‏**‏ قبل أن ندخل في تفاصيل هذه الملحمة يهمني رسم صورة لمصر بعد هزيمة‏1967,‏ والموجود وقتها أقول عنه‏:‏ ربنا مايكتب علي المحروسة أن تري ثانية هذه الأيام‏..‏ لأنها كانت أياما سوداء معجونة في يأس منقوع في مرارة وبطعم العلقم‏..‏ لأن الذي حدث هو أسوأ هزيمة يمكن أن تلحق بجيش والأسوأ أن هذا الجيش لم يكن جاهزا لحرب ولم تكن لديه تعليمات بأخذ مبادرة الحرب وفوجئ بقرار انسحاب وهو أصلا لم يبدأ‏..‏ باختصار بلد بأكمله انكسر ومن هذا الانكسار وذاك اليأس نهضنا وتلك عبقرية الشعب المصري‏!


الاستعدادات بدأت تقريبا من الصفر‏.‏ العسكريون يقرأون في عيون المدنيين غضبا ممزوجا بالحزن لأن ماحدث مفاجأة مذهلة لم تخطر علي بال مدني واحد لأن الشعب بأكمله اقتنع من الأغاني الوطنية والخطب والشعارات بأن قواتنا جاهزة لمواجهة أمريكا وليس أقل من ذلك وفجأة انكشف المستور وانكسر الحلم وظهرت الحقيقة التي أغلب المدنيين لايصدقونها رغم مرور قرابة الشهرين علي الهزيمة والصهاينة علي البر الشرقي للقناة‏!.‏ كل هذه الأحاسيس يدركها العسكريون لتضاعف حزنهم لأنهم أصلا لم يحاربوا وانحسبت عليهم هزيمة وليست أي هزيمة‏..‏ المهم أن ذلك الإحساس هو الذي عضد عزيمة الرجال وهو الذي غرس رغبة الثأر فيهم وهو الذي جعل كل رجل في القوات المسلحة ينتظر لحظة المواجهة القادمة ليثبت لأهله وجيرانه وأبناء بلده أن الذي حدث لم يكن للمقاتلين ذنب فيه‏!‏

علي الجانب الآخر‏..‏ الصهاينة يعيشون زهوة النصر بانتصار لم يكن في الأحلام بالنسبه لهم‏!.‏ فرحة وزهوة ودهشة من أن ينتصروا بمثل هذه السرعة وبدون خسائر والفرحة الأكبر هي إحساس الصهاينة بأن المصريين انكسروا نفسيا‏!.‏ هذا ما أحسوا به ولم يخطر علي بالهم أن المصريين شعب ليس له حل‏!.‏ لم يفكروا في ذلك وعدم تفكيرهم هو الذي دفعهم لاستثمار حالة الزهو عندهم وحالة الانكسار عندنا‏..‏ في عمليات عسكرية محدودة الهدف منها القضاء تماما علي معنويات الشعب والوصول به لمرحلة اليأس التام من أن تقوم لنا قائمة‏!‏
تلك محاولة لقراءة الصورة في الأيام التي تلت يونيو‏67‏ الحزين‏!.‏ القوات المسلحة تواصل الليل بالنهار والصهاينة يعربدون هنا وهناك في عمليات عسكرية هي رسالة للشعب المصري بأن جيش مصر وقع ولن تقوم له قائمة‏..‏ وكانت أغلب هذه العمليات بحرية لإرضاء قوات العدو البحرية التي لم تشارك في نصر‏67‏ وتريد أن يكون لها دور أمام شعبها‏..‏ لذلك زادت العربدة وتكرر الاستفزاز باستعراض للقوة من أكبر وحدة بحرية في الجيش الإسرائيلي وهي المدمرة إيلات وبرفقتها سرب لنشات طوربيد وتغطيها مظلة جوية من المقاتلات‏!.‏ المدمرة من أول شهر يوليو‏..‏ شهر عيد الثورة‏..‏ داخلة ـ خارجة في المياه الإقليمية قبالة بورسعيد‏!.‏ يوميا يتم هذا الانتهاك لحدودنا لأجل جرنا إلي معركة مضمون انتصارهم فيها‏!.‏ وجاءت ليلة‏11‏ يوليو وواصلت المدمرة إيلات عربدتها‏..‏ وخرج لنشا طوربيد لرصد الموقف إلا أنهما وقعا في كمين وانفجر اللنش الأول بنيران مدفعية المدمرة إيلات وأصيب الثاني إصابة مباشرة وقائده النقيب عوني عازر ومعه الملازم أول رجائي حتاتة‏..‏ والاثنان صنعا ملحمة فداء عندما اتجها بقاربهما المصاب تجاه المدمرة في عملية فدائية هي قمة الشجاعة لينفجرا باللنش في المدمرة
ويحدثا بها إصابات ولم يكن الهدف الإصابات إنما كان الهدف رسالة للصهاينة بأن وقت العربدة انتهي وأن لمصر يدا تطول أعداءها ورسالة للشعب بأن العدو الذي لايهزم سهل جدا الوصول إليه ونهش جسده‏..‏ والعملية الفدائية كان مغزاها ذلك‏!‏
قائد المدمرة إيلات قدم مذكراته في كتاب اسمه‏'‏ المعركة الأخيرة للمدمرة إيلات‏'..‏ ووصف العملية الفدائية التي قام بها حتاتة وعوني بأنها شجاعة وصلت إلي حد الجنون وأنه شعر بالخوف الشديد واللنش في طريقه للمدمرة‏..‏ خوف وصل إلي حد الرعب من شجاعة هؤلاء الرجال الذين نجحوا في إحداث إصابات بالمدمرة بسببها دخلت ميناء أشدود للإصلاح ولعلاج المصابين‏!.‏ وأيضا من مذكرات الملازم أول رجائي أنور رضوان حتاتة التي كتبها قبل استشهاده هذه الكلمات‏:'‏ اللهم إن أردت لي الحياة فأحيني بعدها لأري البسمة علي الوجوه ولأري راية بلادي مرتفعة معلنة أن النصر قد أتي‏.'‏

معركة يوليو البحرية أمام بورسعيد خسرنا فيها‏38‏ شهيدا لكننا خرجنا منها بانتصار هائل معنوي لرجال البحرية تحديدا صنعه عوني وحتاتة‏..‏ انتصار غير مكتوب ومع ذلك يقول‏:‏ المدمرة الجبارة نلنا منها بعد أن تفجرنا في جسدها وفكرة القوة المفرطة لم تعد موجودة وهيبة إيلات المدمرة تبعثرت‏.‏ ومن هذا الإحساس بدأ الاستعداد والترقب والانتظار بتصميم من الرجال علي جعل المدمرة العملاقة ذكري‏..‏ مجرد ذكري‏..‏ ومرت الأيام إلي أن جاء اليوم‏!‏
‏21‏ أكتوبر هو اليوم‏.‏ المكان قاعدة بورسعيد والصباح نفس كل صباح إلي أن جاءت الثامنة والنصف صباحا وحملت بلاغا من قائد القاعدة إلي قائد اللنش‏504‏ بأنه يوجد هدف بحري قرب المياه الإقليمية ولمزيد من التأكد صعد الملازم أول حسن حسني ضابط أول اللنش إلي نقطة مراقبة بصرية فوق فندق مرتفع وبعد عشر دقائق شاهد حسن حسني مدمرة طراز زيليوس وأيضا رصدها الرادار وحدد موقعها علي بعد‏15‏ ميلا بحريا‏!.‏ الرجال دخلوا مرحلة الاستعداد القصوي والمدمرة لم تتوقف علي مدي ساعات النهار عن الدخول والخروج في المياه الإقليمية‏..‏ وبدأت الشمس تغيب وكانت آخر شمس تغيب علي المدمرة‏!‏

صدر الأمر‏..‏ وتحرك لنش الصواريخ‏504‏ بقيادة النقيب أحمد شاكر عبد الواحد ولنش الصواريخ‏501‏ بقيادة النقيب لطفي جاد الله‏..‏ وأنقل لحضراتكم هنا مشاعر ضابط أول اللنش‏504‏ الملازم أول حسن حسني الذي تكلمت معه تليفونيا من أيام وعدت به‏35‏ سنة للوراء‏..‏ يتذكرها ويقول‏:‏ لا أستطيع أن أصف شعوري الذي هو نفس شعور طاقمي اللنشين‏!.‏ فرحة هائلة لأسباب كثيرة أولها الانتقام وثانيها رد الاعتبار وثالثها لأننا أصلا لم نحارب‏!.‏ الفرحة هائلة والخوف أيضا هائل‏..‏ خوف من أن يصدر في أي لحظة أمر يلغي أمر القتال أو أن الهدف يترك المياه الإقليمية قبل الوصول إليه‏!‏
هذا شعور ملازم أول عمره في بداية العشرينات‏..‏ وأتوقف هنا لأوضح لشبابنا أن ملحمة الفداء صنعها شباب في مثل أعمارهم‏..‏ صنعها لأنه بداخله انتماء بلا حدود لوطن‏..‏ وهذا الانتماء موجود اليوم وكل يوم داخل كل شاب وفتاة ورجل وسيدة‏..‏ لكنه انتماء كامن‏!.‏ هذا الانتماء هو الذي حرك ملحمة الشجاعة والفداء والرجولة‏!.‏
وبدأ التحرك‏..‏ وأصدر النقيب شاكر تعليماته بإيقاف جميع رادارات القاعدة حتي لاتشوشر علي دقة التصويب‏!.‏ المهم أنه من بداية التحرك بدأ خداع العدو والتمويه عليه‏!.‏ لم يخرج اللنشان من الممر الملاحي المؤدي لميناء بورسعيد وطوله ستة أميال‏..‏ لم يخرج اللنشان منه لأنه مرصود ومراقب برادارات المدمرة الرابضة هناك ولذلك تحرك اللنشان إلي عرض البحر من خارج الممر وخارجه توجد أخطار بحرية كبيرة لأن حاجز الأمواج يؤمن الممر‏!.‏ خرج‏504‏ و‏501‏ بعيدا عن الممر وبالتالي عن عيون المدمرة أما سرعة اللنشين فقد تم تخفيضها لتكون بطيئة جدا لكي تبدو علي رادارات العدو أنها‏'‏ بلانصات‏'‏ صيد وليست أهدافا حربية‏..‏ وكان ذلك خداعا آخر للعدو وثالث خداع أن اللنشين سارا تجاه الهدف علي مسافة قريبة جدا من بعضهما ليظهرا علي شاشة الرادار وكأنهما مركب صيد واحد يسير ببطء‏!‏
الساعة تقترب من الخامسة والثلث مساء واللنشان‏504‏ و‏501‏ وصلا إلي مكانهما المحدد لإطلاق صواريخهما وتم إخلاء سطح اللنش‏504‏ الذي سيبدأ الهجوم وفي الخامسة و‏28‏ دقيقة انطلق الصاروخ الأول‏..‏ وهو أيضا الأول في أول عملية حربية بحرية في العالم تستخدم فيها صواريخ سطح ـ سطح‏.‏ انطلق الصاروخ‏(2500‏ كيلو جرام‏)‏ بسرعة هائلة وبارتفاع يتراوح بين‏100‏ و‏300‏ متر وأصاب منتصف المدمرة كما سجل رادار اللنش وبسرعة أصدر النقيب شاكر أوامره بإطلاق الصاروخ الثاني من نفس اللنش‏504‏ وفور إطلاق الصاروخ الثاني تم فتح الدرع الواقي وخرج الطاقم بأكمله إلي سطح اللنش وشاهدوا الصاروخ في السماء إلي أن انخفض وراء خط الأفق ولحظات وسمع الأبطال انفجارا هائلا وسحب دخان علي شكل عش الغراب ترتفع في السماء‏!.‏ وأخذ الرجال يعانقون بعضهم بعضا بعد تأكدهم من إصابة الهدف‏..‏ وعاد اللنشان إلي قاعدة بورسعيد وفوجئا بأن بورسعيد كلها واقفة علي البحر وشاهدت الصاروخين في السماء ورأت الدخان وسمعت الانفجار‏..‏ لكنها وأقصد بورسعيد لاتعرف من يضرب من؟‏.‏ وما إن تسرب الخبر حتي رقصت بورسعيد بأكملها وبقي أهلها في الشوارع غير مكترثين بأي رد فعل من العدو‏..‏ وفجأة‏!‏

الرادارات التي كانت مغلقة تم فتحها وإذ بهدف موجود علي شاشاتها‏..‏ وصدر الأمر للنش‏501‏ بالتعامل معه وخرج الرجال بقيادة النقيب لطفي جاد الله ووصلوا إلي الموقع المحدد وأطلقوا أول صاروخ وتبعه الثاني واختفي الهدف للأبد من علي كل شاشات الرادار الموجودة‏!

غرقت المدمرة إيلات أكبر قطع البحرية الإسرائيلية وخرجت من الخدمة إلي الأبد ورقدت في قاع البحر المتوسط رقدتها الأخيرة في عملية هي الأولي في العالم‏..‏ لأن الصواريخ سطح ـ سطح لم تكن معروفة وعرفها العالم كله من خلال المقاتلين المصريين الذين كانوا أول من استخدمها في حرب‏..‏ وبعدها بسنين استخدمها الإنجليز ضد الأرجنتين في جزيرة فوكلاند المتنازع عليها‏!‏

بريطانيا في أول رد فعل لها علي إغراق المدمرة إيلات قالت‏:‏ الطريقة التي أغرقت بها المدمرة إيلات‏..‏ تدل علي مهارة غير عادية وتعتبر عملا عظيما يتطلب قدرات عالية‏!.‏ سلومو إيريل قائد البحرية الإسرائيلية قال‏:‏ الصواريخ المصرية أحالت المدمرة إلي كتلة من النيران والصلب الملتوي‏!.‏ أما قائد المدمرة إيلات في كتابه‏'‏ الرحلة الأخيرة للمدمرة إيلات‏'‏ ويقصد الرحلة التي أغرقت فيها بصواريخ المصريين‏..‏ فيحكي حكايته مع فخر البحرية الإسرائيلية التي انتهي بها المطاف في قاع البحر وكيف أنه لم يتصور يوما أن يحدث ذلك‏!.‏ يعترف في كتابه بأنه لم يخطر علي باله للحظة أن يجيء أي خطر من أي نوع من المصريين وأن البحر مفتوح أمامه ولايجرؤ أحد علي النظر للمدمرة التي معها سرب لنشات طوربيد وغطاء جوي من الطائرات المقاتلة ثم من الذي يقدر علي الوقوف أمام أكبر قطع الأسطول البحري الإسرائيلي‏!.‏ الذهول ضرب قائد إيلات بعد أن قصم الصاروخ الأول ظهر المدمرة بإصابة مباشرة نسفت اتصالات المدمرة وأشعلت النيران في منتصفها وقبل أن يفيق القائد المذهول من ذهوله فوجئ بالصاروخ الثاني الذي جعل المدمرة تغوص‏15‏ درجة ويعترف القائد بأنه فوجئ بعد فترة وهو مشغول بإخلاء المدمرة بصاروخين علي التوالي تمزقت بعدهما المدمرة إلي أشلاء واختفت تحت الماء‏..‏ ولم تكن تلك هي الخسارة الوحيدة إنما فقد العدو‏120‏ من قواته بين قتيل ومفقود لم يعثروا لهم علي أثر بخلاف عشرات الجرحي‏..‏ أما الخسارة الأفدح للصهاينة علي الإطلاق فهي أنهم عرفوا يقينا أنهم أمام مقاتلين من نوع فريد‏..‏ كل شيء عندهم بلا حدود‏..‏ شجاعة وبسالة وانتماء وتضحية وحب لوطن‏!‏

شكرا للرجال الذين صنعوا ملحمة فداء في وقت كان لابد أن يذوق فيه الصهاينة طعم الانكسار‏!‏
وقت كانت مصر في أشد الحاجة لانتصار‏!‏
وللحديث بقية مادام في العمر بقية


إبـراهيــــم حجـــــازي