أبو يوسف القاضي

هو أحد أبرز الشخصيات الاقتصادية في الرعيل الأول وهو القاضي أبي يوسف هو يعقوب بن ابراهيم بن سعد الانصاري. ولد سنة 113 للهجرة، سكن الكوفة وبغداد. وتعلم على يد أبي حنيفة سبع عشرة سنة، وأخذا العلم عن عدد من العلماء ومن أشهرهم التابعي الجليل عطاء بن السائب، ولقى مالكا بالمدينة وأخذ عنه. وكان قوي الملاحظة سريع البديهة يحفظ الحديث بسرعة فائقة. ومن تلاميذه الإمام أحمد بن حنبل، والإمام يحيى بن معين، والإمام يحيى بن آدم صاحب كتاب الخراج. ويقال عنه أن شيخ المدرستين، مدرسة الرأي ومدرسة الحديث. وقد تولى القضاء عهدا طويلا مما كان له أثر كبير في الفقه الحنفي إذ فيه امتان للنظريات العلمية وصهر لها في بوتقة العمل. وقد تعرف خلال تلك الفترة على الواقع العملي لحياة الناس، مما أكسب دراسته وأبحاثه الطابع الواقعي غير الموغل في البعد الافتراضي، وتوفي سنة 182 للهجرة. فكرة الاقتصادي: بلغت شهرة أبي يوسف حدا شائعا من حيث أنه صاحب أبي حنيفة من جهة، ومن خلال كتابه الشهير "الخراج" من جهة أخرى. والواقع أن الفكر المالي الإسلامي يحتفظ لأبي يوسف بمكانة سامية لما قدمه له من عطاء مبكر وعميق من خلال كتابه "الخراج" وبرغم أن كتاب الخراج هذا قد عده العلماء والباحثون الاقتصاديون ضمن مجموعة المؤلفات في علم المالية العامة: وذلك لما احتوى عليه من موضوعات هي في الكثير الغالب موضوعات مالية. حتى لقد سمى الكتاب "الخراج" إشارة إلى أهمية الخراج كأحد مصادر الإيرادات العامة في الدولة الإسلامية. وبرغم ذلك فإن الباحث المدقق يكتشف أن كتاب الخراج ليس كتابا في المالية العامة في الإسلام فحسب، وإنما هو أوسع من ذلك، فقد ضمنه صاحبه أبو يوسف الكثير من الأفكار الاقتصادية، سواء منها ما تعلق بالشؤون المالية للدولة أو ما تعداها إلى الشؤون الاقتصادية العامة، وسواء منها ما تناول الاقتصاد العام وما تناول الاقتصاد الخاص. بل إن هناك قضايا ليست بذات صبغة اقتصادية قد تناولها. وقد أبرز ذلك أبو يوسف بنفسه في مقدمة كتابه، إذا بين أنه إجابة عن تساؤل من الخليفة مفاده ( أن أضع له كتابا جامعا يعمل به في جباية الخراج والعشور والصدقات والجوالي، وغير ذلك مما يجب عليه النظر فيه، والعمل به(. ومن جهة أخرى فإننا إذا نتناول الفكر الاقتصادي لأبي يوسف فإننا لن نغفل ما قدمه من أفكار اقتصادية لم يضمنها كتابه المذكور، ولكنها مبثوثة في كتب الفقه. ومن بين تلك الأفكار ما يعتبر رائدا فيه ولم يسبق إليه أحد من العلماء، وكل من تناول ذلك من العلماء فإما موافق لأبي يوسف متبع له وإما مخالف له. ومن ذلك مسألة تغير القيمة الحقيقية للنقود وما ينبغي عمله في تلك الحالة تجاه عقود الائتمان التجاري وغيره. كذلك من المسائل الاقتصادية التي كان لأبي يوسف فيها رأي نافذ مسألة الاحتكار ومدى شموله لمختلف السلع. وهكذا فإن الفكر الاقتصادي لأبي يوسف لا يبحث عنه فقط بين دفتي كتاب الخراج، وإنما يبحث عنه كذلك في قضايا كتب الفقه الإسلامي عامة والحنفي خاصة. وقيمة كتاب الخراج في نظرنا تكمن في أنه أول مؤلف في الإسلام ـ على حد علمنا ـ قد تناول الإيرادات العامة للدولة الإسلامية، بل وبعض جوانب نفقاتها بعرض مستقل وتحليل متميز، ومهما بدا على منهج أبي يوسف في تأليفه للخراج من مظاهر قد تكون أقرب ما تكون إلى الفقه إلا أن ذلك لا ينفي أنه قد تمكن في تلك الفترة المبكرة بل والأولى في تاريخ التأليف والتدوين في الإسلام من جمع وصياغة المسائل المالية والكثير من المسائل الاقتصادية صياغة ذات طابع اقتصادي غير منكور في الكثير من جوانبها، بل هو في الحقيقة قدم ما يمكن اعتباره السياسة الاقتصادية التي ينبغي للدولة أن تسير عليها. وفيما يلي نعرض لأفكاره الاقتصادية مبرزين أهم ما نعتبره إسهاما اقتصاديا متميزا لأبي يوسف وليس مجرد إسهام فقهي، قد يشاركه فيه غيره من الفقهاء. وسوف نقوم بتجميع أفكاره الاقتصادية تحت عناوين كلية، وفي داخل كل عنوان نعرض لإسهامه الفكري حيال مسائل هذه المجموعة أو تلك. وقبل أن نبدأ في عرض الفكر الاقتصادي لأبي يوسف نبين هنا أولا معنى ومضمون كلمة "الخراج" خاصة وقد اختارها عنوانا لكتابه. وقد حذا حذوه في ذلك بعض العلماء اللاحقين له. النفقات الاستثمارية: من أبرز وجوه الانفاق العام الاستثماري في هذا العصر حفر الترع وتعبيد الطرق وإقامة القناطر والسدود. وقد أكد عليه أبو يوسف ومن ذلك قوله: «رأيت أن تأمر عمال الخراج إذا أتاهم قوم من أهل خراجهم فذكروا أن في بلادهم أنهارا عادية قديمة وأرضين كثيرة غامرة، وأنهم إن استخرجوا لهم تلك الأنهار واحتفروها وأجري الماء فيها عمرت هذه الأرضون الغامرة..."المغمورة بالمياه"، وزاد خراجهم. كتب بذلك إليك فأمرت رجلا من أهل الخير والصلاح يوثق به بدينه وأمانته فتوجهه في ذلك حتى ينظر فيه ويسأل عنه أهل الخبرة والبصيرة ومن يوثق بدينه وأمانته من أهل ذلك البلد، ويشاور فيه غير أهل ذلك البلد ممن له بصيرة ومعرفة ولا يجر إلى نفسه بذلك منفعة ولايدفع عنها به مضرة. فإذا اجتمعوا على أن في ذلك صلاحا وزيادة في الخراج أمرت بحفر تلك الأنهار، وجعلت النفقة من بيت المال، ولا تحمل النفقة على أهل البلد فإنهم إن يعمروا خير من أن يخربوا وإن يفروا ـ من الوفرة ـ خير من أن يذهب مالهم ويعجزوا. وكل مافيه مصلحة لأهل الخراج في أرضهم وأنهارهم وطالبوا إصلاح ذلك لهم أجيبوا إليه، إذا لم يكن فيه ضرر على غيرهم... وإذا احتاج أهل السواد إلى كرى أنهارهم العظام التي تأخذ من دجلة والفرات كريت مهم، وكانت النفقة من بيت المال ومن أهل الخراج، ولا يحمل ذلك كله على أهل الخراج .. فأما البثوق والمسنيات والبريدات التي تكون في دجلة والفرات وغيرهما من الأنهار العظيمة فإن النفقة على هذا كله من بيت المال، لا يحمل على أهل الخراج من ذلك شيء، لأن مصلحة هذا على الإمام خاصة، لأنه أمر عام لجميع المسلمين، فالنفقة عليه من بيت المال، لأن عطب الأرضين من هذا وشبهه، وإنما يدخل الضرر من ذلك على الخراج. ونلاحظ هنا التأكيد على قيام الدولة بالانفاق الاستثماري، كما نلاحظ التفات أبي يوسف إلى ضرورة قيام دراسة جدية وموضوعية للجدوى الاقتصادية للمشروعات على المستوى القومي. وضرورة أن يقوم بذلك فريق من العلماء المتخصصين ذوي الكفاية والأمانة. وأخيرا يضع أبو يوسف قاعدة عامة للنفقات العامة ومجالاتها. فكل ما يمثل مصلحة لعامة المسلمين فالإنفاق عليه من بيت المال، ويفهم من ذلك عدم إهدار المال العام في نفقات تمثل مصالح خاصة. أبو يوسف وقضية التنمية الاقتصادية: هذه إحدى المسائل التي تؤكد صدق مقولتنا من أن كتاب الخراج لم يكن قاصرا على تناول المسائل المالية. وإنما هو كتاب في السياسة الاقتصادية للدولة بكل ما تحتوي عليه من جوانب وأبعاد. دولة مثل الدولة الإسلامية في عهد هارون الرشيد وهي على ماهي عليه من ضخامة واتساع وكثافة في الموارد والسكان، وهي كذلك على ماهي عليه من حمل لمشكلات وأثقال إدارية وسياسية متراكمة من عصور وعهود أدت إلى اضمحلال الكثير من جوانب النشاط الاقتصادي في المجتمع الإسلامي. ترى هل يخلو كتاب مقدم من القاضي أبو يوسف للخليفة يتضمن الكثير من المسائل والسياسات الاقتصادية، هلي يخلو من الإشارة إن لم يكن التركيز على مسألة التنمية الاقتصادية؟؟.. لا نتوقع أن يأتي خلوا من ذلك. وهذا ما نجده بالفعل من خلال القراءة المتأنية للخراج. بل نكاد نجزم بأن محور الكتاب كله يدور حول التنمية الاقتصادية المقرونة بالعدل. ومن خلال كتاب الخراج لأبي يوسف يتضح لنا أنه حمّل الدولة مسؤولية كبرى تجاه إنجاز التنمية الاقتصادية مع عدم إغفال دور الأفراد في تحقيق ذلك. وهناك الكثير من مواقف أبي يوسف مما يفصح عن ذلك نكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها. يقول أبو يوسف مخاطبا الخليفة: )ولا أرى أن يترك الإمام أرضا لا ملك لأحد فيها ولاعمارة حتى يقطعها فإن ذلك أعمر للبلاد وأكثر للخراج(. ويقول أيضا في معرض تحمل الدولة للنفقات العامة وقيامها هي بالإنفاق على المشروعات وعدم تحميل الأفراد شيئا منها فوق ماعليهم من فرائض مالية: )ولا تحمل النفقة على أهل البلد فإنهم إن يعمروا خير من أن يخربوا، وأن يفروا ـ من الوفرة ـ خير من أن يذهب مالهم ويعجزوا.) أبو يوسف والعنصر البشري القائم على الشؤون المالية والاقتصادية من الأشياء التي تستحق الثناء والتقدير الكاملين ما أبداه أبو يوسف من اهتمام مركز بقضية الجهاز البشري القائم على الشؤون الاقتصادية، فمن المعروف أن الأموال العامة لا تجبى ولا تنفق ولا تستغل إلا من خلال جهاز إداري يقوم بذلك. ومتى توفرت في هذا الجهاز المواصفات المطلوبة فهناك ضمان كبير لإنجاز تلك المهام على الوجه الأمثل، ومتى لم تتوفر في الجهاز الإداري الكفاية والأمانة فلن تكون هناك جباية ولا إنفاق ولا استخدام للموارد بصورة رشيدة وهذا ماركز عليه أبو يوسف في مناسبات عديدة، ومن ذلك: * من كتاب "سلسلة أعلام الاقتصاد الإسلامي" للدكتور شوقي أحمد دنيا (مكتبة الخريجي ـ الرياض). يقول فيمن يتولى القيام على المشروعات الاقتصادية العامة: (ولا يولى النفقة على ذلك إلا رجل يخاف الله، ويعمل في ذلك بما يجب عليه لله، قد عرفت أمانته وحمد مذهبه، ولا تولّ من يخونك، ويعمل في ذلك بما لايحل، ولا يسعه يأخذ المال من بيت المال لنفسه ومن معه، أو يدع المواضع المخوفة ويهملها ولا يعمل عليها شيئا يحكمها به حتى تنفجر فتغرق ماللناس من الغلات وتخرب منازلهم وقراه. وفي الجهاز الإداري القائم على أمر الخراج يقول أبويوسف: [ورأيت أن تتخذ قوما من أهل الصلاح والدين والأمانة فتوليهم الخراج، ومن وليت منهم فليكن فقيها عالما مشاورا لأهل الرأي عفيفا، لا يطلع الناس منه على عورة ولا يخاف في الله لومة لائم.. ولايخاف منه جور في حكم إن حكم، فإنك إنما توليه جباية الأموال وأخذها من حلها وتجنب ما حرم منها، يرفع من ذلك مايشاء ويحتجن منه ما يشاء، فإذا لم يكن عدلا ثقة أمينا فلا يؤتمن على الأموال. إني قد أراهم لا يحتاطون فيمن يولون الخراج، إذا لزم الرجل منهم باب أحدهم أياما ولاه رقاب المسلمين وجباية خراجهم، ولعله أن لايكون عرفه بسلامة ناحية ولا بعفاف ولا باستقامة طريقة ولا بغير ذلك. وقد يجب الاحتياط فيمن يولى شيئا من أمر الخراج والبحث عن مذاهبهم والسؤال عن طرائقهم، كما يجب ذلك فيمن أريد للحكم والقضاء]6. أبو يوسف والنشاط الاقتصادي الخاص هذا الجانب هو الآخر يؤكد بوضوح صدق ماذهبنا إليه من أن الفكر الاقتصادي لأبي يوسف لم يتوقف عند الجوانب المالية فحسب بل ولا عند الجوانب الاقتصادية العامة، وإنما تعدى كل ذلك إلى الجوانب الاقتصادية الخاصة. فقدتناول نشاط الأفراد في الإنتاج والاستثمار، موضحا صور الاستثمار المتاحة أمام الفرد خاصة في القطاع الزراعي في التسويق والتبادل، وفيما يلي نعرض لفكر أبي يوسف في تلك المسائل: أبو يوسف يجيز استغلال الأرض عن طريق كل من المزارعة والإجازة: وعلى حد علمنا أن أبا يوسف قد انفرد عن علماء عصره بالقول بالجواز المطق لكل من المزارعة والإجازة في الأرض، وهوبذلك يفتح الباب متسعا أمام استغلال الموارد وتشغيل الطاقات. وفي المزارعة كان ثاقب النظر من الناحية الفقهية والاقتصادية إذ بين أن الأرض بمنزلة النقود، والمزارعة عليها بمنزلة المضاربة في النقود، وقد جاء ابن تيمية من بعده فحذا حذوه وبين بيانا شافيا جواز المزارعة معتمدا على كل من المنقول والمعقول.