ا.د/ أحمد عمر هاشم



في كل أمة من الأمم أعلام مجدّدون، وأئمة مخلصون يهدون الأمة ويرشدونها، وينهضون بالإصلاح والتجديد فيها، وهم –في العادة- لا يظهرون إلا في فترات من الزمن متباعدة.

من هؤلاء الإمام محمد عبده الذي ولد عام خمسة وستين ومائتين وألف من الهجرة 1265هـ الموافق عام تسعة وأربعين وثمانمائة وألف من الميلاد 1849م في محلة نصر التابعة لمركز شبراخيت بمحافظة البحيرة، من أسرة مصرية متوسطة الحال، وابتدأت نشأته الأولى بحفظ القرآن الكريم ثم التحق بالجامع الأحمدي في طنطا، وكاد اليأس يتسرب إليه من بعض الدروس التي زعمها تجافى طرق التربية ولا تتناسب واستعداد الطالب، ولكن تداركته العناية الإلهية حيث قيض الله له شيخا من أخوال أبيه وهو الشيخ درويش خضر فأخذ يفقهه ويفسر له ما صعب عليه حتى أقبل على العلم وعلى الحياة العلمية بنفس راضية، وقال في ذلك: واتسع لي ما كان ضيقا، وصغر عندي من الدنيا ما كان كبيرا، وعظم عندي من أمر العرفان والنزوع بالنفس إلى جانب القدس ما كان صغيرا، وتفرقت عنى جميع الهموم ولم يعد لي إلا هم واحد، وهو أن أكون كامل المعرفة، كامل أدب النفس.

ثم واصل الإمام محمد عبده مسيرته التعليمية في الأزهر حتى تخرج وصحب الشيخ جمال الدين الأفغاني الذي قدم إلى مصر فكان مجيئه فاتحة عهد جديد في حياة الشيخ محمد عبده، وكان لصحبة محمد عبده لجمال الدين الأفغاني أكبر الأثر في حياته، قال الشيخ محمد عبده في مذكراته: وقد صاحبته وأخذت أتلقى عنه بعض العلوم الرياضية والحكيمة –أي- (الفلسفية) والكلامية، وأدعو الناس إلى التلقي عنه كذلك.

وقد كان لجمال الدين الأفغاني أكبر الأثر في توجيه محمد عبده إلى النهوض علميا وأدبيا واجتماعيا ووطنيا، وبعد حصوله على الشهادة العالمية عين مدرسا بالأزهر ثم عين في مدرسة دار العلوم ثم فصل منها بسبب اتصاله بجمال الدين الأفغاني حيث كانت الحكومة تعتبر آراءه مناهضة لها.

وعكف الشيخ محمد عبده على دراسة اللغة الفرنسية وتعلمها، وكان يقول: "من لم يعرف لغة من لغات العلم الأوربية لا يعد عالما في هذا العصر".

وقد سافر إلى أوربا وكان له انطباع أبداه في بعض ما سجله في مقارنة بين المسلمين والغرب حين قال عن الغرب: "وجدت مسلمين ولم أجد إسلاما، وفي الشرق وجدت إسلاما ولم أجد مسلمين"، وذلك بسبب ما كان عليه الأوربيون من إتقان للعمل وإخلاص فيه فأخذوا مبادئ الإسلام التي تحث على إحسان العمل بينما أهمل المسلمون ذلك.

دور الإمام محمد عبده في التجديد

معنى التجديد: يراد بالتجديد بعث روح الإخلاص والعمل، ومضاعفة الجهود للنهضة والتقدم في كل المجالات، مع الابتكار والتحديث فيما يحتاج إلى ذلك.

كما يعني التجديد مواكبة التقدم العلمي، ومواجهة التحدي الحضاري، من غير إهمال للتراث، ولا رفض للماضي بل –في مناخ التجديد- نبعث ما اندرس، ونقدم ما يحتاجه الواقع المعاصر، والمستقبل القادم.

وقد وضح الرسول -e- أن الله سبحانه وتعالى يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدّد لها دينها، حتى تنهض الأمة وتظل رسالتها العالمية مستمرة متجددة، مواكبه لكل زمان ومكان.

عن أبي هريرة -t- عن رسول الله -e- قال: "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" ( [1]).

قال ابن كثير: قد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث والظاهر أنه يعم جملة من العلماء من كل طائفة وكل صنف من مفسر ومحدث وفقيه ونحوي ولغوي وغيرهم.

وقد بحث العلماء تحديد المجددين، وذكر الإمام السيوطي رحمه الله المجدد في كل قرن، فذكر أن في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وفي الثانية: الشافعي، وفي الثالثة ابن سريج، وفي الرابعة: الإسفراييني، وفي الخامسة: الغزالي، والسادسة: الفخر الرازي، وفي السابعة، ابن دقيق العيد، وفي الثامنة: البلقيني، وفي التاسعة: السيوطي.

وفي حديث أخرجه أبو داود في سننه: "المجدّدينا أهل البيت"، أي على معنى أن آل الرسول -e- هو كل تقي.

وذكر السيوطي المجددين في أبيات له منها:

الحمد لله العظيم المنِةِ :. المانح الفضل لأهل السنة

ثم الصلاة والسلام تلتمس :. على نبّىٍ دينُه لا ينـدرس

لقد أتى في خبر مشـتهر :. رواه كل عالم معــتـبر

بأنه في رأس كل مائــة :. يبعث ربنا لهذى الأمــةِ

مَنّاً عليها عالما يُجـّـدّدُ :. دين الهدى لأنه مجــتهدُ

فكان عند المائة الأولى عمر :. خليفة العدل بإجماع وقـر

والشافعي كان عند الثانية :. لما له من العلوم السامية

وابن سريج ثالث الأئمة :. والأشعري عدّه من أمه

والباقلاني رابع أو سهل أو :. الإسفراييني خلف قد حكوا

والخامس الحبر هو الغزالي :. وعدّه ما فيه من جدال

والسادس الفخر الإمام الرازي :. والرافعي مثله يــوازى

والسابع الراقي إلى المراقي :. ابن دقيق العيد باتفاق

والثامن الحبر هو البلقيني :. أو حافظ الأنام زين الدين

وهذه تاسعة المئين قـــد :. أتت ولا يخلف ما الهادي وعد

وقد رجوت أنني المجدد :. فيها بفضل الله ليس يجحد

وآخر المئين فيما يأتي :. عيسى نبي الله ذو الآيات

يجدد الدين لهذى الأمة :. وفي الصلاة بعضنا قد أمّه

مقرر لشرعنا ويحكم :. بحكمنا إذ في السماء يعلم

وَبَعْدَه لم يبق من مجدد :. ويُرفع القرآن مثل ما بُدي

وهكذا نرى أن سلف الأمة عُنوا بالبحث عن كل مجدد في كل عصر بل نظمت أسماؤهم وبعض سماتهم، لأهمية دور المجددين في كل زمان ومكان.

وعصر الإمام محمد عبده يشهد له العلماء والمفكرون والكتاب والمنصفون أنه المجدد بحق لعصره الذي عاش فيه، ولم يكن التجديد الذي نادى به هدما للماضي، ولا قضاء على التراث، بل كان جمعا بين الأصالة والمعاصرة، وكان توظيفا للتراث في خدمة العصر، وإخضاع ظواهر العصر الحديثة إلى أحكام الشريعة الغراء.

وإيمانا من الشيخ محمد عبده بأن التجديد لا ينبع إلا من عقيدة راسخة تؤمن أن فيه صلاحا للأمة، ولّى وجهه شطر التجديد الديني أولا وتمثل هذا في اتجاهه إلى إصلاح الأزهر الشريف والعناية بالتعليم الديني؛ لأنه أساس بناء الأمة، وفي ضوء التوجيهات الدينية يمكن صياغة شخصية الأمة.

وكان على يقين أن إصلاح التعليم، وأن نشر التعليم الديني السليم يكفل بناء مجتمع صالح متقدم، يجدد شبابه وقوته، ويبني للأجيال القادمة مستقبلا مرموقا، بعيدا عن العنصرية بعيدا عن الاستبداد بالرأي، حرًّا طليقا.

وفي مجال التجديد نجد دعوة جريئة للشيخ محمد عبده وهي الانفتاح على الثقافات والمعارف والعلوم الأخرى؛ فالحضارة كل لا يتجزأ والمعرفة بالأمور الدينية والشرعية تستوجب المعرفة بسائر العلوم.

وكانت غيرته على الإسلام تدفعه إلى الدفاع عنه وبيان أنه دين يدعو إلى النظر والاعتبار، وكشف ما في الكون من أسرار.

ولطالما ركز في كتاباته الغزيرة على دعوة الإسلام إلى العلم وبيان أنه لا توجد خصومة بين الدين والعلم الحديث، بل بالعكس فإن الإسلام يدعو إلى التجديد وإلى إعداد القوة بكل أشكالها وبما يتناسب مع كل عصر وزمان.

وعُني الإمام محمد عبده بالدعوة إلى تجديد مناهج التعليم وأن تكون المواد الأخرى الاجتماعية والثقافية لها مجالها في الأزهر؛ فاقترح أن يقوم بتدريس "مقدمة ابن خلدون" فرفض الأزهر حيث لم تجر العادة بتدريس مثل هذا.

وكتب في جريدة "الوقائع" مقالات عديدة تدعو إلى تجديد مناهج التعليم وتطويره، وكانت المقالات والكتابة سلاحه الوحيد في خوض معركة التجديد؛ لأنه لم يكن ذا منصب تنفيذي قوي يستطيع من خلاله أن ينتصر لدعوته، فأراد من خلال قلمه أن يدعو الناس إلى فكرة التجديد والإصلاح.

التجديد في المجال الديني

كما عُني الإمام محمد عبده بالتجديد في المجال التعليمي، ونادى بتجديد مناهج التعليم، فقد عُني بالتجديد أيضا في المجال الديني ولا يراد بالتجديد الديني تغيير حكم من الأحكام أو أصل من الأصول، وإنما يراد بالتجديد بعث ما اندرس، وبيان الرأي الديني والشرعي فيما استجد في الحياة من ظواهر وأمور.

وقد دخل الإمام محمد عبده العديد من المعارك الفكرية في سبيل الدعوة إلى التجديد؛ لأن في مواجهة الدعوة إلى التجديد دعاة يدعون إلى الجمود والانغلاق.

ولاَمَ المسلمين على عدم تقدمهم في مجال الصناعة الحربية وابتكار آلاتها، وأن غيرهم قد سبقهم في هذا المضمار، مع أن المسلمين هم أولى الناس بالتقدم العلمي والصناعة الحربية أما التقدم العلمي؛ فلأن أول آية نزلت من القرآن الكريم كانت دعوة للعلم والمعرفة والقراءة وحملت مفاتيح الحضارة الإسلامية، حيث قال الله تعالى في أولى آيات القرآن نزولا، قال سبحانه: )اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ( [2].

أما بالنسبة للصناعات الحربية: فلقول الله سبحانه وتعالى: )وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُون([3].

فقد أمر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة المؤمنين أن يعدوا لأعدائهم ما استطاعوا من قوة، وأن يبذلوا أقصى ما في الوسع الإنساني، دفاعا عن الدين والوطن والأرض والعرض، وأن يأخذوا بأسباب العلم الحديث، وبكل جديد في عالم المعرفة والصناعة، وكل ما فيه قوة المؤمنين وهيبتهم والمحافظة على الوطن الإسلامي.

وفي سبيل دعوة الإمام محمد عبده إلى التجديد نهض في دعوته على أسس قويمة، رأى أنها ضرورية للقيام بالتجديد:

1- التخلي عن رذائل الجهل والتقليد والخرافات.

2- التحلي بالعلم واحترام العقل والتفكير.

3- الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وأنه لا خصومة بين الدين والعلم والتجديد.

أسس التجديد عند الإمام محمد عبده

بنى الإمام محمد عبده أسس دعوته إلى التجديد على:

1- التخلي عن رذائل الجهل والتقليد والخرافات فدعا إلى المزيد من نشر التعليم الذي يقضي على الجهل والأمية، وكلما ازدادت ساحة العلم والتعليم في مجتمع ازدادت ساحة النهضة والتجديد، ومن هنا أخذ يدعو إلى العلم وإلى انتشار مؤسساته ودوره وإلى إصلاحه وتطويره، وإلى تحريره من الكتب التي تنشر المعلومات الخاطئة، أو الخرافات البعيدة عن الحق، وناهض في دعوته التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف. والأمر الثاني: إصلاح أساليب اللغة العربية".

ومما لا شك فيه أنها دعوة تتسق مع ما دعا إليه الإسلام وما حذر منه القرآن الكريم من سلوك طريق التقليد، وما حذر منه الرسول -e- من مخاطر التقليد حيث جاء عن حذيفة -t- قال: قال رسول الله -e-: "لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا"[4].

وقد نعى القرآن الكريم على أولئك الذين وقعوا أسرى العادة والإلف تجافيهم عن الحق، وضرب مثلهم بمن ينادى على حيوان يسمع الصوت ولا يفهم له معنى فهم في انهماكهم في التقليد الأعمى ووقوعهم فريسة التبعية البلهاء كمثل الصم والبكم قال الله تعالى: )وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُون( [5].

وهذا الصنف من الناس لم يعط نفسه استقلالها ولم يمنحها حريتها في البحث عن الحق، وإنما حبسها بين أسوار التقاليد الموروثة توبقها العادات البالية، وتمتهن كرامتها وإنسانيتها.

2- والأساس الثاني من أسس التجديد الدعوة إلى التحلي بالعلم واحترام العقل والتفكير، قال الإمام محمد عبده: "والعقل من أجل القوى، بل هو قوة القوى الإنسانية وعمادها، والكون جميعه هو صحيفته التي ينظر فيها وكتابه الذي يتلوه، وكل ما يقرؤه فيه فهو هداية إلى الله، وسبيل للوصول إليه"[6].

إنه ينبه إلى أهمية استخدام العقل الذي وهبنا الله تعالى إياه فهو الذي يميز بين الخير والشر والحق الباطل والنافع والضار، وبدونه لا يكون الإنسان إنسانا، إنه قوة القوى الإنسانية وعمادها، ويشير إلى أن العقل ينظر في كتاب الكون المفتوح فيهتدي إلى الله سبحانه وتعالى. ولكن العقل وحده غير كاف؛ إذ إن الله تعالى لم يترك الناس لعقولهم فحسب ليهتدوا بها إلى خالقهم ودينهم وما يجب عليهم بل أرسل الرسل مبشرين ومنذرين وأنزل الكتب السماوية لهداية الخلق وإرشادهم وتصحيح أوضاعهم وتشريع ما ينفعهم ويرشدهم.

3- الأساس الثالث: هو الجمع بين الأصالة والمعاصرة وأن الإسلام يدعو إلى العلم ويحث عليه، ويرحب بالعلم الحديث واكتشافاته، فلا خصومة بين الدين والتقدم العلمي، بل إن الإسلام هو دين العلم حث عليه وأمر بالسير والنظر لما في الكون من أسرار.

إن التراث له أهميته في مجال التجديد، كما أن المعاصرة لها أهميتها كذلك، وليس معنى التجديد أن ننقطع عن تراثنا؛ إذ هو الأساس والموجه إلى المستقبل وإلى التجديد، ولكن لا يقع المجتمع فريسة التقليد فدعا الشيخ محمد عبده إلى تحرير الفكر من قيد التقليد، وقال في هذا الصدد: "ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول تحرير الفكر من قيد التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والأمر الثاني إصلاح أساليب اللغة العربية".

والتجديد الذي يدعو إليه الإمام محمد عبده ودعوته إلى الإصلاح والجمع بين الأصالة والمعاصرة، كل ذلك يقوم على أسس من تعاليم الإسلام، حتى لا يكون هناك إفراط في مجال التجديد وتحكيم العقل فيحدث إفلات من تعاليم الدين، كما أنه في الوقت نفسه لا يتلبث الناس بالجمود ويظلون كما هم دون تقدم أو تطوير أو تجديد، بل إن الدين حاكم على كل تقدم وتجديد بحيث لا يحدث شطط أو إفراط أو تفريط.

التجديد بين السلبية والإيجابية

إن التجديد ليس خيرا محضا، بل قد تشوب الدعوة إلى التجديد بعض الأخطاء والأوهام، فمع ما للدعوة إلى التجديد من إيجابيات فإن فيها بعض السلبيات التي قد يقع فيها العلماء والمفكرون والمجددون أمثال الشيخ محمد عبده وغيره لأنهم بشر.

ومع إجلالنا وتقديرنا للإمام محمد عبده، وما أسداه للفكر الإسلامي من أيادٍ، فلا يمنعنا هذا أن نقرر أن كل إنسان يؤخذ من رأيه ويُردّ إلا صاحب الروضة صلوات الله وسلامه عليه.

وسأقدم في هذا نموذجا للشيخ محمد عبده ذكره في تفسير جزء "عَمَ يتساءلون" قال عند الكلام على قوله تعالى: )وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ( [7] من سورة الفلق:

"وقد رووا أحاديث في أن النبي -e- سحره لبيد بن الأعصم، وأثر سحره فيه حتى كان يخيل له أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله، أو يأتي شيئا وهو لا يأتيه وأن الله أنبأه بذلك، وأخرجت مواد السحر من بئر وعوفي -e- مما كان نزل به من ذلك ونزلت هذه السورة: )قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق( -ثم يقول: ولا يخفى أن تأثير السحر في نفسه عليه السلام، حتى يصل به الأمر إلى أن يظن أنه يفعل شيئا وهو لا يفعله، ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان، ولا من قبيل عروض السهو والنسيان في بعض الأمور العادية، بل هو ماسّ بالعقل آخذ بالروح وهو مما يصدق قول المشركين فيه "إن تتبعون إلا رجلا مسحورا" وليس المسحور عندهم إلا من خولط في عقله، وخيل له شيئا يقع وهو لا يقع فيخيل إليه أنه يوحى إليه ولا يوحى إليه.

ثم يقول: وأما الحديث –على فرض صحته- فهو آحاد والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد وعصمة النبي من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد لا يؤخذ في نفيها عنه إلا اليقين".

ثم نراه بعد ذلك يدعو إلى عدم تحكيم الحديث في العقيدة وعدم الأخذ به، ويرى الأخذ –فقط- بالقرآن قال: "وعلى أي حال فلنا بل علينا أن نفوض الأمر في الحديث، ولا نحكمه في عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل.."[8] 1هـ.

تعقيب ورد على رأي الشيخ محمد عبده في السحر

إن الحديث الذي شكك فيه الشيخ حديث صحيح سندا ومتنا عن عائشة رضي الله عنها قالت: "سحر رسول الله -e- لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله -e- يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله"[9].

وذكر الإمام البخاري في صحيحه ترجمة الحديث بقوله: باب هل يَستخرج السحر؟ وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به رطب –أي سحر- أو يُؤَخذ عن امرأته -أي يحبس عنها ولا يصل إلى جماعها- آَيُحلّ عنه أو يُنشّر؟ وهو نوع من العلاج يعالج به؟

قال: لا بأس به إنما يريدون به الإصلاح فأما ما ينفع فلم يُنّهَ عنه.

ثم أورد البخاري الحديث بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله -e- سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا، فقال: يا عائشة أعلمتِ أن الله قد أفتاني فيما استفيته فيه؟ أتاني رجلان فقعدا أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلَي فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم رجل من بني زريق حليف اليهود كان منافقا، قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاطة قال: وأين؟ قال في جُف طلعة ذكر تحت رعوفة في بئر ذَروان، قالت: فأتى النبي-e- البئر حتى استخرجه، فقال هذه البئر التي أريتها وكأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين قال: فاستُخرج قال: فقلت: أفلا تنَشَّرْتَ؟ فقال: "أما والله فقد شفاني وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا"[10].

ومن الحديث السابق يتضح أن السحر كان خاصا بالناحية المتعلقة بإتيان النساء حيث كان يرى أنه يأتي نساءه ولا يأتيهن أي أنه ليس في العقل ولا تأثير له في العقل ولا يقدح في أمر الوحي، بل هو كسائر الأمراض.

فحديث السحر لا يقدح في شأن العقل ولا الوحي بل المراد أنه خاص بمسألة مباشرة النساء، ولكن فهم أكثر الناس، ومنهم الشيخ محمد عبده أن السحر يؤثّر في عقل الرسول -e- كما يؤثر في جسده ولذلك أنكروا الحديث؛ إذ رأوا عدم الأخذ به واعتبروا هذا مطعنا في النبوة ويتنافى مع العصمة فالذين بالغوا في تحكيم العقل عظمت عليهم رواية مثل هذا الحديث وعدوه -إن صح حسب زعمهم وتعبيرهم- يكون مخالفا للقطعي في النقل وهو ما حكاه الله عن المشركين من طعنهم في الرسول -e- كعادة أمثالهم في رسلهم: "إن تتبعون إلا رجلا مسحورا".

فتأثير السحر إنما كان في البدن دون الروح والعقل، أي أنه تأثير من نوع الأعراض البدنية مثله في ذلك مثل سائر الأمراض التي تعترى الأنبياء.

وقال الشيخ الألباني في تعليقه على مختصر صحيح مسلم: "واعلم أن هذا الحديث صحيح الإسناد بلا ريب أخرجه الشيخان وغيرهما من طرق عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة، وله شاهد من حديث زيد بن أرقم عند أحمد (4: 267) بإسناد صحيح وابن سعد بإسناد آخر صحيح أيضا. ولقد أخطأ السيد الإمام رحمه الله ومن قلده في تضعيفه لهذا الحديث وأثاروا حوله شبهات عقلية هي في الحقيقة [كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء] وليس في الحديث سوى أنه مرض -e- وأنه يرى أنه يأتي النساء وما يأتيهن. والله سبحانه الذي حفظه من أن يخطئ في التشريع وهو كبشر يمكن أن يخطئ ولكن الله عصمه فكذلك الله حفظه وهو بشر قد سحر، ومن شأن البشر أن يسحر، فأي شيء في هذا السحر الذي أصابه -e- وقد أصاب مثله موسى -e- بنص القرآن: )يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى( [11].

فهل مسّ ذلك من مقام موسى عليه السلام كلا ثم كلا وكذلك الشأن في الحديث 10هـ

وليس بياننا هذا بقادح في شخصية الشيخ محمد عبده؛ فهو مجدد ومصلح نعتز به، واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، والحق أحق أن يتبع، وقد أردنا من وراء هذا النموذج لرأي الشيخ والرد عليه أن نوضح أن التجديد وإطلاق الحرية للعقل لا بد له من ضوابط حتى لا يحدث شطط في التفكير أو تضعيف لما صح من الأحاديث؛ فالرأي العقلي مهما سما أمره وعلا قدره هو رأي بشري قابل للخطأ، وأما الحديث النبوي الذي ثبتت صحته فلا يصح العدول عنه لرأي عقلي يستبعد حدوث ما يذكره الحديث.

ونحن مع الشيخ الإمام في دعوته الإصلاحية وتجديده لما اندرس من أمور الدين بشرط ألا يصادم هذا ما ثبتت صحته من أحاديث رسول الله -e-، "إذا ثبت الحديث فهو مذهبي" كما قال بعض أئمة سلفنا رحمهم الله تعالى.

والناظر إلى مؤلفات الشيخ محمد عبده يرى أنها تشتمل على الدعوة إلى التجديد، ومن هذه المؤلفات كتابه: "الإسلام دين العلم والمدنية" الذي اشتمل على العديد من جوانب التجديد إلى غير ذلك من الكتب والمقالات، التي تدل على رسوخ قدمه في التراث، وعلو همته في التجديد والتطوير.

رحم الله هذا الإمام الجليل وجزاه خيرا عن جهوده التي تذكر فتشكر في خدمة الثقافة الإسلامية الأصيلة والفكر الإسلامي النابض.

وسلام عليه مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وبالله التوفيق.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،

[1] روا ه أبو داود في الملاحم والحاكم في الفتن.

[2] سورة العلق ( 1- 5).

[3] سورة الأنفال (60).

[4] رواه الترمذي.

[5] سورة البقرة (170، 171).

[6] من بحث منشور بمجلة منبر الإسلام أ.د/ محمود زقزوق عدد صفر سنة2005ه صفحة (6)

[7] سورة الفلق (4)

[8] تفسير جزء (عم) للشيخ محمد عبده.

[9] - رواه البخاري ومسلم

[10] - رواه البخاري.

[11] - طه (66)

** عضو مجمع البحوث الإسلامية