تقع الفلبين في أقصى الشرق ، في آخر الأرض المعروفة آنذاك ، وقد وصل إليها التجار المسلمون في وقت مبكر ، ولم يكن يدفعهم إلى ذلك الطمع في الأرباح الكثيرة التي كانوا يجنونها ، والأموال الطائلة التي كانوا يحصلون عليها ، وإنما كانت هذه وسيلة من أجل الوصول إلى الغاية التي ينشدها المسلمون وهي نشر الإسلام عن طريق الدعوة ، فكانت الأموال التي تشد إليها الرحال عادة تنفق بلا حساب في سبيل هذه الغاية ، وأصبحت القوافل تتتابع ، تشق عباب البحر ، يتمم بعضها عمل بعض ، ويتعهد ما أنبتته البذور التي ألقاها سابقوه.

كانت المراكب تقطع الطريق البحرية في خمسة أشهر كاملة ، تتعرض خلالها للأعاصير المهلكة ، والأمواج العاتية ، ووحوش البحر المفترسة ، وهجمات القراصنة الغادرة ، والدعاة المسلمون يقتحمون هذه الأخطار ، ويتجشمون تلك المصاعب بصبر وشجاعة لا نظير لها في سبيل مهمتهم التي يعملون لها ، وهي نشر الإسلام.

خمسة أشهر كاملة يتحملونها في سبيل وصولهم إلى مهمتهم ، وخمسة أخرى مثلها في طريق عودتهم ، إضافة إلى ما يقضون هناك من وقت يعملون فيه بالدعوة التي خرجوا من أجلها ، والتي دفعتهم إلى تلك الأصقاع النائية ، والتي ذللت كل الأخطار التي يتعرضون لها في سبيل مهمتهم.

وهو حين يغادرون ديارهم لم يخطر في بالهم إلا ما اتجهوا من أجله ، ونذروا أنفسهم في سبيل تحقيقه ، يخرجون وأعينهم تفيض من الدمع لما عرفوا من الحق ، وتستمد نفوسهم العون من الله في سبيل الله ، فلو أنهم خرجوا من أجل المال في هذه الرحلة الطويلة الشاقة لما بذلوه بالشكل الذي كانوا ينفقونه فيه ، بل لفضّلوا الاحتفاظ بأموالهم التي يملكونها بدلاً من ضياعها هناك في هذه التنقلات الصعبة ، وعلى أناس لم يعرفوهم من قبل ، ولم تربطهم به أية رابطة. وإن الروابط المادية التي تربط بعض الجماعات الجاهلية مع بعض قد ضرب الإسلام عنها صفحاً ، وأعطى العقيدة الدور الأول فهي التي تجمع بين الناس جمعاً ، وتشد أزر بعضهم إلى بعض شداً ، فترى هذه المواكب وهي تصارع الموج ، وعلى ظهرها جماعات من المؤمنين التقوا على طاعة الله ، يتدارسون كتاب الله ، ولا يبالون بما يجرى حولهم من أمواج عاتية وأعاصير مدمرة ، إنهم يتلقون من أجل أن يعطوا ، ويتعلمون من أجل أن يبلغوا ، لا ينظرون إلى هذه الدنيا الفانية ، ويفكرون في الجنة الباقية ، ينتظرون النجاة في طريقهم الوعر ، والتوفيق في مهمتهم من الله وحده ، وما داموا هكذا فلن يبالوا بم يجري حولهم وما يحفهم من مخاطر.

انطلق المسلمون في ذلك اليم الواسع ، وتلاعبت أمواجه العاتية بسفنهم الشراعية ، فكثيراً ما غيّرت التيارات خط سير مراكبهم ، وعطلت الأعاصير طريق سفنهم فانتظروا شهوراً في الموانئ ليزول الخطر ، ولكنهم لم يذكروا هذه المخاطر بل تركوها ، ونسوا الأهوال التي تعروضوا لها أمام نبل غايتهم وشرف مقصدهم ، ولم يذكروا اثناء انطلاقهم شيئاً إلا ما كان ينتظرهم من مستقبل في البلاد التي يتجهون إليها ، والمناطق التي يعملون فيها ، والموانئ التي يحطون رحالهم على شطآنها ، والطريقة التي يعملون فيها للإسلام.

انطلق المسلمون وراء الغاية النبيلة والمقصد الشريف في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، انتقلوا يمخرون عباب المحيطات، ويدعون إلى الله، فانتشر الإسلام على أيديهم في أندونيسيا، وحكموا تلك الأرجاء، وامتد نفوذهم إلى الجزر الشمالية من بورنيو في أندنيسيا إلى أرخبيل صولو وجزيرة ميندناو في الفلبين.

وصل الإسلام إلى الفلبين حوالي عام 270هـ عن طريق الدعوة، وتتابع الدعاة إلى تلك الجهات، وفي عام 310هـ، هاجر من العراق للدعوة هناك ثلاثة رجال هم: محمد بن يحي، وأحمد بن عبدالله، ومحمد بن جعفر ، واستشهد هؤلاء الثلاثة عام 313هـ. وفي عام 317هـ وصل إلى تلك الجزر أحفاد أحمد بن عيسى بن محمد النقيب بن علي الرضا بن جعفر الصادق. وقد لقب أحمد هذا بالمهاجر إذ انتقل من العراق إلى اليمن، وانتقل أحفاده منها إلى الهند، ومنها إلى جنوب شرقي آسيا، واستقروا أخيراً في جزر الفلبين.

ويقال : إنه قد حلّ عام 679هـ بأرخبيل صولو أحد الفقهاء ، وهو الشريف كارم المخدوم فأسس أول مسجد هناك في ( توبيخ انديغنان) فكان هذا المسجد حجر الأساس في انتشار الإسلام.

وهناك رواية تقليدية يأخذ بها العامة في جزر أرخبيل صولو كافة تقول : إن الإسلام قد وصل إلى هناك عن طريق سبعة إخوة من العرب الذين قدموا من الجزيرة العربية ، وأن السكان هناك كانوا من قبل وثنيين. ويعتقد أن هؤلاء لم يكونوا إخوة في النسب وإنما بالإيمان، وهناك أضرحة باقية حتى اليوم يدعون أنها أضرحة أولئك الدعاة السبعة، وهي مزارات يؤمها الناس من كل جهة من أهل تلك البلاد، ويدعي كثير من الناس أنهم ينحدرون من أصلاب أولئك الإخوة السبعة، ويحتفظون بشجرات نسب تؤيد ادعاءهم، ولكن هذا شأن كثير من المسلمين في كل مكان ، يقولون : إنهم من أصل عربي تبركاً وحباً بالعرب الذين حملوا الدعوة إليهم ، لأن رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم من العرب.

ومن هؤلاء الدعاة السبعة رجل يدعى (( أبو بكر))، وقد أسس سلطنة حكمها أحفاده من بعده، ولم يكن مجال لأحد في أن يستلم الحكم ما لم يثبت أنه من سلالته، ومن هنا وجدت شجرات النسب التي تصل إليه ، ليتمكن فروعها من تسلم زمام أمر السلطان.

ويظهر أن هؤلاء السبعة هم أهم الدعاة الذين عرفتهم تلك الجزر ، وقد يكون وقت وصولهم ليس واحداً ، ولكن مع الأيام أصبحوا إخوة سبعة ، ويبدو أن هؤلاء الدعاة الأوائل قد جاءوا من مراكز تجارية موجودة في جنوبي الصين حيث كان للمسلمين هناك محطات لقوافلهم التجارية البحرية.

وتقول بعض الروايات : إن المخدوم قد تزوج هناك بعد أن استوطن جزر صولو ، وأنه قد علم المقربين منه مبادئ الاسلام عقيدة وعبادة ...

ولكن يبدو من الروايات أنه يوجد أكثر من مخدوم ، فهو في كل جزيرة يحمل اسماً خاصاً ، مما يدل على أنه يوجد عدد منهم. ولكن مع الزمن جعل أهل الجزر يعتقدون أن هناك ((مخدوماً)) واحداً.

ويقال : إن رجلاً اسمه ((باكوندا علي)) قد جاء من جزيرة سومطرة مع آخرين لتأسيس مقاطعة في صولو ، وأنه تزوج ابنة أحد الأمراء المحليين ((الداتو)) الأمر الذي ساعد على تقوية نفوذه ، ثم جاء المخدوم ((أبوبكر)) وتزوج ابنة ((باكوندا علي)) ، وأسس أول سلطنة في جزر صولو.

ويقال : إن أحد الإخوة السبعة قد نشر الإسلام في جزيرة ((تاوي تاوي)) إحدى جزر أرخبيل صولو ، وهو سيد علي.

ووصل الإسلام إلى جزر الفلبين علن طريق أندونيسيا وماليزيا في القرن التاسع الهجري فكان قوة ودعماً للمسلمين الذين وصلوا عن طريق الصين.

وقامت اتصالات في القرن العاشر بين المسلمين في جزر ((سيليبس)) و ((المولوك)) و ((صولو)) و ((ميندناو)) ، وكان من نتائجها قيام تحالف عسكري كردّ فعل ضد قدوم الإسبان والبرتغاليين إلى تلك المنطقة ، وهكذاانتقلت الحروب الصليبية من قلب العالم الإسلامي وبلاد الأندلس إلى الشرق الاقصى.

ويروى أن الاسلام قد دخل جزر الفلبين في أواسط القرن الخامس الهجري مع التجار المسلمين من أندونيسيا والملايو ، ويعتقد أن للحضارمة دوراً كبيراً في هذا الشأن.

ويعتقد بعض الباحثين أن الفلبين قد دخلها الإسلام قبل ذلك بمدة طويلة ، وقد بنوا اعتقادهم على أن الإسلام كان لا بد له من وقت طويل يحتاجه ليصل إلى المرتبة التي كان عليها خلال القرن الخامس الهجري المذكور. والشائع أن أول من دخلها من المسلمين تاجر يدعى الشريف مخدوم ويكنى أبا بكر – كما ذكرنا.

وفي الوقت نفسه نزل شريف من الملايو اسمه ((محمد علوي)) ، كما نزلت على شواطئ ((لوزون)) في الشمال مجموعة أخرى نشرت الاسلام هناك وجاء منها ((رجا سليمان)) الذي كان سلطاناً في تلك الجهات وقت وصول ((ماجلان)) إلى تلك الجزر. ومع أن المسلمين لم يكونوا كثرة عددية ، إلا أنهم سرعان ما أصبحوا العنصرالغالب ، والفئة الحاكمة في البلاد لكونهم أكثر مدنية ، وأكثر نشاطاً ، ورفضهم الخضوع لمن لا يدين بدين الحق. وكانت البلاد تتكون من عدة سلطنات مستقلة ، وكانت منطقة مانيلا – العاصمة الحالية - إمارة إسلامية رقم قلة عدد المسلمين في تلك الجهات. أما في الجنوب فكان الحكام المحليون من المسلمين أيضاً ، ويتبعون سلطنة ((صولو)).

ثم تبع ذلك أفواج من تجار العرب الذين انتشروا في مختلف الجزر، وبدؤوا بنشر الإسلام حتى القرن العاشر حيث نزل الإسبان، وحالوا دون قدوم موجات أخرى، كما حالوا بين المسلمين هناك وبين إخوانهم في بقية جهات العالم، وتوقف انتشار الإسلام، كما توقفت العلاقات الخارجية بعد أن كانت أكثر نشاطاً مع العالم الخارجي خلال القرنين السابع والثامن الهجريين عندما بدأ ينتشر الدين الإسلامي في جميع أنحاء الجزر، وإن بدأ في جزر ((صولو)) وجزيرة ((مينداناو))، ثم انتقل إلى الجزر الوسطى والشمالية، وقد حل الدين الجديد الذي حمله التجار العرب والهنود معهم محل معتقدات السكان الأصليين الوثنية.

ويقول الدكتور علي جريشة حفظه الله : لم يغتصب الإسلام عذراء ماليزيا – الاسم الذي كان يطلقه المسلمون على الفلبين- إنما دخلها برضاها ، ذلك ما يعترف به المؤرخون حتى الأسبان منهم والهولنديون لكنهم يختلفون فيما وراء ذلك حول العامل الأساسي لانتشار الإسلام ؟

فمن قائل بالنظرية التجارية القائمة على أن الإسلام حمله التجار المسلمون خلال القرن التاسع عشر الميلادي أثناء تجارتهم من هذه البلاد، وإن انقسم أصحاب النظرية إلى فريقين ، فريق يغلب الدعوة على التجارة، وفريق يغلب التجارة على الدعوة.

وأيا كان العنصر الغالب بينهما فإن المسلمين حملوا معهم الإسلام خلال القرن التاسع إلى هذه البلاد ، وفتحوا بحسن أخلاقهم وحسن معاملتهم قلوب أهلها للإسلام ، ودعموا ذلك بالزواج من بنات هذه البلاد ، وأعقب ذلك دخول حكام الولايات في هذه الإسلام الحنيف.

ب- ومن قائل النظرية التبشيرية : بمعنى أن الذين حملوا الإسلام إلى هذه البلاد هم دعاة .. قدموا مع التجار أو قدموا بعد التجار ، ويؤكد صحة هذا القول أنه مع سقوط الخلافة العباسية سنة 1258م هاجر كثير من العلماء ، واتجه بعضهم إلى أرخبيل الشرق الأقصى ، حيث كان قد سبقهم إليه إخوانهم التجار.

ج- ومن قائل بدور الحركة الصوفية : إذ كان الدعاة الصوفيون دعاة متجولين قادمين من أنحاء العالم الإسلامي ولم يكونوا – كما يشير المؤرخون – دعاة زهد ، وإنما كانوا يتجاوبون مع روح العصر ، ويمثلون الحضارة الإسلامية السائدة في ذلك الحين. وقد أضفى عليهم البعض حرفة (السحر) إلى جوار أوصاف أخرى .

د- ومن قائل بالنظرية السياسية : بمعنى أن الدافع وراء انتشار الإسلام هو اعتناق الزعماء المحليين له ، وأن الدافع وراء اعتناق هؤلاء للإسلام دافع سياسي هو اتخاذ الإسلام سلاحاً في وجه الهندوكية التي كانوا يصارعونها.

ويربطون ذلك بعامل اقتصادي هو ارتباط مصالح أولئك الحكام المحليين مع التجار المسلمين ، بل مشاركتهم في كثير من أنشطتهم التجارية.

ويؤكد ذلك أن التجار المسلمين كانوا قادرين على إحياء أو خنق أي ميناء بحري.

هـ- ومن قائل بالنظرية العقائدية : ويشير أصحاب هذا الرأي إلى ما للإسلام من ذاتية داخلية ، وماله من تأثير عقيدي في النفوس ، وإلى أنه – وإن لم تطبق الشريعة الإسلامية في ماليزيا تطبيقاً كاملاً شاملاً إلا أنها بقيت المثل الأعلى ، وأن المذهب الشافعي الذي ساد هناك هو نسبياً أكثر صلابة في موقفه المعارض للعادات الجاهلية.

ويمكن أن نضيف إلى هذه النظرية نظرية أخرى سردت تحت اسم النظرية الصليبية : إذ يذهب أصحابها إلى أن انتشار الإسلام كان رد فعل لمحاولة الصليبية السيطرة على تلك المنطقة وأنه بذلك يعد لوناً من استمرار الحروب الصليبية التي بدأت في المنطقة العربية ، ثم انتقلت إلى الأندلس ، ثم عرجت على جنوب شرق آسيا.

وإذ نعتمد هذه النظرية العقائدية فإن ذلك بالنظر إلى رد الفعل العقائدي لدى المسلمين نتيجة الغزو الصليبي الآثم لبلاد المسلمين ، بينما الذين يسمونها بالصليبية ينظرون إلى الفعل نفسه لا إلى رد الفعل ، والنظر إلى رد الفعل أصوب إذ هو السبب المباشر لانتشار الإسلام.

وبهذه النظريات يجري تصوير الطريق الذي دخل به الإسلام إلى هذا الجزء العزيز من الوطن الإسلامي.

وجميع هذه العوامل مجتمعة ساعدت على نشر الإسلام في الفلبين لكن يتقدمها في التاريخ وفي الأهمية دور التجار المسلمين .