بيوتنا في رمضان

إن شهر الصيام له خصائص خاصة ، يتميز بها الصائم المسلم والمجتمع المسلم والبيوت المسلمة ، وقد سبق أن تحدثنا عن أخلاق الصائم الذي لا يرفث ولا يفسق ولا يجهل والذي يدع قول الزور والعمل به والذي يتجنب الغيبة والنميمة والذي يكف سمعه وبصره ويكف أذاه عن الناس والذي يغتنم الأوقات في الطاعة والذكر وصنوف العبادة والدعاء .

أما البيوت المسلمة في رمضان فلها خصائص إيمانية فهي بيوت يكثر فيها من تلاوة القرآن الكريم والاستماع إليه فالبيت الذي يقرأ فيه القرآن يزداد خيره وبركته والبيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يقل خيره وبركته إن الحياة في رحاب القرآن نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها فتلاوته نعمة وبركة وتتنزل الرحمات على قارئيه والاستماع إليه خشوع وتواصل مع كلمات الله .

قال محمد بن كعب : كن نعرف قارئ القرآن بصفرة اللون يشير إلى سهره وطول تهجده وقيل لرجل ألا تنام ؟ فقال : إن عجائب القرآن أطرن نومي وصحب رجل آخر فرآه لا ينام فتعجب فقال : إن عجائب القرآن أطرن نومي وما أخرج من أعجوبة إلا وقعت في أخرى.

وهي بيوت يطعم فيها الطعام وتوصل فيها الأرحام خاصة في شهر المواساة الذي يزاد فيه في رزق المؤمن كما ورد في الحديث الشريف "من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه ، وعتق رقبته من النار ، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شئ ". قالوا يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم قال :

" يعطى الله هذا الثواب لمن فطر صائما على مذقة لبن ، أو تمرة ، أو شربة ماء " .

وإطعام الطعام منزلة عظيمة للمسلم الصائم فهذه طهرة لماله وبركة في منزله ومعاونة للصائمين على صيامهم وتحقيق لمفاهيم إسلامية مثل الزاور في الله والتحاب في الله وكذا صلة لرحم المسلمة ، خاصة إذا كان الصائمون المطعمون من ذوي الرحم فيجتمع للمسلم فضلين معا " إطعام الصائم و صلة الرحم "

وهي بيوت تعمر بالذكر والتسبيح ولادعاء في شهر الصيام ، يرجى قبوله فليس هناك شئ أكرم على الله من الدعاء وأعظم أوقات الدعاء للصائم في ليلة القدر ووقت السحر وعند الإفطار فيستقبل الشهر بالدعاء

"اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى ربي وربك الله "

والدعاء عند الإفطار

" ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله "

والدعاء عند الإفطار لدى غيره

" أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار ، وصلت عليكم الملائكة "

والدعاء في ليلة القدر

" اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنى "

وهي بيوت تخرج منها الصدقات فتعطي للمحتاجين فأفضل الصدقة صدقة في رمضان والجمع بين الصيام والصدقة من أبلغ الأبواب في تكفير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة بينهم وهي من موجبات الجنة التي أعد الله فيها غرفا لمن طيب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام .

ولأن الصيام لا يسلم غالبا من اقتران خلل أو نقص به وتكفيره للذنوب مشروط بالتحفظ مما لا ينبغي قولا وفعلا فالصدقة تجبر نقصه وخلله ولهذا وجبت في رمضان زكاة الفطر طهرا للصائمين من اللغو والرفث وهي تحقيق لمعنى المجتمع المسلم المترابط المتكافل الذي يشعر الغنى فيه شعور الفقير ويحس بإحساسه ويكون المسلمون عندئذ بنيانا واحدا يشد بعضه بعضا ولا مجال للحقد والحسد والضغينة والبغضاء لأن الغني يبذل للفقير فيدعو له بالبركة في المال والرزق .

وهي بيوت لا يستمع فيها إلى المعازف والأغاني وآلات اللهو وكل صنوف المنكرات وذلك بصوم آذاننا عن سماع الفواحش من القول البذئ من الكلام فتفطر على سماع الهدى والذكر وطيب الكلام وتلك آذان المسلم النقي الذي يعلم مسئولية السمع

"إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً "

إن البيوت التي يتعلق فيها أصحابها بالاستماع أو اللهو أو مشاهدته رغم كونهم صائمين هي بيوت استوطنها الشيطان فعبث بقلوب أهلها وسلك طريقا داخل عقولهم ومد حباله وشباكه في هذه البيوت

"وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ"

وهي بيوت تتسم بالتراحم والتواد والتعاطف ونفع الناس واجتماع المسلمين حول مائدة الإفطار وشكرهم لله تعالى وإحساسهم بنعمة الله عليهم من توفيقهم للإيمان والطاعة .

ولذلك فالرحمة تصبغ بيوت المسلمين في رمضان فالرحمة والمحبة من لوازم الصائم المخلص في صيامه فنفسه التي طهرها الجوع والظمأ وتلاوة القرآن وذكر الله تعالى لا محالة أن تنعكس عليها إلا الرحمة لعباده والمحبة لهم .

أخي المسلم

إن بيوتنا في رمضان هي بيوت هذبها الصيام وطهرها القيام ونقى أهلها الصبر على الطاعات وائتلفت بالأخلاق الإسلامية وانصهرت في معين الصيام .

اللهم نجنا من النار وأعذنا من دار الخزي والبوار وأسكنا برحمتك دار المتقين الأبرار يا أرحم الراحمين .