محمد الشيباني

إسهام محمد الشيباني في إرساء دعائم علم الاقتصاد الإسلامي سوف نعتمد اعتمادا شبه كلي على كتابه " الكسب " . أهمية كتاب " الكسب " في الاقتصاد الإسلامي : يعتبر كتابا في الاقتصاد بكل ما تحمله الكلمة من معنى وقد وفق ابن الحسن في تخير العنوان" الكسب " وواضح أن كتابا في هذا الموضوع يؤلف في هذا الوقت المبكر من حياة الفكر الإسلامي لا شك يلقى الاهتمام الكبير من أرباب الفكر الإسلامي ودليلا على ذلك العبارة التي قالها فيه الإمام الحنفي الكبير السرخسي : (فيه من العلوم ما لا يسع جهلها ولا تخلف عن علمها، ولو لم يكن فيه إلا حث المقتبسين على مشاركة المكتسبين في الكسب لأنفسهم، والتناول من كد أيديهم لكان يحق على كل أحد إظهار هذا النوع من العلم ) فهو قد أثنى على الكتاب من حيث أهمية موضوعه وتوفيق المؤلف في طرح هذا الموضوع مبكرا وبمنهج علمي رصين . الريادة والسبق : يعتبر أول جهد علمي بذل في هذا الموضوع على ساحة الفكر الإسلامي حيث قدم في بداية وأوائل عصر التدوين والتأليف لرجال الإسلام، فهو انصرف إلى لب القضايا الاقتصادية ممثلة في الكسب والإنتاج والإنفاق والاستهلاك والتوزيع وغير ذلك مما يعد من صميم الدراسة الاقتصادية، وجاء أيضا هذا الكتاب إشباعا لحاجة الناس في التعرف على المسائل الاقتصادية . يعتبر وثيقة هامة لكتابة التاريخ الاقتصادي وتاريخ الفكر الاقتصادي في المجتمع الإسلامي : فهو بالإضافة إلى كونه في حد ذاته لبنة أساسية من لبنات الفكر الاقتصادي الإسلامي فقد احتوى على مجادلات فكرية تكشف لنا عن الاتجاهات الفكرية التي ظهرت في المجتمع الإسلامي في تلك المرحلة المبكرة من حياته، فالملاحظ أن إبن الحسن في تناوله لتلك المسائل الاقتصادية بل في تأليفه لهذا الكتاب انما كان يرد على بعض تلك الاتجاهات الفكرية ويعرض في الوقت نفسه لرأي مدرسة الفقهاء وأهل السنة في القضايا الاقتصادية، ومن ناحية أخرى فإن هذا الكتاب قد أثار أمام الباحثين في التاريخ الاقتصادي الإسلامي بعض الصور التي تعبر عن بعض جوانب الحياة الاقتصادية في ذلك العصر ومن ذلك مسألة تزيين المساجد والبيوت وزخرفتها وأنواع الأثاث مما هو هام للمؤرخ الاقتصادي . منهجيته في البحث هامة وضرورية للباحثين المعاصرين في الاقتصاد الإسلامي : ذلك أنه قد حرص كل الحرص على ربط السلوك الاقتصادي بالقيم والقواعد الإسلامية، ففي الكسب وفي الاستهلاك وفي الإنفاق وجدنا أثر المبادىء الإسلامية بارزا كأوضح ما يكون على سلوك المسلم كما أنه من ناحية أخرى قد نجح كل النجاح في كشف العلاقة العضوية بين أنشطة المسلم الاقتصادية والروحية ونحن اليوم في حاجة ماسة إلى التعرف على هذا وذاك . - تطرقه لقضايا اقتصادية على درجة كبيرة من الأهمية : ففي كل عصر وفي عصرنا هذا بوجه خاص، ومن ذلك مسألة الحاجات الأساسية ونمط إشباعها، ومسألة الإعالة للصغار والكبار من الأقارب مما يعني أن الاقتصاد الإسلامي لا يتوقف اهتمامه عند الفرد كوحدة اقتصادية بل عند " الأسرة "، كذلك فقد أبرز قضية التكافل الاجتماعي وتأمين مستوى المعيشة المناسب لكل فرد ومسؤولية الجماعة عند ذلك . وأخيرا فقد أثار بقوة مسألة تنويع وتخصيص الاستثمارات وقدم في ذلك نظرة إسلامية متوازنة . ويمكن أن نقول بثقة واطمئنان أن هذا الكتاب قد رفع الإمام محمد بن الحسن ليتبوأ مركز الريادة في علم الاقتصاد الإسلامي . مفهوم الكسب : ربما كان هذا المصطلح من المصطلحات الاقتصادية الهامة التي انفرد بها الاقتصاد الإسلامي، وهي برغم ذلك غير شائعة الاستخدام في الأدب الاقتصادي الإسلامي المعاصر دون أن يكون لذلك مبرر معقول . أهمية الكسب : أهمية الإنتاج في نظر الاقتصاد أنه يمكن الفرد من الاستهلاك وفقط، بمعنى أن الإنتاج هدفه الاستهلاك، ولكن الكسب في نظر الإسلام لا يتوقف عند هذا المدى القصير بل يتجاوزه إلى آماد أبعد . فهو يمكن الفرد من عبادة الله وطاعته، ولذلك ازدادت أهميته حتى صار في حدود معينة فرضا كالصلاة والصوم ويقول ابن الحسن مبينا تلك المسألة الهامة موضحا الترابط العضوي بين النشاط الاقتصادي وغيره في حياة المسلم " طلب الكسب فريضة على كل مسلم ... وفي هذا بيان أن المرء باكتساب مالا بد له منه ينال من الدرجة أعلاها، وإنما ينال ذلك بإقامة الفريضة، ولأنه لا يتوصل إلى إقامة الفرض إلا به فيكون فرضا بمنزلة الطهارة لأداء الصلاة ". بهذا الربط بين لنا ابن الحسن أهمية الكسب وبين أن أول فريضة إسلامية وهي الصلاة تتوقف على الكسب ناهيك عن الزكاة والحج والجهاد والصوم . إذن غايات الكسب النهائية هي طاعة الله وعبادته مرورا بالاستهلاك كوسيلة لتحقيق ذلك، وحيث كان الأمر كذلك فإنه من المتوقع إن لم يكن من المؤكد أن المسلم العارف بذلك سوف يكون أحرص على الإنتاج وتنميته وتحسينه من غيره . مجالات الكسب وتوزيع الاستثمارات : 1- المكاسب كلها هامة ومطلوبة فليس هناك مكسب دنيء ومكسب شريف، وهو يرد على اتجاه ذهب إلى التمييز بين الأعمال والتنفير من الاشتغال ببعضها، فقد نجح الإمام بن الحسن في إثارة قضية اقتصادية هامة وهي قضية نظرة بعض الأفراد لبعض الأعمال واحتقارهم لها مما يترتب عليه المزيد من المضار الاقتصادية، وقد بين بأسلوب علمي شرعي خطأ تلك النظرة فلا هي شرعية ولا هي عرف اجتماعي سليم . 2- مجالات الكسب يقول ابن الحسن " المكاسب أربعة : الإجارة والتجارة والزراعة والصناعة وكل ذلك في الإباحة "، فقد كشف عن نظرة الفكر الإسلامي إلى مجالات الكسب والنشاط الاقتصادي التي ترى أن مجالات النشاط الاقتصادي أربعة كما سبق وذكرنا وإذا غضضنا الطرف حاليا عن مجال الإجارة وما إذا كان يمثل مجالا مستقلا وركزنا على الثلاثة الآخرين فإننا نلاحظ أن الفكر الإسلامي الاقتصادي قد اعتبر تلك المجالات كلها مجالات أساسية لممارسة النشاط الاقتصادي ولم ينحرف فيما انحرف فيه بعد ذلك الفكر الاقتصادي الوضعي من نظرته لبعض تلك الأنشطة على أنها عقيمة غير منتجة . الاستهلاك : ذلك هو الموضوع الأساسي الثاني الذي تناوله الإمام بعدما تناول موضوع " الكسب "، وقد تناول في هذا الموضوع العديد من المسائل: - الحاجات الأساسية للإنسان : تناول الإمام محمد هذه الحاجات الأساسية وقد أرجعها إلى أربع: الحاجة إلى الطعام والشراب واللباس وأخيرا الحاجة إلى المسكن، وقد أشار إشارة دقيقة إلى أن تلك الحاجات ليست لمجرد تحقيق متعة أو منع ألم وإنما هي في الحقيقية تحافظ على الإنسان ليبقى ليؤدي رسالته في الحياة .