنه يحاول أن يخفى أمر ما :
إطمئنى إنها بخير ولكنها طلبت أن تراكم ...

تنقل الطفلة عينها بين عين خالها الزائغتان و عيون أختها القلقة و هى حائرة لا تفهم ماذا يحدث و لكن شيئ ما جعل الخوف يتسلل إلى قلبها و أنتقل إليها خوف أختها و قلقها .......

أخذ الخال يد أختها الكبرى و أخذ الطفلة أيضا و ذهب الى المشفى و لكنه توقف فى منتصف الطريق عند مزل احد الأقارب و قال :
سنترك تغريد هنا معهم أفضل لا أحب ان ترى أمها فى تلك الحالة ....

يزيد قلق أمل و تعاود لتسأل خالها :
هل حدث لأمى مكروه يا خالى؟؟

فيشيح بوجهه عنها قائلا:
دعينا الأن نضع أختك فى مأمن و بعد ذلك ستذهبين بنفسك و ترى أمك

ورحلا وتركا الطفلة عند هؤلاء الأقارب الذين لا تعلم عنهم شيئا و أول مرة تراهم فى حياتها........

ت