إستعدت القطع فوقَ رقعة الشطرنج لحربٍ صامتةٍ لاصليل فيها ولا صهيل ، وكانت متراصة بنظامٍ تامٍ تتلهف لأن تمتد الأيدي كي تدب الحياة فيها
وظل ينظرُ إليها وهو ينفخ دخانَ غليونه في الهواء ، ثم إعتدل وظل ينظر للملك مضيّقاً عيناه وهو يستنشق حريق التبغ ، وبدأ يفكر فيه كثيراً
ولماذا يختبئ وراء البيادق ؟ ، ولماذا لايقود الصف الأول ؟
تتعلق اللعبة بأكملها به وتنتهي بموته! رغم أنه لايفعل شيئاً مميزاً وقد أعطى حرية التحرك للملكة والفرسان والأساقف والرخ!
أما البيادق فتحركها دائماً للأمام ولا تملك كثيراً من الحرية ، وتسقط سريعاً في أرض المعركة.
لكن مقتل البيدق من المحتمل ألا يؤثر في مسار الحرب كثيراً أما إذا مات القائد فذلك يعني إنهيار النظام كله ، وبعد قليل من التفكير وصل لنقطة
تربط بينه وبين قطع الشطرنج وأي قطعة يحتل في الحرب الحقيقية ، ثم فرض فرضاً جدلياً بأنه قد مات! ماذا سيحدث حينئذ؟ هل تتوقف الحرب؟
، هل يتأثر الجنود ؟ قطعاً لا.....إذن هو ليس ملكاً أو وزيراً أو ملكه.
ثم بدأ يقيس حريته عموماً وماهو المدى الذي يسمح له بالإنطلاق فيه.....فوجد إختياراته تضيق وتجثم فوقه بقهر وعناد!
وقال : أنا مرغم على الذهاب للعمل ، أنا مرغم على نوع العمل ، كل أفعاالي تسير وفقاً لروتين لا أملك الإنحراف عنه ، لا أستطيع الإختفاء
فجأة لأستريح من وغى الحياة ، كما أنني لست قائداً وأيضاً لايحق لي إختيار الملك ، إني لم أصل إلى أن أكون أسقف أو فارس أو رخ!
إذاً أنا بيدق!!! أنا بيدق يتحرك ليس بهواه وليس لمصلحته في أغلب الأحيان! أنا بيدق مسلسل وأركض إلى الأمام بينما يحتمى ورائي كل من لهم
قيمة! ، ولكن من قرر لي أنني لست ذو قيمة من هو الذي رسم لي حياتي بهذا الأسلوب المهين !! من الملك ومن الملكة ومن الرخ وأين فرسان
الرقعة!!!
بدأ ينفعل حقاً بداخله اثر إرتطامه بهذا الواقع المؤلم البارد ، وقال لنفسه : لا أريد أن أكون بيدق ، أنا لا أريد الركض إلى الأمام معصوب العينين
وحياتي بإمتداد رقعة الشطرنج فبمجرد إقترابي من الخانات الأخيرة تضرب عنقي السيوف وتخرقها الرماح ولربما لن أصل لهناك أبداً وأسقط
في خانة البداية وأخرج بسرعة خارج الرقعة حتى لا اعطل سير المعركة ، ويكون كل مافعلته هو الركض فقط!!!
أريد أن أخرج من الحرب بسرعة ، أريد أن أخرج من هذا النظام ، لن أظل في هذا الوضع المهين ، أنا لست بيدقاً !!!!!!!!!.
لم يأكل أو يشرب ذلك اليوم وظلت خلايا المخ في عمل مستديم حتى غلبه النوم ، وذهب في اليوم التالي إلى العمل وجلس على مكتبه الصغير
وفوراً بدأت الأكوام تتكدس أمامه بينما هو ينظر لها دون حراك.
ظل على هذه الحال ساعة أوأكثر حتى إقترب منه رئيسه ودق بخفة على منتصف المكتب قائلاً : يبدو أن لديك أعمالاً كثيرة متأخرة!
ألم تعتقد أنه قد حان الوقت بعد للشروع فيها!!! ، فقام هو ونظر له في عيناه وقال : من عينك رئيساً علي ؟؟ أجبني ؟؟
فنظر له الرئيس متعجباً من تصرفه ، وكرر سؤاله ثم قال : لقد تم تعيينك لأن لك رخ يعمل ضمن الصف الأخير وقام بوضعك هنا
رغم أنك لاتمتلك أي شئ مميز وبدأ يضحك قائلاً نعم مثل الملك مانفعك !! ويبدو أن الملك قد مل من الوقوف ساكناً فرأى إستعراض السلطة
على هذا البيدق الغبي أمر مسل جداً......تجمدت ملامح رئيسه في العمل وصمت المكان بأكمله والكل مشدوه لهذا التصرف وهذا الكلام
وبدأت الهمسات في أرجاء المكان بأنه قد جن.....ثم ضرب بقبضته على المكتب وأطاح الأوراق والملفات وصرخ في وجه المدير :
أنا لست بيدق ، أنا........أنا.......
وخرج مسرعاً من المبنى وتوجه لبيته وقام بترتيب جزء صغير جداً من أمتعته وذهب ليسحب كل مايدخره من أموال ، وسافر لمنطقة
نائية قرب الصحراء بها بيتاً وأرض رملية تعود لجده المتوفى
وإتخذها مملكة صغيرة يحيا فيها حياة شاقة جداً جداً وبدأ في محاولة الزراعة حتى تمكن بعد عدة شهور أن ينجح في الحفاظ على محصوله
في ظل المياه الشحيحه وكان يستمتع بهذا الوضع كثيراً ووضع لافتة على مدخل أرضه تقول : كلنا على الرقعة سواء
ظن الناس القليلين جداً حوله أنه مجنون ولكنه لم يهتم وما همه هو العيش حراً وأن يختار تفاصيله ويكافح ويشقى لتحقيها بدون ظلم
ولا أساقفة متعجرفين جهلاء يخططون له سيره دائماً وأمامه الكون ينبسط إلى آخر مايصل بصره وليس مقيداً بخانات وحركات
لا أوراق ولا أصوات تزعج وقد عزم أن يقلع عن التدخين وأرتمى في أرجوحة الطبيعة تهدهده بعد كل يوم شاق
وياله من شعور بالحرية وبالإختيار......الإختيار الذي يُسلب دائماً فوق رقعة الشطرنج.

تمت