مداخل الشيطان على بني الانسان


الحمد لله رب العالمين القائل في محكم التنزيل {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ }فاطر6. إن عداوة الشيطان لبني ادم عداوة شديدة بدأت مع أبينا ادم عليه الصلاة والسلام واستعرت تلك الحرب واستطار شررها واشتد لظاها لتلفح ذرية ادم وهي عداوة مستمرة إلى قيام الساعة وهذا العدو يسلك كل طريق ويركب كل مركب لينال غرضه من ابن ادم وله مداخل وأبواب أهمها أربعة أولها:-

1.النظر وإطلاق النظر هو اصل الفتنة ومبدأ الشر وفي الأثر النظر سهم مسموم من سهام إبليس وكما قيل في الشعر:

كل الحوادث مبدأها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر

كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر

يسر ناظره ما ضر خاطره لا مرحبا بسرور عاد بالخطر

وقال المتنبي:

وأنا الذي جلب المنية طرقه --- فمن المطالب والقتيل القاتل

وقال ابن القيم رحمه الله:

يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا
أنت المصاب بما ترمي فلا تصب

أنت المصاب بما ترمي فلا تصب
وضاع عمرك بين اللهو واللعب

وشمس عمرك قد حان الغروب لها
والضي في الافق الشرقي لم يغب

وفاز بالوصل من قد فاز وانقشعت
عن افقه ظلمات الليل والسحب

كم ذا التخلف والدنيا قد ارتحلت
ورسل ربك قد وافتك بالطلب

فخذ لنفسك نورا تستضيء به
يوم اقتسام الورى الأنوار بالرتب

فالجسر ذو ظلمات ليس يقطعه
إلا بنور ينجي العبد في الظلم


فالنظر اعظم الأبواب التي يدخل معها الشيطان على قلب العبد وكم من عبد فتن بسبب نظرة عافانا الله وإياكم بل إن العبد قد يصل به الضلال إلى دركات مظلمة وكم سمعنا وقرانا في قصص من ابتلوا بالنظر المحرم الذي أوصلهم مهاوي الردى فكم تسبب العشق في هدم جناب التوحيد في نفوس بعض المسلمين وذكر ابن القيم رحمه الله قصة حصلت لرجل كان بيته قريبا من مكان عام للاستحمام فجاءت امرأة تريد ذلك الحمام فضلت الطريق فطرقت باب هذا الرجل ففتح لها فدخلت ثم اغلق الباب خلفها وكانت امرأة ذكية عاقلة فأظهرت له الاطمئنان وقالت له أريد أن تحضر لنا من السوق شيئا من الفاكهة حتى يكتمل السرور فلما رأى طمأنينتها وثق منها فخرج إلى السوق فلما أدبر خرجت هاربة فلما رجع وجد الباب مفتوحا والمرأة قد هربت فحزن حزنا شديدا ولما حضرته الوفاة لقنه من عنده لا اله إلا الله فكان يقول هذا البيت متحسرا:

يارب قائلة يوما وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجاب

وذكر قصة أخرى لرجل تعلق قلبه بشخص حتى انه بلغ به التعلق غايته فلما حضرته الوفاة اخذ جلساؤه يلقنونه شهادة التوحيد فأجابهم بهذه الأبيات:

اسلم يا راحة العليـــــل ويا شفاء المدنف النحيل

رضاك أشهى لقلبــــي من رحمة الخالق الجليل

وختم له بهذه الأبيات والعياذ بالله .

ولهذا نجد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تأمر بغض الأبصار كما في قوله تعالى {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }النور30. وفي حديث الفضل ابن عباس لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى الخثعمية صرف وجهه بيده الشريفة وقال له لك الأولى وليس لك الثانية .

2.اللسان فإطلاق هذا العضو أمر خطير وكما يقال إن اللسان جرمه صغير وجرمه كبير الأولى بكسر الجيم والثانية بضمها وهو يشترك مع العين في عظم الجناية وخطورة الأثر وقوة النشاط بحيث لو ترك لم يفتر من حركته وقد استفسر معاذ رضي الله عنه عن خطورته وأثره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم " وقال عليه الصلاة والسلام " من يضمن لي مابين لحييه ومابين فخذيه اضمن له الجنة" وقال عليه الصلاة والسلام " إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار ابعد مما بين المشرق والمغرب" وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يمسك بلسانه ويقول هذا الذي أوردني الموارد وقال احد السلف ما شيء احق بطول السجن من اللسان .

3. الإسراف في المأكل والمشرب وهذا يدعو إلى أنواع كثيرة من الشر فانه يحرك المعاصي إلى الشهوات ويثقل عليها الطاعات فكم من معصية جلبها الشبع وكم من طاعة حال دونها والشيطان اعظم ما يتحكم بالإنسان إذا ملا بطنه لهذا جاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم " ما ملأ ادم وعاء شرا من بطنه " ولو لم يكن في ملأ البطن إلا انه داع إلى الغفلة لكفى به شرا وإذا غفل العبد عن الذكر ساعة جثم عليه الشيطان ووعده ومناه وشهاه وهام به في كل واد فان النفس إذا شبعت تحركت وجالت وطافت بصاحبها على أبواب الشهوات وإذا جاعت سكنت وخشعت لهذا تكثر طاعات العباد في وقت الصيام وبهذا تظهر الحكمة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم للشاب الذي يريد الزواج ولا يستطيع تحمل تكاليفه بالصيام .

4. الزيادة في مخالطة الناس وهذا الباب كم جلب من حزازة في القلوب زوال الجبال الراسيات ايسر من زوالها والمخالطة للناس على أربعة أقسام :-

أ. قسم من الناس مخالطته كالغذاء لا يستغنى عنه في اليوم والليلة وهذه هي مخالطة العلماء بأمر الله ومكايد عدوه الشيطان فمخالطة هذا الصنف من الناس أمر مهم وكما يعلم فان هذا القسم نادر الوجود ووجودهم اعز من الكبريت الأحمر

ب. قسم من الناس مخالطته كالدواء يحتاج إليه عند المرض فما دام الإنسان صحيحا فلا يحتاج إليه وهذا القسم هم من يحتاج الإنسان إلى مخالطتهم في مصلحة المعيشة وطلب الرزق.

ج. قسم من الناس مخالطتهم كالداء العضال والمرض المزمن ومنهم من مخالطته كوجع الضرس يؤلمك فإذا قلعته سكن ألمك ومنهم من مخالطته مثل الحمى المتعبة للروح وقد صور النبي صلى الله عليه وسلم اثر الجليس السوء على جليسه بقوله " مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير ... "

د. قسم من الناس مخالطته تجلب الهلاك وتشبه أكل السم فان تيسر لمن أكله دواء نافعا وإلا فأحسن الله فيه العزاء وهذا الصنف هم أهل البدع والضلال الصادون عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الداعون إلى خلافها فان جرد التوحيد وابتعد عن الشرك قالوا تنقص الأولياء والصالحين وصار وهابيا وان وصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير غلو ولا تقصير قالوا صار مشبها أو مجسما تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا وان لزم السنة واستقام على العقيدة السلفية والطريقة المرضية وحاذر أهل البدع بشتى أصنافهم فسمع وأطاع لولي الأمر في المعروف وتجنب التحريض عليه وأمر بجمع الكلمة حوله وخاف من الفتن وحذر منها وابتعد عن مسالك الفرق المنحرفة كجماعة الأخوان المسلمين وجماعة التبليغ الصوفية وتجنب مسالك الخوارج الحرورية الثورية قالوا لقد اصبح فلانا جاميا او مداهنا للسلطان أو ماسحا لذيل بغلته وان ترك العبد ما هو عليه من العقيدة السلفية والمنهج الصافي المستقى مما عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان فهو عند الله من الخاسرين وعندهم من المنافقين المدسوسين فالحزم كل الحزم التماس مرضاة الله تعالى واتباع رسوله عليه الصلاة والسلام ولو غضب الناس فمن أيقظ بواب قلبه وحارس فؤاده على هذه المداخل الأربعة اخذ بنصيبه من التوفيق والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا . انتهى بتصرف من فوائد ابن القيم رحمه الله .

جمعه وكتبه الشيخ: سعد أبو ثنين ......اسأل الله أن ينفع بها المسلمين... وأن يغفر للشيخ ولوالديه وللمسلمين