بعد أن قرأنا كل ما فات عن "محمد علي" ومهما اختلفنا أو اتفقنا عليه، فالأكيد أن أغلبنا أدرك أنه رجل من طراز فريد وخاص ونادر ومن الصعب أن يتكرر مثله مرة آخرى.. نتكلم هنا عن كل إنجازاته وإخفاقاته عن الإمبراطورية الكبرى التي كان يريد صنعها عن أسلوبه الدموي العنيف في التخلص من أعدائه.. عن الحضارة التي أراد ضخها في شرايين مصر وطموحه الشخصي الذي بات هدفا أساسيا –كما ظهر- في كل خطواته، وعلى طريقة المراجعة النهائية التي تسبق الامتحانات عادة، تعالوا نفر صفحات حكم "محمد علي" لمصر هي تلك الصفحات الممتدة لسبعة وثلاثين عاما بالتمام والكمال، وذلك قبل أن نجيب على حزمة من الأسئلة الصعبة سنجدها في آخر المقال..

***

منذ شبابه بدا واضحا أن "محمد علي" يتصف بالذكاء والدهاء الشديدين الممزوجين بعقلية قادرة على التخطيط والتنفيذ ولعل تلك الحادثة التي قام بها وهو بعد لم يزل في بدايات سنوات عمره العشرين تكشف ذلك، إذ أوفده حاكم "قولة" -البلد التي ولد بها "محمد علي"- إلى قرية "بروستا" حتى يحصل من أهلها الضرائب بعد أن امتنعوا عن سدادها خاصة وأن القرية الصغيرة تخلو من أي عسكر يمكن أن يجبروا الأهالي على الدفع.

دخل "محمد علي" القربة بصحبة 10 من الجنود ثم ذهب للصلاة في المسجد كأي عابر سبيل وفور أن دخل أهالي البلدة للصلاة معه، أمر جنوده بإغلاق باب المسجد ثم أسر أربعة من أعيان القرية وعاد بهم إلى "قولة" مفاوضا أهل "بروستا" بين حياة أعيانهم والضرائب.. فدفعوا الضرائب بالقطع!

وكانت مكافأة "محمد علي" الفورية إثر هذا الانتصار هو أن ترقى إلى رتبة "نقيب" وأن تزوج ابنة حاكم "قولة"،ثم كانت المكافأة الكبرى بأن أصبح نائب قائد الجيش العثماني الذي سيبحر إلى مصر من أجل أن يتصدى للحملة الفرنسية.. هذه الرحلة هي التي هيأت فيما بعد لـ"محمد علي" أن يجلس على كرسي عرش مصر.

***

تريد مثالا آخر على دهاء "محمد علي"؟ بماذا إذن يمكن أن نصف ما فعله هذا الألباني الألمعي عندما اختار أن يصل إلى الحكم في مصر في هدوء وبعد طول صبر وبال امتد لعدة سنوات رغم أن فرصة الجلوس على عرش مصر منفردا واتته أكثر من مرة إلا أنها دائما ما كانت محاطة بالكثير من الدسائس والمؤامرات الكفيلة بإزاحته من منصبه، خاصة وأن مصر طوال السنوات التالية لرحيل الحملة الفرنسية وحتى تولي "محمد علي" للحكم "الفترة ما بين 1801-1805" ظلت فريسة لفوضى سياسية غير مسبوقة وتناوب عليها حكام من شتى الاتجاهات عثمانيين ومماليك وانكشارية، وفي كل مرة كان اسم "محمد علي" يظهر كمرشح حقيقي لتولي السلطة إلا أن تعففه الظاهر عن ذلك وإصراره على أن يكون دوما شريكا لشخص آخر في الحكم وأن يقوم هو -أي "محمد علي"- بدور وكيله أو نائبه، صنع له شعبية وسط قطاعات كبيرة من الشعب جعلتهم هم الذين يختارونه بأنفسهم واليا عليهم بعد أن أقصوا -هم أنفسهم- "خورشيد باشا" حاكم الإسكندرية الذي تولى حكم مصر -بالمناصفة مع "محمد علي"- فعاث فيها فسادا وظلما، وليسجل التاريخ وقتها لحظة لم تتكرر حتى الآن في حياة المصريين وهي أن يزيحوا حاكما من منصبه ويولوا حاكما آخر ذات المنصب، وليكون السؤال هاهنا هل شخصية "محمد علي" الفريدة هي التي فرضت على المصريين أن يتحركوا بمثل هذه الإيجابية النادرة؟ وهل حرك هو بذكائه جينات مستكينة بداخل نفوس المصريين أم كان هناك سبب آخر؟

***

كان ذلك في الأول من مارس عام 1811، وقتها فتح "محمد علي" باب قلعته لاستقبال المماليك الذين أتوا إليه للاحتفال بتحرك حملة "أحمد طوسون" ابن "محمد علي" نحو الحجاز لإخماد الحركة الوهابية المناهضة للحكم، وقتها كان المماليك يظنون بأنهم أصبحوا و"محمد علي" كيانا واحد بعد أن أعلنوا استسلامهم في الحرب التي دارت بينهم وبينه في أقاصي الصعيد لفترة لا بأس بها، إلا أن "محمد علي" لم ينسَ أنهم -أي المماليك- كانوا أعداء له وقد يتحينون الفرصة للانقضاض عليه في أي وقت.. فكانت المذبحة.

دخل المماليك بجيادهم داخل القلعة التي سرعان ما انغلقت أبوابها خلفهم، حتى يصبحوا لقمة سائغة لجنود "محمد علي" الذين قتلوا منهم ما يقرب من الخمسمائة قبل أن يكملوا باقي حملتهم على المماليك الساكنين في منازلهم ليصل العدد إلى ألف.. الرقم الكبير والطريقة الدموية التي تم بها إخراس المعارضين جعلت الشعب المصري كله يصاب بخرس مماثل طوال 37 عاما هي فترة حكم "محمد علي" فلم يرصد مؤرخ حالة تمرد واضحة -باستثناء حالة "عمر مكرم" التي انتهت بنفي الرجل إلى دمياط- على نظامه رغم ما شابه في بعض الأحيان من مظالم ومفاسد.. الأمر الذي يفرز بدوره سؤالا مهما.. هل فعل "محمد علي" مذبحة المماليك تطبيقا للمثل المصري الشهير "اضرب المربوط يخاف السايب"؟ هل كانت الرصاصات التي تستقر في أجساد المماليك تستهدف بالأساس أن تستأصل أي روح للمقاومة أو للتمرد داخل الشعب المصري؟ أم أنه فعل ذلك لأنه رأى في المماليك تهديدا لحكمه ولاستقرار مصر الذي بدأ في وضع أسسه؟ أم لعله فعل ذلك وبداخله الهدفان معا؟

***

لعل الكثير منا لايزال يحفظ تلك الجملة الأثيرة التي درسناها في منهج الابتدائي والتي تقول بأن "محمد علي هو صانع نهضة مصر الحديثة"، وربما تكون هذه العبارة هي الجملة الوحيدة الصحيحة التي تم تدريسها لنا في كتب التاريخ!

فإذا لم تكن النهضة هي تأسيس جيش قوي صلب أصبح واحدا من أقوى جيوش العالم بأسره، وفتح عدد كبير من الدول يكفي ذكر بعض أسمائها "سوريا- بيروت- الحجاز- كريت- السودان" حتى تصاب بالهلع، دعك من أنه قاوم جيش الإمبراطورية العثمانية الضخمة وكاد يحقق الانتصار عليه لولا دعم الدول الأوروبية الإستعمارية للدولة العثمانية لأنها رأت في دولة "محمد علي" خطرا حقيقيا يحيق بها... إذا لم يكن هذا الجيش النادر نهضة فما النهضة إذن؟

لاحظ أن وجود مثل هذا الجيش الضخم- قوامه 250 ألف جندي- يتطلب إنشاء الكثير من الصناعات التي تخدم هذا الجيش.. هناك مصانع إذن.. هناك عمال وفنيون.. هناك زراعات خاصة بالجيش.. هناك أنظمة زراعة جديدة ومبتكرة.. ثم كان الإنجاز الأكبر بـتأسيس أول منظومة حقيقية للتعليم في مصر على يد العلامة "علي باشا مبارك".. مؤسسات تعليمية أصيلة أخرجت أفواجا من المتعلمين وليس من الأميين –سيادتك- كما يحدث الآن.. ولم يترك مواطنيه فريسة لجهل بالمرض فاهتم بأن يكون هناك طب أصيل في مصر بعيدا عن الدجل والشعوذة والأعشاب التي تداوي كل الأمراض في شربة واحدة فأرسل البعثات إلى الخارج ثم أسس مدرسة القصر العيني لتخرج أطباء مصريين أصبحوا هم خيرة الطب في الشرق كله آنذاك..

كان "محمد علي" يضع ويؤسس بحق كل مقومات الدولة الحديثة وكل مقومات النهضة الحقيقية فصنع بذلك ما لم يفعله أي حاكم مصري من بعده.. ورغم كل هذا النبل الظاهر وكل هذه النوايا البيضاء في أفعاله والأهداف التي سعى إلى تحقيقها إلا أنه -كعادة ودأب السياسين المحنكين- التجأ في بعض الأحيان إلى استخدام الوجه الأسود، فبطش بالبعض وخنق كثيرا من الحريات وطفق هو وحده الحاكم بأمره، ثم استسلم لرغبات وأحلام الإمبراطورية المصرية الكبرى التي لعله كان يحلم بأن ترث مكان الإمبراطورية العثمانية المتهالكة.. ليبقى السؤال عالقا: هل ترى ما أنجزه "محمد علي" من نهضة حقيقية في مصر كفيلا بأن تُغفر له كل خطاياه؟ أم أن الأبيض لا يزيل البقع السوداء؟ وهل تحلم بأن يعود نموذج "محمد علي" لمصر مرة أخرى بكل ما فيه من أبيض وأسود -لاحظ أنه لم يكن مصريا بالأساس-؟ أم تأمل في أن تنبت أرض مصر رجلا جديدا كـ"محمد علي" ولكنه ليس "محمد علي"؟!


منقول