الحقيقـة والمجـاز

المجاز اللغوي



الأمثلة:

(1) قال ابنُ العَمِيد :


نَفْسٌ أحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسي
قامَتْ تُظَلِّلُني مِنَ الشَّمْسِ


شَمْسٌ تُظَلِّلُني مِنَ الشمْسِ
قامَتْ تُظَلِّلُني ومِنْ عَجَبٍ



(2) وقال البحترى يَصِف مبارزة الفَتْح بن خاقان لأسد:


عِراكاً إِذَا الْهيَّابَة النِّكْسٌ كَذَّبَا
فَلَم أَرَضِرْ غامَيْن أصْدَق مِنْكُما


مِنَ الْقَوْم يَغْشَى باسِل الْوَجْه أغْلبَا
هِزبرٌ مَشَى يَبْغِي هِزَبْرًا وأغْلَبٌ



(3) وقال المتنبي يقد سقط مطرٌ على سيف الدولة:


تَحَيَّرُ مِنْهُ فِي أمْرٍ عُجابِ
لِعَيْني كُلَّ يَومٍ مِنْكَ حَظُّ


وَمَوْقِعُ ذَا السَّحَابِ على سَحَاب
حِمَالةُ ذَا الحُسَام عِلى حُسامٍ



(4) وقال البحترى:





إِذَا العَيْنُ رَاحَتْ وَهْى عَيْنٌ على الجَوَى
فَلَيْسَ بسرٍّ مَا تُسِرُّ اَلأَضَالِعُ





البحث:

انظر إِلى الشطر الأَخير في البيتين الأولين، تجد أن كلمة "الشمس " استعملت في معنيين: أحدهما المعنى الحقيقي للشمس التي تعرفها، وهي التي تظهر في المشرق صبحاً وتختفي عند الغروب مساءً، والثاني إنسان وضاءُ الوجه يشبه الشمس في التلأْلؤ، وهذا المعنى غير حقيقي، وإِذا تأملتَ رأيتَ أنَّ هناك صِلَةً وعلاقة بين المعنى الأصليّ للشمس والمعنى العارض الذي اسْتُعْمِلَتْ فيه. وهذه العلاقة هي المشابهة، لأَن الشخص الوضئَ الوجه يُشْبِه الشمس في الإِشراق، ولا يمكن أن يلتبس عليك الأَمر فتَفْهَم من "شمس تظللني" المعنى الحقيقي للشمس، لأَن الشمس الحقيقية لا تُظَلِّل، فكلمة تظللني إِذا تمنع من إِرادة المعنى الحقيقي، ولهذا تسمى قرينة دالة على أَن المعنى المقصود هو المعنى الجديد العارض.

وإذا تأَملت البيت الثاني للبحترىِّ رأَيت أن كلمة "هِزَبْرًا" الثانية يراد بها الأَسد الحقيقي، وأن كلمة "هزبر" الأُولى يراد بها الممودوح الشجاع، وهذا معنى غير حقيقي، ورأيت أن العلاقة بين المعنى الحقيقي للأسد والمعنى العارض هي المشابهة في الشجاعة، وأن القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي للأَسد هي أن الحال المفهومة من سياق الكلام تدل على أن المقصود المعنى العارض، ومثل ذلك يقال في "أغْلب من القَوْم" و "باسِل الوَجْه أغْلبا" فإِن الثانية تدل على المعنى الأصلي للأسد، والأولى تدل على المعنى العارض وهو الرجل الشجاع والعلاقة المشابهة، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأَصلي هنا لفطية وهي "من القوم".


تستطيع بعد هذا البيان أن تدرك في البيت الثاني للمتنبي أن كلمة "حسام" الثانية استعملتْ في غير معناها الحقيقي لعلاقة المشابهة في تَحمُّل الأَخطار. والقرينة تُفهم من المقام فهي حالِية، ومثل ذلك كلمة "سحاب" الأَخيرة فإِنها استعملت لتدل على سيف الدولة لعلاقة المشابهة بينه وبين السحاب في الكرم، والقرينة حالِيَّة أيضاً.

أَما بيت البحترى فمعناه أنَّ عين الإنسان إِذا أصبحت بسبب بكائها جاسوساً على ما في النفس من وجْدٍ وحُزْن. فإن ما تَنْطَوِى عليه النفس منهما لا يكون سراً مكتوماً؛ فأَنت ترى أن كلمة "العين" الأولى استعملت في معناها الحقيقي وأن كلمة "عين" الثانية استعملت في الجاسوس وهو غير معناها الأصلي، ولكن لأَن العين جزء من الجاسوس وبها يَعْمل، أطلقها وأراد الكل شأن العرب في إِطلاق الجزء وإِرادة الكلّ، وأَنت تري أن العلاقة بين العين والجاسوس ليست المشابهة وإنما هي الجزئية والقرينة "على الجوى" فهي لفظيَّة.

ويتَّضح من كل ما ذكرنا أن الكلمات: شمس، وهِزَبْر، وأغْلب، وحُسام، وسحاب، وعين، استعملت في غير معناها الحقيقي لعلاقة وارتباط بين المعنى الحقيقي والمعنى العارض وتسمى كل كلمة من هذه مجازاً لغويًّا.



القاعدة

(12) المَجَاز اللّغَوىُّ هُوَ اللفظُ المُسْتعْمَلُ في غير ما وُضِعَ لَه لِعَلاقة مع قَرينةٍ مانِعةٍ مِنْ إِرادَةِ المعْنَى الحقيقي. والعَلاقةُ بَيْنَ الْمَعْنَى الحقيقي والمعنى المجازىّ قدْ تكونُ المُشَابَهةَ، وقد تكونُ غيرَها، والقَرينَةُ قد تكونُ لفظيةً وقد تكونُ حَالِيَّةً.