الأسطورة يحيي عياش


لم يستطع "شمعون رومح" - أحد كبار العسكريين الصهاينة- أن يخفي إعجابه بيحيى عياش حين قال : "إنه لمن دواعي الأسف أن أجد نفسي مضطراً للاعتراف بإعجابي و تقديري بهذا الرجل الذي يبرهن على قدرات و خبرات فائقة في تنفيذ المهام الموكلة إليه ، و على روح مبادرة عالية و قدرة على البقاء و تجديد النشاط دون انقطاع" .. و لم يكن شمعون وحده هو المعجب بالرجل ، لكن وسائل الإعلام الصهيونية كلها شاركته الإعجاب حتى لقبته : "الثعلب" و "الرجل ذو الألف وجه" و "العبقري" … و لهم الحق في احترامه و الخوف منه ، فحين نزف الدم الفلسطيني بغزارة على أرض الحرم الإبراهيمي في خليل الرحمن ، في الخامس عشر من رمضان المبارك 1414هـ ، غلت الدماء في قلوب المسلمين في كلّ مكان . لكن قلباً واحدًا قرَّر أن يغلي بطريقة أخرى و مميزة ، تلقّن الحقد اليهودي درسًا لا يمكن نسيانه ، كان ذلك قلب المهندس "يحيى عيَّاش" الذي أسَّس مدرسة ما زال طلابها يتخرّجون فيها بتفوقّ على الرغم من غياب ناظرها ..
في مثل هذا اليوم من عام 1996 كان الموعد مع القدر ، كانت روح الشهيد البطل المهندس يحيي عياش ترتفع إلى عليين بعد جهاد و مقاومة أذلّ فيها دولة قيلَ عنها أنها لا تقهر و لكن قهرها المهندس الشهيد القائد يحيى عياش فكان حقاً أمة بكاملها .

نشأته و حياته :
ولد الشهيد يحيى عبد اللطيف عياش و نشأ في قرية رافات بين نابلس و قلقيلة لعائلة متديّنة محافظة ، و قد رزق الله الحاج عبد اللطيف ابنه البكر يحيى في الثاني و العشرين من مارس من عام 1966 .. و قد كان يحيى معروفاً بذكائه الحاد و حفظه الدقيق و بدأ بحفظ القرآن منذ السادسة من عمره و كان الصمت و الخجل و الهدوء ميزات خاصة في يحيى و كأيّ فلسطيني ..
كبر يحيى و كبر معه الألم الذي يعتري الأحرار ، كان يدرس في مدرسة القرية الابتدائية و يقف واجماً في وسط الطريق يحملق في جرافات المستوطنين التي تسوّي أراضي القرية و تلتهمها لتوسيع المستوطنة . و قد واصل دراسته الإعدادية و الثانوية و حصل في امتحان التوجيهي على معدل 92.8 % في القسم العلمي ليلتحق بجامعة بيرزيت في قسم الهندسة الكهربائية .
و يعتبر أحد نشيطي الكتلة الإسلامية أثناء الدراسة . و بعد تخرّجه حاول الحصول على تصريح خروج للسفر إلى الأردن لإتمام دراسته العليا و رفضت السلطات الصهيونية طلبه ، و قد عقّب على ذلك يعكوف بيرس رئيس المخابرات آنذاك بالقول : "لو كنا نعلم أن المهندس سيفعل ما فعل لأعطيناه تصريحاً بالإضافة إلى مليون دولار" !! . تخرّج من الجامعة عام 1991م بتفوّق و تزوّج من ابنة عمه بتاريخ 9 أيلول / سبتمبر ، 1992م و رزِق منها طفله الأول براء في 1 كانون الثاني (يناير) 1993م و كان حينها مطارداً ، و قبل استشهاده بيومين فقط رزِِق بابنه الثاني عبد اللطيف تيمّناً باسم والده ، غير أن العائلة أعادت يحيى إلى البيت حين أطلقت على الطفل عبد اللطيف اسم يحيى .

شيخ الحركة الإسلامية في رافات :
عمِل يحيى بجدٍ و نشاط ، و قام بكافة التكاليف و أعباء الدعوة الإسلامية سواء داخل الجامعة أو في مدينة رام الله أو قريته رافات ، و وظّف المهندس سيارة والده التي اشتراها في خدمة الحركة الإسلامية حين دأب على السفر إلى رافات و قام بإرساء الأساسات و شكّل أنوية لمجموعات من الشباب المسلم الملتزم . و حينما انفتح الأفق على حركة المقاومة الإسلامية حماس كانت هذه المجموعات في طليعة السواعد الرامية خلال سنوات الانتفاضة المباركة الأولى ، و نظراً للدور الريادي الذي قام به و حكمته و أدبه و أخلاقه فقد اعتبرته الفصائل الفلسطينية (شيخ الحركة لإسلامية في رافات) ترجع إليه في كافة الأمور التي تتعلق بالفعاليات أو الإشكاليات خلال الأعوام (1988 - 1992) .

ولادة المهندس :
مع انطلاق شرارة الانتفاضة أرسل أبو البراء رسالة إلى كتائب الشهيد عز الدين القسام يوضّح لهم فيها خطة لمجاهدة اليهود عبر العمليات الاستشهادية و أصبحت مهمة يحيى عياش إعداد السيارات المفخّخة و العبوات شديدة الانفجار .
أدرِج المهندس على قائمة المطلوبين لقوات الاحتلال لأول مرة في نوفمبر سنة 1992 إثر اكتشاف السيارة المفخّخة في رمات و التي أعلنت كتائب الشهيد عز الدين القسام مسئوليتها عن تفجيرها . و في السادس عشر من أبريل سنة 1993 و في مفترق "محولا" في الغور نفِّذ هجوم استشهادي بمحاذاة حافلة ركاب صهيونية قتِل فيها صهيوني و أصيب تسعة آخرين ، و في أغسطس 1993 بتوجيه من المهندس نفّذ علي عاصي و محمد عثمان هجوماً نحو موقع للجيش الصهيوني قرب مفرق قرب مفرق كفر بلوط أسفر عن مقتل جنديين ، و في يناير 1994 توجّه مع علي عاصي يحمل عبوة ناسفة محكمة و وضعها في ميدان رماية للجيش الصهيوني في منطقة رأس العين و انفجرت العبوة و أصيب جنديان بجروح خطيرة ، و انطلق الشهيد (ساهر تمام) في سيارته المفخخة التي أعدها المهندس لتتفجّر بجوار باصٍ صهيوني يقلّ جنوداً من جيش الاحتلال و قد أصيب ثلاثون جندياً بجراحٍ ، ثم انطلق الشهيد الشيخ سليمان بسيارته المفخّخة و بجوار باصٍ ينفجر حيث قتل شخصان و أصيب ثمانية بجراح .

عملياته النوعية :
عبقرية القائد "يحيى عياش" نقلت المعركة إلى قلب المناطق الآمنة التي يدّعي الصهاينة أن أجهزتهم الأمنية تسيطر فيها على الوضع تماماً ؛ فبعد العمليات المتعددة التي نُفّذت ضد مراكز الاحتلال و الدوريات العسكرية نفّذ مقاتلو حماس بتخطيطٍ من قائدهم عياش عدداً من العمليات أهمها :
·6 نيسان 1994 : الشهيد "رائد زكارنة" يفجّر سيارة مفخّخة قرب حافلة صهيونية في مدينة العفولة ؛ مما أدّى إلى مقتل ثمانية صهاينة ، و جرح ما لا يقل عن ثلاثين . و قالت حماس إن الهجوم هو ردّها الأول على مذبحة المصلين في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل .
·13 نيسان 1994 : مقاتل آخر من حركة "حماس" هو الشهيد عمار عمارنة يفجر شحنة ناسفة ثبتها على جسمه داخل حافلة صهيونية في مدينة الخضيرة داخل الخط الأخضر ؛ مما أدّى إلى مقتل 7 صهاينة و جرح العشرات .
·19 تشرين أول 1994 : الشهيد صالح نزال – و هو مقاتل في كتائب الشهيد عز الدين القسام - يفجّر نفسه داخل حافلة ركاب صهيونية في شارع "ديزنغوف" في مدينة "تل أبيب" ؛ مما أدّى إلى مقتل 22 صهيونياً و جرح ما لا يقل عن 40 آخرين 25 .
·كانون أول 1994 : الشهيد أسامة راضي – و هو شرطي فلسطيني و عضو سري في مجموعات القسام - يفجّر نفسه قرب حافلة تقلّ جنوداً في سلاح الجو الصهيوني في القدس ، و يجرح 13 جندياً .
·22 كانون ثان 1995: مقاتلان فلسطينيان يفجران نفسيهما في محطة للعسكريين الصهاينة في منطقة بيت ليد قرب نتانيا ؛ مما أدّى إلى مقتل 23 جندياً صهيونياً ، و جرح أربعين آخرين في هجوم وُصف أنه الأقوى من نوعه ، و قالت المصادر العسكرية الصهيونية إن التحقيقات تشير إلى وجود بصمات المهندس في تركيب العبوات الناسفة .
·9 نيسان 1995 : حركتا حماس و الجهاد الإسلامي تنفّذان هجومين استشهاديين ضد مستوطنين صهاينة في قطاع غزة ؛ مما أدّى إلى مقتل 7 مستوطنين رداً على جريمة الاستخبارات الصهيونية في تفجير منزل في حيّ الشيخ رضوان في غزة ، أدّى إلى استشهاد نحو خمسة فلسطينيين ، و بينهم الشهيد "كمال كحيل" أحد قادة مجموعات القسام و مساعد له .
· 24 تموز 1995 : مقاتل استشهادي من مجموعات تلاميذ المهندس "يحيى عياش" التابعة لكتائب الشهيد "عز الدين القسام" يفجّر شحنة ناسفة ثبتها على جسمه داخل حافلة ركاب صهيونية في "رامات غان" بالقرب من "تل أبيب" ؛ مما أدّى إلى مصرع 6 صهاينة و جرح 33 آخرين .
· 21 آب 1995 : هجوم استشهاديّ آخر استهدف حافلة صهيونية للركاب في حيّ رامات أشكول في مدينة القدس المحتلة ؛ مما أسفر عن مقتل 5 صهاينة ، و إصابة أكثر من 100 آخرين بجروح ، و قد أعلن تلاميذ المهندس يحيى عياش مسئوليتهم عن الهجوم . و قد وصل مجموع ما قُتل بيد "المهندس" و تلاميذه ما يزيد عن ستة و سبعين صهيونياً ، و جرح ما يزيد عن أربعمائة آخرين .

مسلسل الملاحقة :
و نتيجة الملاحقة المكثّفة للمهندس و اعتقال كلّ من شاهد أو سمع أو علم به في الضفة يضيق الخناق ، و ينقل المهندس مركز نشاطه إلى قطاع غزة و نجاح أبو البراء في الوصول إلى غزة يعدّ بحد ذاته ضربة قاسية للكيان الصهيوني . و في الخامس و العشرين من كانون الأول 1994 يتقدّم أيمن راضي من خانيونس يحمل حقيبة الرعب و يفجّر نفسه قرب حافلة جنود بالقرب من مباني الأمة في القدس ليقتل صهيونياً و يصيب ثلاثة عشر آخرين بجراح . و في التاسع من نيسان 1995 تنفجر سيارة عماد أبو أمونة قرب نتساريم في قطاع غزة ثأراً لدماء الشهيد القائد كمال كحيل و إخوانه ، و في الخامس و العشرين من حزيران 1995 تنفجر عربة معاوية روقة قرب حافلتي جنود في غزة . و في الرابع والعشرين من تموز 1995 تنفجر الحافلة الصهيونية في رمات جان تقتل ستة صهاينة و تجرح خمسة و ثلاثين آخرين و يعلن تلاميذ يحيى عياش المسئولية ، فيما إيجال عامير يرقب إسحق رابين رئيس الوزراء ليقتله كردة فعل لهذه الضربات الموجعة .
و في الحادي والعشرين من آب 1995 ينفجر الشهيد سفيان جبارين في الحافلة المزدوجة في مستوطنة رمات اشكول في القدس لتقتل خمسة و تصيب ما يزيد عن مائة آخرين .. و يؤكّد تلاميذ يحيى عياش مسئوليتهم ليصل مجموع ما قتل بيد المهندس و تلاميذه إلى ستة و سبعين صهيونياً و جرح ما يزيد عن أربعمائة آخرين و هذا رقم قياسي لم ينازع المهندس فيه أحد ليغدو المهندس شجرة باسقة الظلال و مدرسة يأوي إليها النماذج الفريدة من المجاهدين ذوي الهمم العالية .. كان قلب أبي البراء الذي وسع كلّ فلسطين هادئ البال قرير العين ، فقد مسح دمع الثكلى و الأرامل و الأيتام و جفّف جرح كل المصابين .

رابين و المهندس :
و قد لقّب رئيس الحكومة الصهيونية آنذاك المجحوم إسحاق رابين يحيى عياش بالمهندس و أطلق عليه هذا اللقب في إحدى جلسات المداولة بين رابين و قادة أمنه للبحث في قضية عياش و سبل الوصول إليه ، أبدى رابين - كما صرح جدعون عزرا رئيس جهاز الشاباك الأسبق - اهتماماً بكفاءات و قدرات عياش و أخذ يضفي عليه لقب المهندس بعد أن علم ما يمتلكه المهندس من إمكانيات ، و قد كان رابين يبدأ كلّ جلسات الحكومة و مجلسه المصغر و مجلس الأمن بالسؤال عن المهندس ، و قد صرح رابين بهذا اللقب للصحافة أكثر من مرة حتى غدا المقاتل الفلسطيني الفذ أسطورة ملحمية خالدة و شبحاً رهيباً يطارد الكيان الصهيوني لذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يختاره جميع الخبراء اليهود و الأجانب كرجل العام 1995 حيث أثّر على الكيان و حياته و مستقبله أكثر مما أثر رابين و حكومته و جيشه ، و قد بثّت الإذاعة و التلفزيون الصهيوني العديد من البرامج حول هذا الشبح الأسطورة .

قالوا في المهندس :
المعلق الصهيوني في التلفزيون الصهيوني إيهود يعاري اعتبر أن لكل مرحلة من مراحل النضال الفلسطيني رموزها و أنه مثلما شكّل عماد عقل رمز العمل العسكري في حركة حماس فإن يحيى عياش يمثل رمز العمل العسكري الاستشهادي ، فيما عبر شمعون رومح عن إعجابه بالقول إنه لمن دواعي الأسف أن أجد نفسي مضطراً للاعتراف بإعجابي و تقديري بهذا الرجل الذي يبرهن على قدرات و خبرات فائقة في تنفيذ المهام الموكلة إليه و على روح مبادرة عالية و قدرة على البقاء و تجديد النشاط دون انقطاع . و كان رأي د. سيلع ود. شتايتبرغ أن المشكلة في البيئة العقائدية الأصولية التي يتنفس المهندس من رئتها هي التي تبدع و تفرز ظاهرة المهندس و ظاهرة الرجال المستعدين للموت في سبيل عقيدتهم ..
و كما هو الحال بالنسبة لكل شخصية أسطورية فإن الهوس الصهيوني ينسب له عجائب عدة ، فهو صاحب هويات مختلفة و له حضور في كل مكان ، يوجد في مصر و إيران و ليبيا و السودان و في خانيونس و غزة و رام الله ، قلقيلية، جنين ، القدس ، "تل أبيب" حتى في منزله برافات و هو متنكر بزي يهودي متدين و أحياناً كمستوطن مسلح ببندقية و أنه يتجوّل بشخصية دبلوماسية في "تل أبيب" و يقود سيارة ذات لوحات تسجيل "إسرائيلية" ، عياش يبدّل هيئته يومياً و لا يبيت سوى ليلة واحدة في البيت الواحد . و بلغ الهوس الصهيوني ذروته حين قال رابين : "أخشى أن يكون جالساً بيننا في الكنيست" .. هذا الهوس لم يطل رابين فحسب بل غدا كابوساً يتسلل إلى مضاجع الصهاينة ، فقد أصبح أكثر من 80 % من سكان الكيان يخافون استخدام المواصلات العامة و اشتكى أكثر من عشرين ألفاً من أمراض نفسية نتجت عن عمليات التفجير ، و تشاجر يوماً جنديان فقال أحدهما للآخر : "إن شاء الله تقع في يد المهندس" . و في أحد البرامج التلفزيونية عن المهندس قال المذيع : "إنني أخشى أن يفجّر المهندس هذا الاستديو أمام أعين المشاهدين" .. و قد وقف علماء النفس حيارى أمام ظاهرة المهندسلوجي فلا يملكون لها وصفاً أو إدراجاً تحت أبواب العلم المعهودة ، فهل هو رجل حقاً بمفرده أم هي أمة تنكرت على هيئة رجل له عقل واعٍ مستنير و أصابع ماهرة و قلب يطفح بالإيمان و كلما تحرّكت يداه جهز النازيون الجدد أكفانهم و أعدوا لسيول الدمع أجفانهم .
هذا الهوس الصهيوني أضفى على المهندس حالة من القداسة حتى أعظم قادة الكيان كانوا عند ذكره لا يخفون حالة الرعب و الخوف . فإسحاق رابين رئيس الورزاء السابق يقول : "لا شك أن المهندس يمتلك قدرات خارقة لا يملكها غيره و أن استمرار وجوده طليقاً يمثل خطراً داهما على أمن "إسرائيل" و استقرارها" . أما موشيه شاحل وزير الأمن الداخلي السابق فيقول : "لا أستطيع أن أصف المهندس يحيى عياش إلا بالمعجزة ، فدولة "إسرائيل" بكافة أجهزتها لا تستطيع أن تضع حلاً لتهديداته" .. و الجنرال أمنون شاحاك رئيس أركان الجيش الصهيوني السابق فيقول : "إن "إسرائيل" ستواجه تهديداً استراتيجياً على وجودها إذا استمر ظهور أناس على شاكلة المهندس" . بينما يقرّ يعكوف بيري رئيس المخابرات الصهيونية سابقاً قائلاً : "إنني أقر أن عدم القبض على المهندس يمثل أكبر فشل ميداني يواجه المخابرات منذ إنشاء دولة (إسرائيل)" . فيما جدعون عزرا نائب رئيس المخابرات سابقاً يقول : "إن احتراف المهندس و قدرته تجلّت في خبرته و قدرته على إعداد عبوات ناسفة من لا شيء" .
جمعة الشهادة :
إنه يوم الجمعة الحزينة 15 شعبان 1416هـ الموافق الخامس من كانون الثاني يناير 1996م التي لم تكن كأي جمعة فما أن أذاع تلفزيون العدو نبأ الاغتيال فاهتزت فلسطين بكلّ أرجائها و دبّت قشعريرة و سرى شعور حزين و حاولت القلوب الفزعة أن تكذّب أو تشكّك ، و اهتزت الكلمات في الحناجر حين أعلنت حماس توقّف عقل الفتى العاشق و سكنت نبضات قلبه .
فبكى كلّ شيء في فلسطين حتى كاد طوفان الدمع أن يغرق شوارع غزة و حارات نابلس و طولكرم و الخليل . و مرّ ليل الجمعة الباكية ثقيلاً على الجبال و الوديان و الناس ، ينما سكنت الأمواج في انتظارٍ حزين ، و في الصباح تراكض الباحثون عن وطن نحو رافات يعانقون جدران منزل المهندس متوعّدين بالثأر و مؤمّنين على دعاء أم يحيى (قلبي و ربي راضين عليك) ، و كم تمنى أولئك لو أنهم تشرّفوا بتشييعه أو على الأقل مشاهدة وجهه أو ملامسة كفه فيتعلمون كيف يضرب و كيف يصنع لنا الحياة .
و يروي أسامة حماد صديق المهندس أيام الدراسة و الشاهد الوحيد على عملية الاغتيال حيث قال إن يحيى التجأ إليه قبل خمسة شهور من استشهاده حيث آواه في منزله دون أن يعلم أحد و كان كمال حماد و هو خال أسامة و يعمل مقاول بناء على صلة وثيقة بالمخابرات الصهيونية يلمّح لأسامة بإمكانية زيارة يحيى له في شركة المقاولات و إعطاه جهاز بيلفون لاستخدامه ، و كان كمال يأخذ جهاز البيلفون ليوم أو يومين ثم يعيده ، و قد اعتاد والد المهندس الاتصال مع يحيى عبر البيلفون و قد طلب منه يحيى مراراً الاتصال على الهاتف البيتي و قد اتفق يحيى مع والده على الاتصال به صباح الجمعة القادم على الهاتف البيتي ، و في صباح الجمعة الخامس من يناير 1996 اتصل كمال حماد بأسامة و طلب منه فتح الهاتف المتنقل لأنه يريد الاتصال من الكيان و اتضح أن خط هاتف البيت مقطوع ، و في الساعة التاسعة صباحاً اتصل والد يحيى على الهاتف المتنقل الذي أبلغ أسامة أنه لم يستطع الاتصال على الهاتف البيتي و استلم المهندس الهاتف و قال لوالده : "يا أبي لا تظل تتصل على البيلفون" ، حينها دوّى الانفجار من الهاتف و سقط المهندس ، و اللحم يتناثر و الزجاج يتحطّم و بقع الدم تتناثر و يتضح أن عبوة ناسفة تزن 50 غراماً انفجرت في الهاتف النقال ، ليستريح المقاتل الصلب بعد سنوات الجهاد و يصعد إلى العلا و المجد يلتقي هناك بالنبيين و الصديقين و الشهداء بإذن الله . و ما إن انتشر خبر استشهاد المهندس حتى ساد في أنحاء فلسطين خاصة و العالم الإسلامي عامة حالة من عدم الاستقرار و خرجت الآلاف في شوارع قطاع غزة و فلسطين يهيمون على وجوههم بغير وعي و أعلنت سلطات الاحتلال حالة الطوارئ و أغلقت الضفة و غزة و نشرت قوات معزّزة و لم تخفِ فرحتها العظمى بهذا الخبر حيث صرّح يعقوب بيري رئيس المخابرات السابق بالقول : "موت عياش وضع حداً لأخطر و أعنف المحاربين الذين عرفناهم" .. فيما صرّح موشيه شاحك وزير الأمن الداخلي بالقول : "بتنا نتنفس بشكلٍ أفضل بعد إعلان موته" .
و خرجت جماهير غزة الأبية في مسيرة لم تشهد لها فلسطين مثيلاً لتشييع المهندس و صار الشعب كله يحيى ، و صار يحيى الشعب كلّه فعظمة الشهادة و الإنجاز أبت أن يكون المهندس ابن رافات وحدها و لا ابن حماس دون غيرها ، فكما كان عمله و حياته لكلّ فلسطين من بحرها لنهرها جاء استشهاده ليملأ كل فلسطين بالأمل و الرجاء ، تماماً كالبرق سطوعاً ليست انطفاءته إلا ميلاداً للحياة .
إن التجاوب الشعبي المدهش الذي ولده استشهاد المهندس يؤكّد أكثر من معنى و يشير إلى أكثر من دلالة ، فهو :
أولاً : استفتاء عفوي بأن خيار الجهاد و المقاومة لا يزال في قلوب أبناء فلسطين .
ثانياً : أثبت الشعب الفلسطيني بأن من يعطي فلسطين بإخلاص و أمانة كعماد عقل و يحيى عياش و عوض سلمي و صلاح شحادة و محمود أبو الهنود و غيرهم يجد صدى أفعاله لدى الجماهير مجسّداً في تشييع عماد و يحيى و صلاح .
ثالثاً : إن كرة اللهب البشرية التي اندفعت لوداع المهندس هي في إحدى صورها تعبير صريح عن حالة الغضب و مشاعر الاحتقان التي يكنها الفلسطينيون لعدوهم رغم كل الاتفاقات و الترويج لحالة الصداقة الجديدة التي كشفت زيفها انتفاضة الأقصى المباركة .
يتبع