التَّشْبيه الضمني



الأَمثلة:

(1) قال أَبو تمّام:

لاَ تُنْكِرِي عَطَلَ الْكَريم مِنَ الْغِنَى

فالسَّيْلُ حرْبٌ لِلْمكانِ الْعالِي





(2) وقال ابن الرومي:

قَدْ يَشِيب الْفَتَى وَلَيْسَ عجيباً

أَنْ يُرَى النَّورُ في الْقَضِيبِ الرَّطيبِ





(3) وقال أَبو الطيب:




مَنْ يَهُنْ يَسْهُل الْهَوَانُ عٌليهِ

ما لِجُرْحٍ بمَيِّتٍ إِيلام







البحث:


قد يَنْحو الكاتب أو الشاعر منْحى من البلاغة يوحي فيه بالتشبيه من غير أن يُصرِّح به في صورة من صوره المعروفة [60] ، يفعل ذلك نُزوعاً إلى الابتكار، وإِقامة للدليل على الحكم الذي أَسنده إلى المشبه، ورغبةً في إخفاء التشبيه، لأَن التشبيه كلما دقَّ وخَفَى كان أبلغ وأفعل في النفس.

اُنظر بيت أبى تمام فإنه يقول لمن يخاطبها: لا تستنكرى خلوَّ الرجل الكريم من الغنى فإن ذلك ليس عجيباً لأَن قِمَمَ الجبال وهي أشرف الأَماكن وأعلاها لا يستقر فيها ماءُ السيل. ألم تلمح هنا تشبيهاً؟ ألم تر أنه يشبه ضِمْناً الرجل الكريم المحروم الغِنى بِقمّة الجبل وقد خلت من ماء السيل؟ ولكنه لم يضَعْ ذلك صريحاً بل أتى بجملة مستقلة وضمنها هذا المعنى في صورة برهان.

ويقول ابن الرومي: إنَّ الشابَّ قد يشيب ولم تتقدم به السن، وإن ذلك ليس بعجيب فإن الغصن الغض الرطب قد يظهر فيه الزهر الأَبيض. فابن الرومي هنا لم يأْت بتشبيه صريح فإنه لم يقل: إِن الفتى وقد وَخَطَهُ الشيب كالغصن الرطيب حين إزهاره، ولكنه أتى بذلك ضمنًا.

ويقول أبو الطيب: إنَّ الذي اعتادَ الهوان يسهلُ عليه تحملهُ ولا يتأَلم له، وليس هذا الادعاءُ باطلاً؛ لأَن الميت إذا جُرحَ لا يتأَلم، وفي ذلك تلميح بالتشبيه في غير صراحة.

ففي الأبيات الثلاثة تجِدُ أركان التشبيه وتَلْمحُهُ ولكنك لا تجدُه في صورة من صوره التي عرفتها، وهذا يسمى بالتشبيه الضمني.



القاعدة

(9) التشبيهُ الضِّمنيُّ: تشبيهٌ لا يُوضعُ فيه الْمُشَبَّهُ والمشبَّهُ بهِ في صورةٍ من صُور التشبيه المعروفةِ بَلْ يُلْمَحان فِي الترْكِيبِ. وهذا النوع يُؤْتَى به لِيُفيدَ أن الحُكم الذي أُسْنِدَ إلَى المشَبَّه مُمكنٌ.




نَمُوذَجٌ

(1) قال المتنبي:


وفي عنُقِ الحْسَناء يسْتحْسَنُ العِقْد
وأَصبح شِعْرِي منهما في مكانه



نوع التشبيه : ضمني

وجه الشبه : زيادة جمال الشئ لجمال موضعه

المشبه به : حال العقد الثمين يزداد بهاء في عنق الحسناء

الشبه : حال الشعر يثني به على الكريم فيزداد الشعر جمالا لحسن موضعه




بيِّن المشبَّه والمشبه به ونوع التشبيه فيما يأْتي مع ذكر السبب:


(1) قال البحتري:

وللسَّيفِ حدٌّ حين يسْطُو وروْنَقُ
ضَحوكٌ إِلى الأَبطال وهْوَ يَروعُهم


(2) وقال المتنبي:


أَسْرَعُ السُّحْبِ في المسِيرِ الْجهَام
ومن الْخَيْرِ بطءُ سَيْبِكَ عنِّي


(3) وقال:

وهلْ يروق دَفيناً جوْدة الكَفَن
لاَ يُعْجِبَنَّ مَضِيماً حُسنُ بِزّتِه

(4) وقال:

وَلكِنْ معْدِن الذهبِ الرَّغامُ
ومَا أَنا مِنْهُمُ بالعَيشِ فيهمْ


(5) وقال أَبو فراس:


وفي اللَّيْلَة الظَّلْماءِ يٌفْتَقَدُ الْبَدْر
سَيذْكُرني قَوْمي إِذا جدّ جِدُّهمْ


والمنْهلُ العَذْبُ كثيرُ الزحام
تَزْدَحِمُ القُصَّادُ في بابِهِ