إذا أردت راحة البال وانشراح الصدر وسكينة النفس وطمأنينة القلب والمتاع الحسن فالاستغفار هو طريقك الآمن إلى ذلك: “وَأنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ” (هود: 3)، وإذا أردت قوة الجسم وصحة البدن والسلامة من العاهات والآفات والأمراض فعليك بالاستغفار تضمن ذلك وزيادة: “وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ” (هود: 52)، وإذا أردت الذرية الطيبة والولد الصالح والمال الحلال والرزق الواسع فاستغفر ربك: “فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً” (نوح: 10 12)، وإذا أردت تكفير السيئات وزيادة الحسنات ورفع الدرجات فعليك بالاستغفار.
وإذا أردت فرجا من كل كرب، ومخرجا من ضيق استحكم عليك، فعليك بالاستغفار فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب”، وإذا أردت ما هو فوق ذلك كله وأبقى فالتقوى والاستغفار يضمنان لك ما تريد، قال تعالى: “قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ. الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ” (آل عمران: 15 17).

طوبى للمستغفرين

الاستغفار هو دواؤك الناجع وعلاجك الأكيد من الذنوب والخطايا، وهو منهج الأنبياء الأخيار، ومسلك الرسل الأبرار عملوا به وأمروا به أقوامهم، وأمرنا به وحضنا عليه سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وأخبرنا أنه وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يستغفر ربه في اليوم مائة مرة، قال صلى الله عليه وسلم: “يا أيها الناس استغفروا الله وتوبوا إليه فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة”، وعن أبي هريرة فيما رواه البخاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة”، وقال الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان: “كنت رجلا ذرب اللسان على أهلي، قلت يا رسول الله قد خشيت أن يدخلني لساني النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “فأين أنت من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة”، وذكر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: “كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي، وتب عليّ، إنك أنت التواب الرحيم”. فما بالك وما بالي وما بالنا جميعا ونحن المذنبون لا نطلب عفو الغفور الرحيم، ولا نلتمس باباً ربانياً مفتوحاً على المغفرة، وعفوا مضمونا إذا ما أخلصنا النية والتوبة، وإذا كنا ممن كثرت صحائفهم بالذنب فلا أقل من أن يكثر فيها التوبة والاستغفار.
والاستغفار ينفعك في وقت تكون فيه أشد احتياجاً إلى ما ينفعك بين يدي الله عز وجل حين تنقطع عنك الأسباب، وتنعدم الإعانة حيث تحتاج حينئذ إلى كل استغفار لهج به لسانك، وخفق به قلبك، وإن شئت فاقرأ حديث الزبير الذي أخرجه الطبراني في الدعاء بسند حسن والبيهقي بسند لا بأس به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من أحب أن تسره صحيفته يوم القيامة فليكثر فيها من الاستغفار”، وعند ابن ماجة بسند صحيح وعند النسائي بسند صحيح أيضا عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا”.

غواية الشيطان

لا تنس وإذا نسيت فتذكر أن مهمة الشيطان أن يغويك ما دامت الروح فيك، فإذا استغفرت الله عز وجل فكأنما تسدد سهما إليه عليه لعنة الله، فلا يصيب من المؤمن غرة أو سهوة أو غفلة حتى يتذكر القلب المؤمن: “إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا، فإذا هم مبصرون”، فالمؤمن يواجه غواية اللعين بهذا العطاء الرباني وتلك المنحة الإلهية التي خص الله بها عباده المؤمنين، وقد بشرنا بها الهادي الأمين فيما رواه سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يقول إبليس لله (عز وجل): بعزتك وجلالك لا أبرح أغويهم ما رأيت الأرواح فيهم، فيقول الحق جل وعلا: فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني”.
الاستغفار باب عظيم من أبواب نعم الله عز وجل ورحمة واسعة من رحمات المولى سبحانه وتعالى فاستغفر ربك وكن دائما من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن عبدا أصاب ذنبا (وربما قال أذنب ذنبا) فقال رب أذنبت (وربما قال أصبت) فاغفر لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا، أو أذنب ذنبا فقال رب أذنبت أو أصبت آخر فاغفره، فقال علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا (وربما قال أصاب ذنبا) قال رب أصبت (أو قال أذنبت) آخر فاغفره لي فقال علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي (ثلاثا) فليعمل ما شاء”.
وكثيرة هي الأحاديث الشريفة التي تحضنا وإياك على الاستغفار منها ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: إني كنت رجلا إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني به، وإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإنه حدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من رجل يذنب ذنبا، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له”، ثم قرأ هذه الآية “وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ” (آل عمران: 135).

غسيل القلوب

والاستغفار يغسل القلب الذي تكالبت عليه الشبهات، وغشيته الشهوات، وتزينت فيه المحرمات وواجهته الفتن العظيمة إذ يعيده الاستغفار إلى وضاءته، ويحسن صيانته، فإن قلوب العباد تصدأ إذا أهملت كما يصدأ الحديد، وتضطرب وتفور كما يفور المرجل؛ إذا فتحت أبوابها للوساوس والشكوك والشهوات والشبهات، وإذا تُرِكت نهباً لإبليس وجنوده، حتى إنها لتصير من أثر ذلك معتمة لا تتمكن من الإبصار ومعرفة الحقائق حتى لو كانت في غاية الوضوح، ويزداد الإعتام كلما بَعُدَ الناس عن ربهم حتى يصل إلى درجة الإغلاق التام، وإلى ذلك لفتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء؛ فإذا هو نزع واستغفر وتاب سُقِل قلبه، وإن عاد زيدَ فيها حتى تعلو قلبه”، وهو الران الذي ذكر الله: “كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ” (المطففين: 14)، وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “تُعرَض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً؛ فأي قلب أُشْرِبَها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادّاً كالكوز مجخيّاً لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أُشْرِبَ من هواه”، ولا يتمكن العبد من النجاة من ذلك إلا بالرجوع إلى الله، والذل والخضوع والانكسار بين يديه، والاستغفار والتوبة.

سيد الاستغفار

ودلنا رسولنا الكريم على سيد الاستغفار في الحديث الذي رواه شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة”.

ولا شك أن الاستغفار المطلوب هو الذي يثبت معناه في القلب لا التلفظ باللسان فحسب، فأما من قال بلسانه استغفر الله وقلبه مصر على معصية فاستغفاره كما قيل يحتاج إلى استغفار، وعن مولى لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة”، فالزم الاستغفار الصادق في جميع أحوالك فلربما صادفت ساعة إجابة فغفرت ذنوبك وحصلت على مطلوبك.. قال لقمان لابنه: يا بني عود لسانك الاستغفار فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلاً، وقال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم وعلى موائدكم، وفي أسواقكم ومجالسكم وأينما كنتم فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة.