لم يتوقف الهاجس الأمني في مصر تجاه سكان «العشش» -العشوائيات- منذ سبعينيات القرن الماضي في مصر بعد أن لعبوا دوراً في غالبية المظاهرات العنيفة التي شهدتها القاهرة، مثل انتفاضة 1977 التي أطلق عليها الرئيس الراحل "أنور السادات" «انتفاضة الحرامية» لاقترانها بأعمال سلب ونهب، واحتضانها لمتطرفين ومجرمين وهاربين من القانون، يقال أن بعضهم شارك في حادث المنصة عام 1981، وإذ يبدو أنه من الممكن احتواء «العشش» إلا أنه من الصعب القضاء على ظاهرة «العشوائيات» في الوقت القريب، بعد أن قالت الحكومة إنها تحتاج لأكثر من ثلاثة مليارات جنيه لإدخال المرافق الأساسية إليها.

وتؤكد الدراسات الرسمية الحكومية، وبحوث الجمعيات الأهلية بمصر وجود علاقة وثيقة بين ظاهرة «العشوائيات» السكنية، وبين ظواهر الإرهاب والجريمة، إلا أن العشوائيات وسكانها لم يكونوا مشكلة تؤرق الحكومة المصرية قبل ظهور موجات متتالية من الإرهابيين، ينتظمون في جماعات متشددة دينيا، اعتبارا من سبعينيات القرن الماضي، حتى الآن، وهي المرحلة التي بدأت بسياسة الانفتاح التي أقرها الرئيس المصري الراحل "أنور السادات".. حينذاك زحف مئات الآلاف من سكان جنوب مصر وشمالها إلى القاهرة بحثاً عن فرص للعمل وزيادة الدخل، لكن القاهرة التي كانت تغصّ بسكانها لم تكن لديها القدرة على استيعاب تلك الأعداد من المهاجرين القرويين، إضافة إلى أن سكان الأرياف حين زحفوا على العاصمة لم تكن لديهم القدرة المالية على استئجار شقق في الضواحي السكنية القديمة.

وتتصدر جرائم بعض سكان تلك المناطق بأنواعها عناوين الصحف المحلية، وصفحات الحوادث، وتشير حوادث الإرهاب والتطرف إلى احتضان تلك المناطق لمعظم الحوادث الإرهابية والفتن الطائفية بدءا من أحداث الفتنة الطائفية بالزاوية الحمراء أواخر حكم "السادات"، وتبعتها أحداث مماثلة في منطقة الوايلي، وأحداث أسيوط بصعيد مصر عام 1981 عقب اغتيال "السادات" في حادث المنصة الشهير، وتبعتها أحداث فتنة بالمرج، شمال القاهرة، وبعدد من القرى والريف المصري مثل أحداث الكشح ودار السلام بسوهاج.

وللأسف لا يوجد إحصاء دقيق تتفق عليه الجهات المعنية الرسمية وغير الرسمية للعشوائيات في مصر، فآخر الإحصائيات للتعبئة والإحصاء تقول أنها 909 منطقة فقط، بينما يؤكد معهد التخطيط القومي في آخر رقم أنها 1109، أما مركز دعم واتخاذ القرار فيؤكد أنها 1034 منطقة عشوائية!

وفي هذا الصدد يقول "نبيل عبد الفتاح" المحلل السياسي والخبير بمركز الأهرام الاستراتيجي لـ "بص وطل": قطعاً هناك هاجس أمني واضح من سكان العشوائيات لصعوبة السيطرة عليهم، خصوصاً بعد ثمانينيات القرن الماضي بعد أن ثبت أن العشوائيات بيئة ملائمة للدعاوى المتطرفة مثلما حدث في "جمهورية البصراوي الإسلامية" في إمبابة أوائل التسعينيات التي فرضت إتاوات على السكان على الرغم من أن شيخ الجماعة وقتها كان يعمل طبالاً في البداية، وسكان هذه المناطق سلعة رخيصة يمكن استخدامها في حقل الجريمة حيث يمكن أن تستأجر أحدهم للقيام بأي حادث شغب دون أدنى مسئولية منك.

وتشير بيانات وزارة الإسكان إلى أن سكان «العشوائيات» يبلغ عددهم نحو 8 ملايين مواطن، موزعين على 497 منطقة سكنية بكافة أنحاء البلاد، إلا أن النسبة الكبيرة منها منتشرة حول «القاهرة الكبرى»، والتي تضم المحافظات الواقعة على رأس مثلث دلتا نهر النيل، وهي القاهرة، والجيزة، والقليوبية.

وتبدو مشكلة عثور الفقراء والمهمشين على سكن سواء في مناطق «العشش» أو «العشوائيات» أمراً صعب المنال أيضاً، حيث كشف تقرير حديث للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن 12 مليون مصري يعيشون في المقابر والعشش والجراجات والمساجد وتحت السلالم. وأشار التقرير إلى أن 1.5 مليون مصري يعيشون بالقاهرة في مقابر البساتين والتونسي والإمام الشافعي وباب الوزير والغفير والمجاورين والإمام الليثي وجبانات عين شمس ومدينة نصر ومصر الجديدة.

من جانبها قالت الدكتورة "عزة كريم" الأستاذ بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية: إن هذه المناطق عـبارة عن تجمعات بشرية تكونت على أطراف المدن الكبرى، خلفتها عوامل الطرد من الريف إلى المدينة، وكان السبب في ظهور مشكلة البناء العشوائي في مصر في حقبتي الخمسينيات والستينيات، صدور عدد من القوانين استهدفت تخفيض الإيجارات والضرائب العقارية، فالكثير من المواطنين لجئوا إلى الإقامة بالمقابر، والمساكن المصنوعة من الصفيح والخشب والكرتون، نظرًا لتهدم منازلهم بسبب السيول وغيرها من العوامل الطبيعية، وأوضحت أنه يمكن تقسيم المناطق العشوائية بالقاهرة الكبرى إلى قسمين أحدهما يقع داخل النطاق العمراني، ومنها روض الفرج ومصر القديمة والزاوية الحمراء، وهي من العشوائيات القديمة، ومناطق العشش، ومنها أبو النمرس وعزبة أبو حشيش، بينما يضم النوع الثاني أنماطًا متعددة؛ مثل القطاعات الريفية خارج المجتمعات الزاحفة على الأراضي، ومنها المطرية وبولاق والوايلي والهرم والعمرانية وإمبابة ومنشأة ناصر وعزبة النخل، وكلاها تفتقر إلى كثير من الخدمات الأساسية والمرافق العامة والاثنان يمثلان رافداً للجريمة والعنف والإرهاب.


وفي هذا السياق لفت عدد من الباحثين النظر إلى أن طبيعة الحياة في تلك المناطق تجعلها بيئة ملائمة لظهور الإرهابيين والمتطرفين دينياً والمجرمين، فأغلب الدراسات التي أجريت على الإرهابيين الذين نفذوا عمليات إجرامية في مصر ثبت خروجهم ونشأتهم من المناطق العشوائية المحرومة.

وهناك العديد من المناطق العشوائية الشهيرة بمصر مثل قلعة الكبش بجوار السيدة زينب تحوطها مقابر زين العابدين، وهناك أرض "عزيز عزت" بإمبابة وأرض مطار إمبابة، وعزبة أبو قرن بمصر القديمة وعزبة خير الله بدار السلام، وعزبة "أبو حشيش" بجوار كوبري القبة، كفر قنديل بالجيزة، كذلك منطقة بطن البقر على أطراف منطقة مصر القديمة، وبالقرب منها منطقة "زرزارة" و«الزرائب» اللتين لا تبعدان كثيراً عن عزبة بخيت بـ"الدويقة" التي سقطت فوق سكانها صخرة كبيرة من هضبة المقطم مؤخرا.