> النظام الحالي يريد ألا نتنفس إلا بإذن ولا نكتب إلا بإذن ولا نفكر إلا بإذن ولا نتحرك ولا نترشح ولا نرفض إلا بإذن > الحاكم الذي يجند لصالحه عدداً من القضاة لإصدار أحكام ضد قادة التغيير هو نظام لا يمكن الوثوق به مطلقاً

علي عكس ما يراه الجالسون في كراسي الحكم في ظل نظرية «الخلود السياسي» من أن هذا العصر الذي نعيشه في مصر هو أزهي عصور الديمقراطية أراه أشد عصور الاستبداد السياسي الذي أصبح لا يحتمل نقداً ولا يحتمل مجرد حديث عن صحة الرئيس أو ذمته المالية، ومن ثم عن السيدة حرمه ونجليه الكريمين «جمال وعلاء» ولا عن أصهارهم ولا شبكة علاقاتهم ولا علاقة الشراكة في البيزنس داخل مصر وخارجها هو نظام أصبح خارج التاريخ ويتمسك بالسلطة حتي آخر نفس والأدهي فإن معركة التوريث تسير علي قدم وساق وبسرعة، لدرجة أنهم يحاولون إزاحة من يقف في طريقهم لسرعة نقل السلطة من مبارك الأب إلي مبارك الابن، ويفرضون أمراً واقعاً وهم في الحقيقة يتجاهلون التاريخ بكل أسف.


فنحن نعيش الآن في عصر لا يمت بصلة للديوقراطية، والقائلون إننا نعيش الآن حرية صحافة غير مسبوقة، نقول لهم هي مجرد ديكور وتجميل، وأغلب الصحف لها توازنات مع النظام ولها سقف واط جداًً يقل عن الصحافة لا تخرج عن أصابع اليد الواحدة هي التي رفعت السقف بعض الشيء فتحدثت فيما يبدو أنه من المحرمات وتصورت أن هذا مباح بينما متاريس الاستبداد تقف عقبة في طريق أي تطور ديمقراطي حتي لو لمجرد الديكور فيجب أن يكون كل شيء تحت السيطرة بكل أسف يجب ألا نتنفس إلا بإذن ولا نكتب إلا بإذن ولا نفكر إلا بإذن ولا نتحرك إلا بإذن ولا نترشح إلا بإذن ولا ننجح في الانتخابات إلا بإذن ولا نرفض إلا بإذن، أما الشيء الوحيد الذي نستطيع أن نفعله بدون إذن في ظل نظام الحكم الحالي فهو الموافقة علي طول الخط علي كل شيء «موافقة علي شيك علي بياض»، حتي الإبداع في الموافقة يحتاج إذناً مسبقاً خشية أن يؤدي هذا الإبداع إلي انحراف عن خط الموافقة.

ما هي إذن نوعية النظام الذي حكم علي المفكر المبدع إبراهيم عيسي، ذلك الصحفي اللامع الذي رفع سقف حرية الصحافة وفكر دون إذن ونشر دون إذن وكتب وحرر دون خوف بالسجن أيا كانت المدة؟

إنه نظام متسلط، متعجرف، مفتون بالقوة وأدواتها، يقهر الشعب ويلعب بمقولة «اضرب المربوط.. يخاف السايب» أو العكس، إنه في النهاية نظام استبدادي للنخاع ونظام فرعوني ونظام مملوكي ونظام إقطاعي من العصور الوسطي ونظام رأسمالي متوحش بلا قلب أو ضمير، هو نظام لا يفهم ولا يدرك حقيقة الأوضاع، أصاب شرايين القلب في المجتمع كله بالتصلب والجمود، أحدث في المجتمع صدمة هائلة في المستقبل، ساهم في قتل حرية الإبداع والعلم والثقافة من طول استمراره.

هو نظام خلق جيشاً من المنافقين وحملة المباخر ارتبطت مصالحهم باستمراره، ويسارع بتقديم الرشاوي بحجة أن الحفاظ علي استقراره هو استقرار للمجتمع، فالمجتمع المستقر حالياً بفعل استمرار النظام طوال هذه الفترة التي تقترب من ثلث قرن، هو نظام مشلول شللاً كلياً، ولن تدب الحياة في هذا الجسد إلا بإرادة الشعب وانتفاضته العارمة التي ترد الصاع صاعين وأكثر وهي في الطريق بلا شك.

إن النظام الحاكم الآن باقترابه من صحفيي التغيير وفي مقدمتهم المبدع إبراهيم عيسي لمجرد أنه تحدث وتساءل وعلق علي صحة الرئيس، وذلك بالسجن ولو لمدة يوم واحد، هو نظام مرعوب وخائف ويتصرف كاللصوص.

كما أن هذا النظام الذي يأمر بعض زبانيته بإهانة نواب المعارضة لمجرد أنهم اقتربوا من الوريث والادعاء عليهم كذباً وبهتاناًً لتمرير كل شيء في الحكم وفي المشروعات الملوثة وفي العمولات وغيرها، هو نظام ضعيف ويترسخ ويعيش في أيامه الأخيرة، وربما وقع فجأة بسكتة قلبية، وبفعل مقاومة الشعب والتي اتسعت دوائرها.

كما أن الحكم الذي يجند لصالحه عدداً من القضاة لإصدار أحكام بعينها ضد قادة التغيير في صحافة المستقبل ونظام الحكم القادم أمثال إبراهيم عيسي وعبدالحليم قنديل ووائل الإبراشي، وعادل حمودة وغيرهم وذلك بالسجن بينما يتم تجنيد عدد آخر من القضاة لتبرئة ممدوح إسماعيل وغيره من رموز الفساد في مصر هو نظام لا يمكن الوثوق به مطلقاً، بل إنه يهدم أساس النظام السياسي عندما يفقد الشعب الثقة في السلطة العادلة وهي سلطة القضاء.

فلا القضاء ولا الصحافة ولا السياسة ولا الأحزاب ولا البرلمان ولا غيرها من سلطات وأدوات الحكم هي محل ثقة أو مصداقية لدي الشعب بفعل هذا الحكم المستبد الذي يصر علي الإطاحة بكل الخصوم وكل المعارضين وأصحاب الرأي والمثقفين المحترمين.

إنه يريد أن يعيش بمفرده مع آخرين مستأنسين للأسف، فلو عرف الشعب كيف يعمل المعارضون في القواعد الجماهيرية ووسط المواطنين، وفي أي ظروف وتحت إرهاب الأجهزة الأمنية والمحلية والتنفيذية، لأدرك أن هذا النظام لا يصلح معه أي وسيلة سلمية، ولا أمل علي الإطلاق، ولذلك فإن هذا النظام هو الذي يخلق العنف ويجبر الشعب علي التفكير في التمرد والثورة التي يمكن أن تقتلع الأخضر واليابس والصالح والطالح، ومن ثم فهو يحفر قبره بنفسه، فالنظام السياسي الحي هو الذي يجدد نفسه، ويجدد أجهزته ويدفع الدم في شرايين المجتمع، من هنا فإن النظام الديمقراطي يتسم بمدد الحكم حتي يحافظ علي بقائه وإلا فإن البديل هو موت النظام، فلا يمكن لأحد في نظام ديمقراطي أن يمكث في الحكم ثلاثين عاماً، ولا يمكن لنظام جمهوري أن يفكر في توريث الحكم لتصبح مدة ونظام الحكم مستمرة تقترب من القرن، وهذا أمر لم يحدث في التاريخ في ظل أعتي نظم الحكم الاستبدادية، ولذلك فالنظام المصري نظام استبدادي لا مثيل له في التاريخ قديماً أو معاصراً.

وفي هذا السياق لابد أن نفهم أن الحكم بسجن المبدع إبراهيم عيسي ليس بمستغرب، لأنه يكشف عن الوجه القبيح للاستبداد.

وفي ظل العبودية السياسية غير المسبوقة فإبراهيم عيسي وكل من علي شاكلته هم شهداء التغيير، ويدفعون الثمن برحابة صدر، واقتناع وبوطنية منقطعة النظير، وهنا فإننا نهيب بالشعب المصري في كل أنحاء الوطن أن يهب دفاعاً عن كل رموز التغيير في الصحافة وفي البرلمان وفي القضاء وفي الأحزاب وفي التيارات السياسية خارج الأحزاب وفي المثقفين وفي الأدباء وفي قادة الرأي والفكر وفي كل موقع وفي وسط العمال وأساتذة الجامعات والأطباء وموظفي الضرائب والمعلمين.. وغيرهم، فكل هؤلاء ضد النظام، ولذلك فإن سقوطه أصبح مسألة وقت لا أكثر، وهو ساقط سقوطاً مدوياً وهذه هي فلسفة التاريخ وحكمته لمن لا يدركون.

ولذلك إن أراد النظام أن يبرئ ساحته من محاكمة قادة التغيير وأن يترك حركة التجديد لتنطلق حفاظاً علي الصالح العام، فإنني أطالب رئيس الدولة بأن يصدر عفواً رئاسياًً عن إبراهيم عيسي، وأيمن نور وسعد الدين إبراهيم وكل المساجين السياسيين من إخوان مسلمين وغيرهم، حتي يمكن أن نثق في نية قادمة، وإلا فإن الحل الشعبي هو البديل وهو الحتمي لاقتلاع هذا النظام الفاسد والمستبد من جذوره، وآنذاك لن ينفع الندم ، فياأيها الصديق العزيز إبراهيم عيسي، اصبر واعلم أنك لصابر فالله هو الحارس والشعب هو الواقي وموقف الرجال له الدوام وفجر التغيير قادم بإذن الله، والله معك ونحن معك.

جريده الدستور