المحسنات المعنوية

(1) التورية



الأمثلة

(1) قال سِرَاجُ الدين الوَرَّاق [1] :
لقاءُ الموتِ عِنْدهُم الأديبُ



أصُونُ أديمَ وجهي عَن أُنَاس

وَلَوْ وَافَى بهِ لَهُمُ "حبَيبُ"





وَرَبُّ الشعر عندهُمُ بَغِيضٌ

[2] وقال نَصِيرُ الدين الحَمَّامي :


أبْيَاتُ شِعْرك كالقُصـ ـور ولا قُصُورَ بهَا يَعوقْ


ومنَ العجَائبِ لَفْظُها
حُرٌّ ومعناها "رَقيقْ "



(3) وقال الشَّابُّ الظريف [4] :


تَبَسَّم ثَغْرُ اللَّوْز عَن طيبِ نَشْرهِ
وأَقْبَلَ في حُسْنٍ يَجِلُّ عَن الوصْف


هَلُمُّوا إِليه بَينَ قَصْفٍ ولَذَّةٍ
فإِنَّ غصونَ الزَّهْر تَصْلُحُ "للقَصْفِ"



البحث:

كلمة "حَبيب" في المثال الأول لها معنيان: أحدهما المحبوب وهو المعنى القريب الذي يتبادر إلى الذهنْ بسبب التمهيد له بكلمة "بغيض"، والثاني اسم أبى تمام الشاعر وهو حبيبُ بنُ أَوْس، وهذا المعنى بعيد. وقد أَراده الشاعر ولكنه تَلطف فَورَّى عنه وستره بالمعنى القريب. وكلمة "رقيق" في المثال الثاني لها معنيان: الأول قريب متبادر وهو العبد المملوك وسببُ تبادُره إلى الذهن ما سبقه من كلمة "حُرّ"، والثاني بعيد وهو اللطيف السهل. وهذا هو الذي يريده الشاعر بعد أَن ستَره في ظل المعنى القريب. وكلمة "القَصْفِ" في المثال الثالث معناها القريب الكسْر، بدليل تمهيده لهذا المعنى بقوله: "فإن غصون الزهر" ومعناها البعيد اللعب واللهو، وهذا هو المعنى الذي قصد إليه الشاعر بعد أَن احتال في إخفائه ويسمى هذا النوع من البديع تورية، وهو فنٌّ بَرَعَ فيه شعراء مصر والشام في القرن السابع والثامن من الهجرة، وأَتوْا فيه بالعجيب الرائع الذي يدل على صفاءَ الطبع والقدرة على اللعب بأَساليب الكلام.


القاعدة:

(71) التَّوْريَةُ أَنْ يَذْكُرَ المتكلِّمُ لَفْظاً مُفْردًا له مَعْنَيانِ، قَريبٌ ظاهِر غَيْرُ مُرَادٍ ، وَبَعيدٌ خَفيٌّ هُوَ المُرادُ.





(2) الطِّباق


الأمثلة:


(1) قال تعالى: {وتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ} [1] .

(2) وقال صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ الْمَالِ عَيْنٌ سَاهِرَة لِعَيْنٍ نَائمة" [2] .

* * *

(2) وقال تعالى: {يَسْتَخفُون مِنَ النَّاس وَلا يَسْتَخفُونَ مِنَ اللهِ}.

(4) وقال السموءَل:




وَنُنْكِرُ إِنْ شِئْنَا عَلَى النَّاس قَوْلَهُمْ

وَلا يُنْكِرُونَ القَوْلَ حِينَ نَقُولُ [3]





البحث:


إِذا تأَملت الأمثلةَ المتقدمةَ، وجدت كلا منها مشتملاً على شيءٍ وضده، فالمثال الأول مشتمل على الكلمتين: "أيقاظاً" و "رقود" والمثال الثاني مشتمل على الكلمتين: "ساهر" و "نائمة".

أما المثالان الأَخيران فكل منهما مشتمل على فعلين من مادة واحدة أَحدهما إيجابي والآخر سَلبي، وباختلافهما في الإيجاب والسلب صارا ضدين، ويسمى الجمع بين الشيءِ وضده في الأَمثلة المتقدّمة وأَشباهها طباقاً، غير أَنه في المثالين الأَولين يدعى "طباق الإيجاب" وفي المثالين الأخيرين يدعى "طباق السلب".



القَاعدة:


(72) الطِّباقُ الْجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْءِ وضِدّه في الكلام، وهوَ نَوْعان:

(أ) طِبَاقُ الإيجاب، وَهُو ما لَمْ يَختَلِفْ فِيهِ الضدَّان إِيجَاباً وَسَلْباً.

(ب) طِباَقُ السَّلبِ، وَهُو ما اخْتَلَف فِيه الضِّدان إِيجَاباً وسَلْباً.





(3) المقابلة



الأمثلة:

(1) قال صلى الله عليه وسلم للأنصار:

"إِنكم لَتَكْثُرُونَ عِنْدَ الْفَزَع، وتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَع".

(2) وقال خالد بنُ صَفْوَانَ يَصِفُ رَجُلاً:

لَيْسَ له صديقٌ في السِّر، وَلا عَدُوٌّ في الْعلانِيَةِ.

* * *

(3) قال بعض الخلفاء: مَنْ أقْعَدَتْه نِكايَةُ اللِّئام، أَقَامَتهُ إعانةُ الكِرام.

(4) وقال عبد الملك بن مَرْوان [1] : مَا حَمِدْتُ نَفْسي عَلَى محبوب ابتدأْتُه بعَجْزٍ، ولا لُمْتهَا عَلَى مكروه ابتدأْتُه بحزم.



البحث:

إذا تأملت مثاليْ الطائفة الأولى وجدت كل مثال منهما يشتمل في صدره على معنيين، ويشتمل في عجزه على ما يقابل هذين المعنيين على الترتيب، ففي المثال الأَول بيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم صِفتين من صفات الأَنصار في صدر الكلام وهما الكثرة والفزع، ثم قابل ذلك في آخر الكلام بالقلة والطمع على الترتيب، وفي المثال الثاني قابل خالد بن صفوان الصديق السرّ بالعدو والعلانية.

انظر مثالي الطائفة الثانية تجد كلاًّ منهما مشتملاً في صدره على أكثر من معنيين، ومشتملاً في العجز على ما يقابل ذلك على الترتيب، وأداءُ الكلام على هذا النحو يسمى مقابلة.

والمقابلة في الكلام من أَسباب حسنه وإيضاح معانيه، على شرط أَن تتاح للمتكلم عفوًا، وأَما إِذا تكلفها وجرى وراءها، فإنها تعتقل المعاني وتحسبها، وتحرم الكلام رونق السلاسة والسهولة.


القاعدة

الْمُقَابَلَة أنْ يُؤْتَى بِمَعْنَيَيْن أوْ أكْثَرَ، ثم يُؤْتَى بمَا يُقَابلُ ذَلِكَ عَلَى التَّرتِيب.