إن الحديث عن فضل رمضان حديث شائق تنشرح له الصدور؛ لأنه حديث عن الجنة، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
"إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ" رواه البخاري ومسلم.


إنه ذلك الشهر الذي قال الحق سبحانه وتعالى عنه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}

هو شهر الهدى والتقى والعفاف والغنى.. هو شهر تنزُّل النفحات والبركات من السماء، هو شهر العفو والمغفرة والتسامح، هو شهر الخير والحق والعدل والجمال، هو شهر قال النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته وللأمة من بعده في حديث رواه الطبراني: "أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرُ بَرَكَةٍ، يَغْشَاكُم الله فِيهِ، فَيُنَزِّلُ الرَّحْمَةَ، وَيَحُطُّ الخَطَايَا، وَيَسْتَجِيْبُ فِيْهِ الدُّعَاءَ، يَنْظُرُ الله إِلَى تَنَافُسِكُمْ فِيْهِ، وَيُبَاهِي بِكُمْ مَلاَئِكَتَهُ، فَأَرُوْا الله مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ فِيْهِ رَحْمَةَ الله"..

إنه شهر الصيام الذي أمر الله به وكتبه علينا كما كتبه على الأمم من قبلنا. صيام يتحقق فيه الصبر على أمر الله والصدق في طاعته والرضا بما كتبه وقدره. إنه شهر يتحقق لنا فيه ثلاثة أنواع من الصبر؛ صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء. ولهذا لم يكتب الله لنا جزاءه لنتعرف عليه بل لعظم أجره وثوابه جعل الله الجزاء منه مباشرة ولا يُعلَم ما أعدّه الله لعباده الصائمين القائمين الصابرين في هذا الشهر الكريم، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله عز وجل: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنّة –أي وقاية- فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم مرتين والذي نفس محمد بيده لخَلوف فم الصائم – رائحة الفم- أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك. وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه".

وربما يكفينا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث سهل بن سعد: "إن في الجنة بابا يُقال له الريَّان يدخل منه الصائمون يوم القيامة فإذا دخلوا منه أُغلق دونهم فلا يدخل معهم أحد"..

فيا أحبائي:
ما أشد حاجة العبد لرمضان، وما أحوجه للصيام عندما يأتي يوم القيامة. فالصيام والقرآن يشفعان للعبد في هذا اليوم العصيب، فحين يقف العبد يومئذ وقد كثرت ذنوبه وخشي عقاب ربه وأن يكون من الخاسرين الخائبين، وجد رجلا ما أعظم خَلقه وما أبهى جماله يقول له لا تخف؛ فيطمئن قلبه كما ورد في الحديث؛ حيث يأتي الصيام يقول يا رب شفِّعني فيه فقد منعتُه الطعام والشراب في رمضان ويقول القرآن يارب شفعني فيه فقد منعته النوم بالليل فيدخل الجنة.

ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه: "إن لله مائدة لم ترَ عينٌ مثلها ولم تسمع أذنٌ بها ولم تخطر على قلب بشر ولا يقعد عليها ويأكل إلا الصائمون"..

إذن لابد لنا أن ندخل هذا الشهر ونحن نعرف قيمته، ونسعى إليه سعينا لأعظم ما يمكن أن نسعى إليه وهل بعد الجنة ورضاء الله من ثواب؟! وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام يوماً في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفاً".. ذلك لنعلم أن جزاء الصائمين يوما واحدا في سبيل الله هو هذا الجزاء الكبير، فما بالكم بمن صام نهار رمضان، وأحيا ليله، وتهجَّد فيه؟! إن أجر ذلك لا يعلمه إلا من سيهبه لعباده وسبحان من يعطي بغير حساب.

إن فضل رمضان يا أحبائي لا تحصيه الأقلام لأنه باب من أبواب فضل الله تعالى: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها".. ولكننا نُذكِّر ببعض ما جاء لنا منها لعلنا نسعد بقدومه ونستعد لاستقباله، ولنصبر على غض أبصارنا وأداء صلواتنا، وذكر ربنا، ولنعمل على الصيام عن كل ما لا يرضي الله، ففي هذا الشهر ليلة هي ليلة القدر. ليلة خير من ألف شهر.. يا سعد من أدركها وهو صائم صادق. فيستجيب الله له ويعطيه سعادة الدنيا والآخرة.

وأود أن أختتم حديثي معكم عن شيء من فضل هذا الشهر الكريم برواية جاءت في الأثر لندقق فيها ونتصور حالها ونعمل على أن نصل إليها.. فقد ورد أنه:
"إذا احتضر العبد يُقال للملَك شمّ رأسه.. فيشم رأسه فيقول أشم رائحة القرآن.. فيقال له شمّ قلبه فيشم قلبه ويقول أشم رائحة الصيام، ثم يُقال له شمّ قدميه فيشم قدميه ويقول أشم رائحة القيام.. فيقال له لقد حفظ الله تعالى فاحفظه".