الافراط في محبة الاولاد





قال الله تعالى في كتابه الحكيم

(لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم)

آل عمران/ 188


من عوام نشوء عقدة الحقارة، الإفراط في إبداء مظاهر الحب والحنان بالنسبة إلى الطفل. إن الأطفال الذين يبذل لهم من العناية والحب أكثر مما ينبغي ينشأون في النتيجة معجبين بأنفسهم، فيلاقون طيلة أيام حياتهم، وخاصة عند مواجهة مشاكل الحياة، والشعور بالحقارة والضعة بشدة، فيقدمون على أعمال غير مرضية... وقد يؤدي بهم الشقاء والضغط الروحي إلى الجنون والانتحار.


أن المحبة ضرورية لنمو روح الطفل كالغذاء الضروري لنمو جسمه. وإن أهمية التوازن الصحيح في كم المحبة وكيفها وأسلوب إظهارها لا تقل عن أهمية المحبة ذاتها. وكما أن لكل من التقليل من الغذاء، والإكثار منه، وتسممه، أثراً في بدن الطفل، كذلك لكل من التقليل من المحبة، والإكثار منها، والمحبة غير موضعها والتي ينحرف بها الطفل آثاراً مشومة في رح الطفل وتسبب له مشاكل كثيرة.




الهدف من التربية الصحيحة هو أن تقرن حياة الطفل بالسعادة، وتكلل جهوده بالنجاح. إذ الحياة على طولها تتضمن صراعاً مع المشاكل وهكذا يواجه الفرد كثيراً من المنخفضات والمرتفعات والمنغصات والمصائب في مختلف أدوار حياته. والمربي القدير هو الذي يعمل على تنشئة جسم الطفل وروحه على أحسن الأساليب بحيث يعده للمقاومة والثبات أمام صعوبات الحياة.


وكما أن جسم الطفل يقوى نتيجة للمراقبة الصحية، والتوازن في أكله ونومه وحركته ورياضته، ويستطيع من مقاومة البرد والحر، والجوع والعطش، والمرض على أحسن وجه، فكذلك روحه فإنها تنمو قوية في ظل الصحة الروحية والتعاليم الخلقية، والتوازن بين أساليب العطف والحنان والشدة والخشونة... وبذلك يتمكن من الصمود أمام المصائب والمشاكل والإندحارات الروحية.


وبالعكس فإن الأطفال الذين يواجهون المحبة والرأفة الزائدتين، ويستسلم لهم آباؤهم وأمهاتهم بدون أي قيد أو شرط، ويستجيبون لجميع مطاليبهم من صالح أو طالح، وبالتالي ينشأون على الاستبداد والإعجاب بالنفس... فإنهم يحملون أرواحاً ضعيفة ونفوساً سريعة الانهزام من ساحة المعركة، ويتأثرون من دور الطفولة حتى آخر لحظة من العمر من مواجهة أبسط الأشياء، وأخف المصائب، وينكسرون أمام مشاكل الحياة بسرعة.



إن الأفراد الذين نشأوا في ظل الحنان المفرط، هم أتعس الأفراد، لأنهم يعجزون عن حل مشاكل الحياة الاعتيادية، فيلجأون في الشدائد إلى الانتحار متصورين أن النهاية الحتمية لفشلهم يجب أن تبرر بالانهزام من معركة الحياة.





لقد حذرت الشريعة الاسلامية الغراء أولياء الأطفال في أسلوب تربيتهم من الإفراط في المحبة. إن الذين يفرطون في الرأفة بأطفالهم، ويدفعونهم بسلوكهم الأهوج هذا إلى الإعجاب بأنفسهم، ملومون من قبل الأئمة (ع).


فعن الإمام الباقر (ع) أنه قال: ((شر الآباء من دعاه البر إلى الإفراط، وشر الأبناء من دعاه التقصير إلى العقوق)).


إن العواقب السيئة التي يلاقيها الأطفال نتيجة الإفراط في المحبة تجاههم مهمة جداً وخطرة. ولهذا السبب يعرف الإمام (ع) الآباء الذين يفرطون في التظاهر بالحب والحنان لأطفالهم بأنهم شر الآباء.


إن الطفل مفطور على حب الحرية... إنه يرغب في أن يعمل ما يريد، ويمد يده إلى ما يشاء، لا يمتنع أحد من تنفيذ ما يطلب، ولكن ذلك غير صالح للطفل، لأنه لا يميز الحسن من القبيح، ولا يفهم الخير من الشر. إن المربي الصالح هو الذي يسير وفق مقتضيات العقل في الاستجابة لمطاليب الطفل، فيعمل على تحقيق مصلحة الطفل مع العطف والحنان عليه، ويمنعه متى كان طلبه يخالف صالحه، بكل صرامة، متبعاً في ذلك مختلف الوسائل، من النظرة الشزراء، والإهمال الموقت وما شاكل ذلك.


هناك بعض الآباء والأمهات الجهلاء ليس لهم أدنى اهتمام بخير الطفل وصلاحه. هؤلاء الوالهون المفرطون في الحب والحنان، الذين أعمى الحب عيونهم، واصم آذانهم... هدفهم الوحيد هو إرضاء الطفل وتنفيذ رغباته، فيعطون المجال له بدون حساب، ويجعلون أنفسهم طائعين فعلاً وممتثلين لأوامر الطفل الصغير، منقادين له تماماً.


كل يوم يزداد من عمر الطفل يزداد إعجابه بنفسه، وتتحكم في نفسه جذور الاستبداد والتعنت بالرأي، ويعود عالة على المجتمع.


هؤلاء الآباء والأمهات، وإن تظاهروا بمظهر الحب والحنان فإنهم في الواقع يحملون معاول لهدم أساس سعادة أطفالهم، ويقودونهم بعواطفهم التافهة ومحبتهم غير المرضية إلى طريق التعاسة، والمستقبل المؤلم.


إن الأطفال الذين يتربون على هذا الأسلوب المذموم، ينشأون معجبين بأنفسهم. وهذا الخلق السيئ من الآفات الروحية الخطيرة، بحيث يترك آثاراً وخيمة على الجسم والروح، وتظهر نتائجه السيئة من خلال أقوال المصاب وأفعاله بكل وضوح.

م.ن